الوضع المظلم
الخميس ٠٨ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
  • سوريا وميزوبوتاميا: اسم ينتمي إلى جغرافية حضارية واحدة

سوريا وميزوبوتاميا: اسم ينتمي إلى جغرافية حضارية واحدة
ماهين شيخاني

يعيدنا البحث عن أصل اسم “سوريا” إلى قلب العلاقة المصيرية التي تربطها بجارتها الشرقية العريقة، ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين). فالقصة ليست مجرد بحث لغوي عن جذر كلمة، بل هي كشف عن النسيج الحضاري المتداخل الذي شكل الهلال الخصيب. اسم “سوريا” الذي قد يكون تحريفاً لـ”آشور”، هو الدليل اللغوي على أن هذه الأرض كانت الامتداد الغربي والعمق الاستراتيجي للحضارات الميزوبوتامية العظيمة.

الاسم كخريطة للتداخل الجغرافي والتاريخي

تُظهر نظريات أصل التسمية أن “سوريا” لم تكن كتلة منعزلة:

1. النظرية الآشورية: تحريف للإسم “آشور”

أقوى دليل على الارتباط: الإمبراطورية الآشورية (مركزها في ميزوبوتاميا) هي التي طبعت اسمها على الأرض الغربية (سوريا) التي حكمتها.

2. النظرية الفينيقية: نسبة لمدينة صور

تظهر أهمية الساحل السوري كنافذة بحرية للمنطقة الداخلية (ميزوبوتاميا) التي كانت تتاجر عبرها.

3. النظرية السريانية: نسبة للسريان (الآراميين)

تعكس الهجرة والحضور الآرامي من سوريا إلى عمق ميزوبوتاميا، حيث أصبحت لغتهم لغة الإقليم.

نهر الفرات: الشريان الذي يربط الاسم بالأرض

العلاقة ليست اسمية فحسب، بل هي جغرافية وجودية:

الحد الطبيعي والرابط: كان نهر الفرات الحد الفاصل التقليدي بين سوريا (غرباً) وميزوبوتاميا (شرقاً)، ولكنه في الوقت نفسه كان طريقاً مائياً حيوياً للغزوات والتجارة والهجرات.

منطقة الجزيرة: تشكل شمال شرق سوريا (الجزيرة الفراتية) منطقة انتقالية طبيعية وثقافية، وهي جزء من الهلال الخصيب الذي يمتد من ميزوبوتاميا. هذه المنطقة كانت دوماً جسراً بين العالمين.

التاريخ المشترك: من الصراع إلى التمازج

1. السيطرة العسكرية: كانت سوريا مطمعاً وولاية تابعة للإمبراطوريات الميزوبوتامية المتعاقبة (الآشورية والبابلية)، لأنها منحتها الوصول إلى البحر والمعادن والطرق الدولية.

2. التبادل الحضاري: لم تكن العلاقة ذات اتجاه واحد. فكما فرضت آشور سيطرتها على سوريا، فإن الآراميين السوريين غزوا ميزوبوتاميا ثقافياً، حيث أصبحت لغتهم (الآرامية) لغة الإدارة والتجارة في الإمبراطورية الآشورية لاحقاً، ومقدمة للغة السريانية.

3. الإرث المشترك: هذا التداخل خلق ميراثاً حضارياً موحداً في مجالات الفنون والعمارة (مثل الزقورات والأساليب النحتية) والأنظمة القانونية والأساطير (مثل ملحمة جلجامش التي انتشرت في كل المنطقة).

ميزوبوتاميا الكوردية: الجسر البشري في قلب العلاقة

إذا كان اسم سوريا يعكس الامتداد الغربي للحضارات الميزوبوتامية، فإن ميزوبوتاميا الكوردية تمثل قلب هذا الامتداد، لا بوصفها هامشاً، بل باعتبارها المجال الجبلي–النهري الذي حفظ الاستمرارية الحضارية بين الشرق والغرب.

فالمناطق التي تُعرف اليوم تاريخياً بـ:

أعالي دجلة والفرات

بوتان، هكاري، جزيرة ابن عمر

شمال الجزيرة الفراتية (الحسكة، سري كانيه، ديرك)

هي ليست أطرافاً لسوريا أو العراق، بل جزء من ميزوبوتاميا العليا (Upper Mesopotamia)، وهي المنطقة التي تشكّلت فيها الهويات قبل تشكّل الدول.

الكورد كاستمرارية جغرافية لا طارئة تاريخية

في هذه المساحة تحديداً، لعب الكورد دور الاستمرارية السكانية بين:

آشور وبابل

سوريا الآرامية

الأناضول والمرتفعات الإيرانية

فبينما تغيّرت الإمبراطوريات، وبقيت الأسماء تتبدّل (آشورية، هلنستية، رومانية، إسلامية)، حافظت الجبال والسهول الشمالية لميزوبوتاميا على سكانها الأصليين، الذين نعرفهم اليوم باسم الشعب الكوردي.

وهنا تكتسب العلاقة بين سوريا وميزوبوتاميا بعداً أعمق:

فليست العلاقة فقط بين كيانين حضاريين،

بل عبر شعب عاش في المنطقة الانتقالية بينهما،

وكان جزءاً من الاثنين معاً.

الجزيرة الفراتية: سوريا الميزوبوتامية بوجهها الكوردي

ما يُسمّى اليوم بـ شمال شرق سوريا – أو تاريخياً حسب المصادر العربية – الجزيرة الفراتية – هو المثال الأوضح على هذا التداخل:

جغرافياً: جزء من ميزوبوتاميا

تاريخياً: فضاء آشوري–  آرامي

سكانياً: مجال كوردي قديم

سياسياً: أُلحق بسوريا الحديثة بعد سايكس–بيكو

وبذلك، فإن فهم اسم “سوريا” بوصفه امتداداً آشورياً–ميزوبوتامياً، يقودنا بالضرورة إلى الاعتراف بأن جزءاً من سوريا الحالية هو امتداد طبيعي لميزوبوتاميا الكوردية، لا منطقة طارئة أو هامشية.

ما وراء الاسم: القضية الكوردية في قلب الهلال الخصيب

من هنا، لا تصبح هذه المقالة مجرد بحث لغوي أو تاريخي، بل مدخلاً لفهم أعمق للقضية الكوردية نفسها:

فالكورد لم يظهروا على أطراف الحضارة،

بل عاشوا في قلبها،في المنطقة التي حملت أسماء متعددة، لكنها حافظت على جغرافيتها وسكانها.

إن تغيّر الأسماء من آشور إلى سوريا، ومن ميزوبوتاميا إلى دول حديثة، لم يُلغِ حقيقة واحدة:

أن ميزوبوتاميا العليا، بوجهها الكوردي، كانت ولا تزال جزءًا أصيلاً من تاريخ الهلال الخصيب.

خلاصة :

اسم “سوريا” هو شاهد على التداخل الحضاري مع ميزوبوتاميا، لكن ميزوبوتاميا الكوردية هي الشاهد البشري الحيّ على هذا التداخل.

فالحدود الحديثة فصلت الجغرافيا سياسياً،لكنها لم تفصل التاريخ،ولا الذاكرة،ولا الشعوب.

وإذا كان فهم سوريا لا يكتمل دون ميزوبوتاميا،

فإن فهم ميزوبوتاميا نفسها لا يكتمل دون الكورد.

ليفانت: ماهين شيخاني .

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!