-
لأن أربيل عاصمة السلام
صرخات الأمهات الكرديات، اللواتي فقدن أبناءهن من قوات البيشمركة جرّاء الصواريخ الإيرانية، ما تزال تتردد اليوم، شاهدةً على حجم الألم الذي أصاب من كانوا سبباً في أن تكون أربيل واحةً للسلام لسنوات طويلة. هذه المدينة لم تكن مجرد عاصمة، بل كانت وطناً يحتضن مبادرات السلام بين شعوب المنطقة، وملاذاً آمناً لكل من فرّ من ويلات الحروب، خاصة منذ اندلاع الأزمة السورية.
لقد شهدت هذه الأرض تطوراً عمرانياً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، ولا تزال تواصل مسيرتها نحو التقدم بثبات. ولم يكن هذا الازدهار وليد الصدفة، بل نتيجة إرادة شعب آمن بالحياة رغم كل التحديات.
إن الهجوم على إقليم كردستان العراق يُقدَّم ظاهرياً على أنه استهداف لمؤسسات أميركية داخل الإقليم، إلا أن الحقيقة أعمق من ذلك؛ إذ يعكس صراعاً سياسياً وتنافساً إقليمياً، تخفي وراءه بعض الأطراف خشيتها من نموذج ناجح يتشكل في هذه البقعة. نموذج يثبت أن التعايش والاستقرار ممكنان، وأن بناء مجتمع متقدم ليس حكراً على دول بعينها.
لم تكن أربيل يومًا مدينة مغلقة على نفسها، بل كانت مساحة مفتوحة للتنوع الثقافي والديني. فيها يعيش الكردي إلى جانب العربي، والمسيحي إلى جانب المسلم، في صورة نادرة من التعايش الذي تفتقده مناطق كثيرة في الشرق الأوسط. هذا التنوع لم يكن عبئاً، بل مصدر قوة أغنى هوية المدينة ومنحها طابعها الفريد.
وقد لعبت قوات البيشمركة دوراً محورياً في حماية الإقليم من تهديدات عديدة، وكان لها دور بارز في مواجهة الإرهاب، خاصة خلال الحرب ضد تنظيم داعش. هؤلاء المقاتلون لم يدافعوا عن أرضهم فقط، بل ساهموا في حماية المنطقة بأكملها من الانهيار، وهو ما يجعل خسارتهم اليوم لشبابهم جرحاً عميقاً في وجدان المجتمع الكردي.
غالباً ما تُختزل مثل هذه الهجمات في أبعادها السياسية، لكن الحقيقة أن ضحاياها هم بشر لديهم عائلات وأحلام. الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن لا يعنين شيئاً في حسابات المصالح الدولية، لكنهن يمثلن الحقيقة الأكثر إيلاماً: أن الصراعات، مهما كانت مبرراتها، تدفع ثمنها الأرواح البريئة.
تسعى أربيل لأن تكون مركزاً اقتصادياً وسياحياً في المنطقة، وقد بدأت بالفعل في جذب الاستثمارات وفتح أبوابها للعالم. المطارات الحديثة، والمشاريع العمرانية، والبنية التحتية المتطورة، كلها مؤشرات على رغبة حقيقية في اللحاق بركب المدن العالمية، رغم كل التحديات السياسية والأمنية. لهذا السبب نرى أن ما يحدث اليوم من رمي القذائف على أهلها وهم نيام ليس إلا مشاريع سوداء يحاول بناءها من يشعرون أنهم فشلوا في أن تكون لهم مكانة مثل مكانة الكرد.
رغم كل ما حدث، تبقى رسالة أربيل واضحة: السلام ليس ضعفاً، بل قوة. والاستقرار ليس صدفة، بل نتيجة عمل طويل وإرادة جماعية. وإذا كان هناك من يخشى هذا النموذج، فإن الرد الحقيقي لا يكون بالصواريخ، بل بمزيد من الإصرار على البناء والحياة.
ليفانت: سردار شريف
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

