الوضع المظلم
السبت ١٤ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
حين تمطر السماء أطرافا مبتورة
شيرين صالح

طائرات الكشف الحربية تعاين ليلاً أهدافها حتى لا تخطأ ضحاياها، بعد ساعات سعير الطائرات الحربية  تكاد تشق الأرض بقذائفها كما اللهيب يمطر، سعير يجعل من البشر والبيوت أكواماً متفحمة، ضجيج الحرب يهز الأرض وشرائط الأخبار العاجلة تملأ شاشات العالم بقصف الفصائل المدعومة من تركيا مدينة عفرين عام ٢٠١٨، في تلك الأثناء كنت احافظ على تركيزي مع جرحى الحرب في غرفة العمليات في مشفى أفرين، طفل اصيب في القصف فبترت ساقه، وآخر رجل وبعدها امرأة وهكذا كانت تتوالى الضحايا حتى تكاد تمطر السماء أطرافاً مبتورة. 

 

( أخبر أمي أنني أحبها كثيراً..أحبها جداً) قالها لي شاب من عفرين اصيب بكتفه والوجع يقطع كلامه، حولته لغرفة العمليات، نزف كثيراً فتبرعت بدمي والتوتر يسرع حركتي، تتوالى القذائف  فترتج الأرض، لكن خطى الموت كانت أسرع تاركاً وصيته تسكن بألمها ذاكرتي. مرت عدة أشهر، قدمت امرأة عيادتي في مدينة قامشلي، نظرت إلي والدموع هزها بشهقات متتالية ( أنت الطبيب جوان حمي أليس كذلك؟) سحبت يداي وشمتها ( أشم رائحة فلذة كبدي من أصابعك، من يديك) دموعي وعجزي أمامها شل حركتي حزناً. عبثاً حاولت أن أنفض كفاي عن هذه الذاكرة المؤلمة، لكن دون جدوى. 

 

لن أنسى هيئة الطفل جودي ذو الثمانية سنوات عندما خطفه الردى على سرير غرفة العمليات وأنا أحاول انقاذه، بعدما أصابت رصاصة قناص تركي جسده النحيل، أعتاد أن يرمي الأحجار باتجاه الحدود التركية من مقبرة الهلالية المحاذية للحدود. بعد عدة شهور أخبرتني ولدته انها سترفع قضية ضد القناص القاتل ( أضف إلى التقرير الطبي أن أبني جودي وحيد لأربع بنات، أكتب أن أخوهم تحول إلى كومة عظام، جمجمة، وبقايا أطراف وذكريات). أحياناً، لا شعورياً ألف أنظاري بمحيطي أبحث عن شيء ما أبعد فيها التفاصيل المؤلمة عن مخيلتي وذوو الضحايا، نفخة.. مسحة لا أعرف.  

 

على سرير غرفة العمليات يتساوى الجلادون والضحايا، أكياس الدم وحقن التخدير ذاتها، لا استثناءات في قسم ابقراط الطبي، اتذكر من بين العشرات من عناصر داعش الذين عالجتهم، عنصر من السعودية كان طبيباً اصيب برصاصة في كتفه، كان في مهمة تفجير انتحاري في مدرسة أطفال، كان يرتدي حزاماً ناسفاً، لثوان دار واختفى بمخيلتي صور جثث التفجير الانتحاري في ليلة عيد النوروز الذي اودى بحياة عشرات المدنيين المحتفلين الكرد، وتوفي فيها أحد أقربائي في مدينة الحسكة عام ٢١ آذار عام ٢٠١٥. أستعمل أربطة الشاش والقطن لكل الجروح، حتى لو كان السرير يجمع القاتل وضحيته، حتى لو كان ذلك السعودي أحد المخططين بقتل أقربائي في التفجير. 

 

تؤلمني ذاكرة طفلة ( ٧ سنوات ) من تل تمر بشمال سرق سوريا خطف لغم داعش قدمها، تعرضت لهرس فبترتها عام ٢٠١٥. قبل أشهر سألتني عيادتي والحزن يرسم وجهها ( دكتور أين دفنتم ساقي )، كأنها كانت تبحث عن ضالتها المفقودة في عيادتي، بين أغراضي وأنا الذي كنت أرسم عبثاً بخيالي قدماً جديداً وألم الرد أسكتني. 

تؤلمني جملة لطفلة ذات خمس سنوات ثقبت ذاكرتي بوجعها، تعرضت لتفجير داعش فبترت ساقها من العام نفسه ( عندما فقدت سني اللبني طلبت من الشمس سناً فنبتت، يا دكتور، هل لي أن أطلب من الشمس قدماً جديداً ؟) 

 

ليفانت: شيرين  صالح

 

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!