-
شعب عفرين... وأجراس العودة تُقرع
لم يكن عام 2018 عاماً عابراً في ذاكرة أهالي عفرين الكردية، بل شكّل نقطة تحوّل عميقة في حياة عشرات آلاف العائلات التي وجدت نفسها فجأة أمام مشهد النزوح والخوف وفقدان الأمان. تغيّرت ملامح المدينة التي طالما عُرفت بأشجار الزيتون وهدوء القرى الجبلية، وتبدّلت الوجوه في الطرقات والأسواق، وغابت أصوات الأطفال عن الأزقة التي اعتادت الحياة.
على امتداد تسعةٍ وخمسين يوماً، عاش المدنيون تحت القصف والخوف والترقب. لم تكن الحرب بالنسبة لسكان عفرين مجرد أخبار تُنقل عبر الشاشات، بل كانت واقعاً يومياً يقتحم البيوت ويلاحق الناس في تفاصيل حياتهم الصغيرة. كانت العائلات تستيقظ على أصوات الطائرات، وتنام على القلق من ليلة جديدة قد تحمل معها المزيد من الفقدان.
وفي تلك الأيام القاسية، انتشرت صور الأمهات والآباء عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية وهم يحملون أطفالهم على طرقات النزوح الطويلة. كثيرون فقدوا أبناءهم خلال رحلة الهروب، وآخرون دفنوا أحباءهم على جوانب الطرق قبل أن يواصلوا السير نحو المجهول. لم يكن النزوح خياراً، بل محاولة أخيرة للنجاة.
ومع اشتداد العمليات العسكرية، مُنع كثير من الأهالي من العبور، فيما ازداد عدد الجرحى والضحايا ساعةً بعد أخرى، وكان المدنيون النسبة الأكبر بينهم. تحولت المدارس والمنازل إلى أماكن للاحتماء، بينما فقد آلاف الناس ممتلكاتهم وأرزاقهم التي بنوها على مدار سنوات طويلة من العمل والتعب.
لم تكن خسارة أهالي عفرين مقتصرة على البيوت فقط، بل امتدت إلى الأرض التي تمثل بالنسبة لهم الذاكرة والهوية ومصدر الحياة. فالأرض الزراعية في عفرين ليست مجرد ملكية عقارية، وإنما تاريخ عائلي متوارث، ارتبط بأشجار الزيتون التي شكّلت رمزاً للمدينة ولأهلها. وخلال سنوات التهجير، تعرّضت مساحات واسعة من الأراضي للتغيير والاستغلال، وقُطعت أعداد كبيرة من الأشجار، بينما حُرم أصحابها الحقيقيون من خيراتها ومن مواسم الزيت والزيتون التي كانت تشكل مصدر رزق رئيسياً لهم.
واستمر الابتعاد عن الوطن الصغير لأكثر من سبع سنوات، عاش خلالها آلاف العفرينيين في مخيمات النزوح في حلب والحسكة، فيما انتقل آخرون إلى كوباني والقامشلي ومدينة الطبقة. وهناك بدأت رحلة أخرى من المعاناة، عنوانها الفقر والبرد والحنين والانتظار الطويل.
كبر أطفال كثيرون بعيداً عن بيوتهم الأصلية، وبعضهم لم يعد يتذكر ملامح قريته أو منزله، بينما بقي كبار السن يحملون مفاتيح البيوت القديمة وأسماء القرى في ذاكرتهم، على أمل العودة يوماً ما. كانت عفرين حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية؛ في الأغاني، واللهجة، والطعام، والقصص التي تُروى في ليالي المخيمات.
واليوم، ومع الاتفاقيات العسكرية والسياسية بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، عاد الحديث مجدداً عن حق المهجرين في العودة إلى بيوتهم وأراضيهم واستعادة حقوقهم. بالنسبة لأهالي عفرين، لا تمثل العودة مجرد انتقال جغرافي، بل استعادة لجزء من الروح والكرامة والهوية التي فُقدت خلال سنوات النزوح.
وتؤكد المادة 17 من Universal Declaration of Human Rights، الذي أقرّته الأمم المتحدة في ديسمبر عام 1948، أن:"لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفًا."
وهذا المبدأ لا يتعلق فقط بالملكية المادية، بل يرتبط أيضاً بحق الإنسان في الأمان والاستقرار والانتماء إلى أرضه. لذلك فإن حق أهالي عفرين في العودة إلى بيوتهم وأراضيهم هو حق إنساني وقانوني، تماماً كحق أي سوري في أن يعيش بحرية وكرامة على أرض وطنه.
اليوم، تمتزج دموع الفرح بالحنين في قوافل العائدين. ترافقهم الأغاني التراثية الكردية العفرينية وهم يسلكون الطرق المؤدية إلى قراهم ومدنهم، فيما تتزايد أعداد العائدين من الطبقة وكوباني والقامشلي والحسكة وحلب. يعود الناس حاملين ذكرياتهم الثقيلة وآمالهم البسيطة: أن يجدوا بيتاً ما زال قائماً، أو شجرة زيتون نجت من الغياب الطويل.
ورغم كل ما حدث، ما زال كثير من السوريين، ومنهم أهالي تل أبيض ورأس العين، ينتظرون فرصة العودة إلى بيوتهم ومدنهم مثلما عاد غيرهم من أبناء عفرين.
إن عودة السوري إلى أرضه وملكه، وتعويضه عن خسائره، ليست قضية فردية تخص شخصاً أو منطقة بعينها، بل هي جزء أساسي من أي مشروع حقيقي لبناء السلام والاستقرار في سوريا. فالأوطان لا تُبنى بالقوة والخوف، وإنما بالعدالة، وضمان الحقوق، وإعادة الإنسان إلى المكان الذي ينتمي إليه.
ليفانت: سردار شريف
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

