الوضع المظلم
الخميس ٠٨ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
في نيويورك.. غرفة حجز تتسع لجميع الرؤساء!
ميرزادحاجم

​وكأننا نشاهد شريطاً سينمائياً قديماً أُعيد تلوينه فجأة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.. هذا بالضبط ما شعرت به وأنا أطالع صور الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وهو يُقاد إلى الأراضي الأمريكية. المشهد ليس غريباً؛ الذاكرة استدعت فوراً وجه مانويل نورييغا بملابسه العسكرية الرثة بعد غزو بنما، واستحضرت نظرات الذهول في عينيّ خوان هيرنانديز، رئيس هندوراس الذي كان حتى الأمس القريب "صديقاً صدوقاً" لواشنطن قبل أن ينتهي به المطاف في زنزانة باردة.

​ما حدث فجر الثالث من يناير ليس مجرد خبر عاجل، بل هو رسالة خشنة كُتبت على عجل، ومفادها أن "الحصانة" في قاموس العم سام ليست سوى حبر على ورق، وأن بدلات الرؤساء الأنيقة لا تختلف كثيراً عن بدلات السجناء البرتقالية؛ الفرق فقط في التوقيت، وفي مدى رضا "السيد" القابع في البيت الأبيض.

​لنتحدث بصراحة بعيداً عن ديباجات القانون الدولي المنمقة؛ ما جرى لمادورو هو النسخة الأكثر "هوليوودية" مما جرى لنورييغا قبل عقود. التهمة هي هي: المخدرات. والمبرر هو هو: حماية الأمن القومي. لكن الحقيقة التي يتهامس بها الجميع ولا يجرؤ كثيرون على قولها، هي أن واشنطن لا تمارس دور القاضي هنا، بل دور "العرّاب".

​تذكروا معي هيرنانديز، رئيس هندوراس السابق. الرجل لم يكن عدواً لأمريكا، بالعكس، كان ضيفاً دائم الابتسامة في أروقتها. لكن، وبمجرد أن احترقت ورقته السياسية، لم تشفع له خدماته السابقة. رُكل إلى نيويورك ليواجه مصيره. وقبله جان برتراند أريستيد في هايتي، الذي اختفى في ظروف غامضة ليظهر في أفريقيا، في عملية "تغريب" قسري لا تحدث إلا في روايات الجاسوسية.

​والآن، جاء الدور على "الصيد الثمين"، مادورو. اعتقاله بهذه الطريقة الدرامية من قلب كاراكاس يكسر كل الخطوط الحمراء. إنها لم تعد مسألة "عدالة عابرة للحدود"، بل تحولت إلى استعراض قوة فجّ. أمريكا تقول للعالم: "لا يهم إن كنت رئيساً منتخباً، أو دكتاتوراً، أو حليفاً، أو عدواً.. إذا وضعنا اسمك في القائمة، سنجلبك".

​المفارقة المضحكة المبكية في هذا المشهد العبثي، هي أن التهم الموجهة لهؤلاء الرؤساء قد تكون حقيقية، وربما يكونون غارقين في الفساد حتى آذانهم، لكن.. هل حاسبت واشنطن كل الفاسدين؟ أم أن سيف العدالة لا يُسلّ إلا على رقاب من خرجوا عن النص، أو من انتهت صلاحيتهم؟

​نحن أمام سابقة خطيرة تجعل من كراسي الحكم في دول العالم الثالث مقاعد قلق دائم. فاليوم مادورو، وبالأمس نورييغا وهيرنانديز، والقائمة مفتوحة. يبدو أن السجون الفيدرالية الأمريكية قررت أن تخصص جناحاً رئاسياً، وشعارها للمرحلة القادمة: "من التالي؟".

​في النهاية، ما نراه ليس انتصاراً للقانون بقدر ما هو تكريس لمنطق القوة. إنه تذكير بأن العالم، رغم كل حديثنا عن السيادة والاستقلال، لا يزال يُدار بمنطق "الفتوة" الذي يملك العصا الأغلط.. والأصفاد الأقوى.

ليفانت: ​د.ميرزادحاجم

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!