الوضع المظلم
الأحد ١٢ / يوليو / ٢٠٢٦
Logo
مشعل تمو... صوتٌ لم يغب
سردار شريف

لم تكن الساحة السياسية السورية يوماً ساحةً آمنة منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في ستينيات القرن الماضي. فقد تحولت سوريا إلى دولةٍ تحكمها القبضة الأمنية، حتى قيل إن للجدران آذاناً، بينما امتلأت السجون، مثل صيدنايا وتدمر وفرع فلسطين، بآلاف المعتقلين السياسيين، إلى جانب عشرات المعتقلات وغرف التحقيق التي أنهكت العائلات السورية بمختلف انتماءاتها ومناطقها.

كانت القضية الكردية من أكثر الملفات التي أرّقت أجهزة الأمن والاستخبارات السورية، وكان النشاط السياسي الكردي يُواجَه بالملاحقة والتضييق المستمر. ومن بين أبرز الشخصيات التي برزت في ذلك المشهد كان مشعل تمو، الذي اختار منذ بداياته أن يكون معارضاً لنظام حكم امتد لعقود، ولم يجد في الصمت خياراً
.
شكّل رحيل حافظ الأسد عام 2000، لحظةً حملت آمالاً لدى كثير من السوريين بإمكانية انفتاح سياسي يقود البلاد نحو الديمقراطية. غير أن انتقال السلطة إلى بشار الأسد خيّب تلك الآمال لدى قطاع واسع من المعارضين، بعدما بقيت بنية النظام وأجهزته الأمنية على حالها.
في تلك المرحلة، انخرط مشعل تمو في النشاط السياسي، ودعا إلى الإصلاح الديمقراطي وتوسيع الحريات العامة، كما طرح القضية الكردية على طاولات الحوار الوطني، مؤكداً أن حقوق الكرد جزء لا يتجزأ من مشروع الإصلاح الوطني السوري.

ومع انطلاق ربيع دمشق، شارك في الحراك السياسي الذي جمع عدداً من المثقفين والمعارضين السوريين المطالبين بالإصلاح. إلا أن السلطات سارعت إلى إنهاء تلك التجربة عبر حملة اعتقالات وملاحقات أمنية طالت مئات الناشطين والسياسيين، وكان للكرد نصيب كبير منها. ولم تؤدِ تلك الإجراءات إلا إلى زيادة إصرار مشعل تمو على مواصلة الدفاع عن الحقوق القومية للكرد والحريات العامة. وفي عام 2005، أسس تيار المستقبل الكردي في سوريا، ليصبح أحد أبرز الوجوه الكردية المعارضة للنظام، وصوتاً سياسياً يدعو إلى بناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة والعدالة والمساواة.

أثارت مواقفه السياسية قلق السلطات، وظل خاضعاً للمراقبة الأمنية، قبل أن يُعتقل عام 2008 ويُحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات ونصف. ورغم سنوات الاعتقال، لم تتغير قناعاته، بل بقي مؤمناً بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يقوم إلا على الديمقراطية والسلام واحترام حقوق الإنسان. ومع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011، أُفرج عن مشعل تمو، ليعود مباشرة إلى العمل السياسي، معلناً دعمه للحراك الشعبي السلمي، ومؤكداً وقوفه إلى جانب مطالب السوريين في الحرية والكرامة والتغيير.

لم يكن صوت مشعل تمو صوتاً خافتاً، بل كان من أبرز الأصوات السياسية في الجزيرة السورية. شارك في الاحتجاجات السلمية، ودعا السوريين، ولا سيما الكرد، إلى الانضمام إلى الحراك الشعبي، والعمل معاً من أجل بناء سوريا جديدة تتسع لجميع أبنائها. كما سعى إلى مدّ جسور الثقة بين الكرد والعرب وسائر المكونات السورية، مؤكداً أن الاعتراف بالحقوق القومية للكرد يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي دستور سوري جديد.

واتسمت مواقفه بالجرأة والوضوح، فطالب بانتقال سياسي سلمي، ورحيل بشار الأسد عن السلطة، وانتقد بشدة استخدام العنف ضد المتظاهرين، معتبراً أن ما يجري بحق السوريين يمثل انتهاكاً لحقوقهم الأساسية. كما دعا إلى مواصلة الاحتجاجات السلمية، وعدّها فرصة تاريخية لإعادة سوريا إلى مسار الحرية والديمقراطية.
وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، اغتيل مشعل تمو داخل منزله في مدينة القامشلي، بعدما أطلق مسلحون النار عليه وعلى عدد من الموجودين معه، ما أدى إلى مقتله وإصابة إحدى الناشطات. 

كان النظام السوري يقف وراء عملية الاغتيال، بينما نفت ذلك، ولم تُحسم القضية بتحقيق مستقل أو حكم قضائي نهائي. تحولت جنازته إلى واحدة من أكبر المظاهرات التي شهدتها مدينة القامشلي آنذاك، حيث شارك آلاف المشيعين الذين رأوا في رحيله خسارة لأحد أبرز الأصوات السياسية الكردية والسورية. غاب مشعل تمو جسداً، لكن صوته ظل حاضراً في الذاكرة السورية، بوصفه أحد الشخصيات التي ربطت بين النضال من أجل الحقوق الكردية والسعي إلى بناء دولة سورية ديمقراطية تقوم على الحرية والمواطنة والمساواة، وهي المبادئ التي بقي يدافع عنها حتى آخر يوم في حياته.

ليفانت: سردار شريف

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!