-
هيومن رايتس ووتش : إعادة إعمار سوريا تجري بلا ضمانات لحماية حقوق السكان
حذّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من أن جهود إعادة إعمار سوريا تجري في ظل غياب إطار قانوني وحقوقي متكامل يضمن مشاركة المجتمعات المتضررة ويحمي حقوق السكان في السكن والأراضي والملكية.
وقالت المنظمة، في تقرير نشرته الأحد 27 أيلول، إن الحكومة السورية أبرمت أو تعمل على إبرام صفقات بمليارات الدولارات في قطاعات إعادة الإعمار والاستثمار، بينما لا تزال القوانين الناظمة لهذه العملية تفتقر إلى ضمانات واضحة تتعلق بالتشاور، والتعويض، والاعتراض على القرارات المرتبطة بالمنازل والأراضي.
ودعت «هيومن رايتس ووتش» الحكومة والمانحين والمستثمرين إلى ضمان أن تخدم مشاريع إعادة الإعمار المجتمعات المحلية، وأن تتضمن آليات شفافة للتشاور مع السكان، ولا سيما النازحين، إلى جانب وضع إجراءات عادلة للتعويض وتمكين المتضررين من الطعن في القرارات.
مخاوف من إعادة الإعمار على حساب السكان
كانت الحكومة السورية قد كشفت في آذار 2026 عن مخطط وطني للتعافي، أعقبته تعهدات دولية بمليارات الدولارات للمساعدات والتمويل والاستثمار. إلا أن المنظمة قالت إن القوانين المعمول بها لا تلزم الحكومة أو المطورين بإشراك المجتمعات المتضررة قبل إقرار المشاريع أو طرحها على المستثمرين.
وترى المنظمة أن التعويضات يجب أن تُحدَّد من خلال التفاوض مع أصحاب الحقوق، لا أن تُفرض عليهم، مشيرة إلى ضرورة إنشاء آلية مستقلة تتيح للسكان الاعتراض على القرارات المتعلقة بمنازلهم وأراضيهم.
وقالت هبة زيادين، المستشارة الأولى لشؤون الشرق الأوسط في «هيومن رايتس ووتش»، إن إعادة إعمار سوريا تتقدم ببطء، لكنها قد تؤدي إلى انتهاكات واسعة لحقوق السوريين في حال استمرت من دون إطار حقوقي واضح.
وأضافت أن الإطار القانوني الذي يجري استكماله سيحدد مستقبلًا طبيعة إعادة بناء المنازل، والحقوق التي ستُعترف بها، والأطراف التي ستُسمع مطالبها خلال العملية.
واعتمدت المنظمة في تقريرها على مراجعة بيانات ووثائق حكومية سورية، من بينها تصريحات الرئيس أحمد الشرع بشأن إعادة الإعمار، والإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، إضافة إلى تقارير للبنك الدولي ولجنة الإنقاذ الدولية والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
عودة إلى مناطق تفتقر إلى الخدمات
بحسب التقرير، يعود سوريون إلى مناطق تفتقر، في بعض الحالات، إلى المساكن والخدمات الأساسية، بينما لا تزال قضايا السكن والأراضي والملكية، التي تعود جذور بعضها إلى عهد النظام السابق، من دون حلول نهائية.
وأشارت المنظمة إلى أن مشاريع إعادة الإعمار تُطلق في بعض المناطق من دون مشاركة كافية للسكان المتضررين، في وقت تُقدَّر فيه كلفة إعادة إعمار البلاد بمبالغ ضخمة. وكان البنك الدولي قد قدّر، في تشرين الأول 2025، قيمة الأضرار المادية بنحو 108 مليارات دولار، فيما تراوحت تقديراته لتكاليف إعادة الإعمار بين 140 و345 مليار دولار، بمتوسط يقارب 216 مليار دولار.
وفي إطار مساعيها لجذب الاستثمارات، تحركت الحكومة السورية بالتزامن مع استعادة العلاقات الدبلوماسية وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية، بعد رفع الولايات المتحدة ودول أوروبية العقوبات المفروضة على سوريا، وفق التقرير.
وتعهدت السعودية باستثمارات تبلغ 6.4 مليارات دولار في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات والطاقة، فيما التزمت قطر باستثمارات قدرها 4 مليارات دولار. كما حصلت «موانئ دبي العالمية» الإماراتية على امتياز لمدة 30 عامًا لتشغيل ميناء طرطوس.
ووافق البنك الدولي كذلك على مشاريع ممولة بمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار، فيما أطلق صندوق النقد الدولي برنامجًا للتعاون التقني مع دمشق. وتعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 620 مليون يورو، أي ما يعادل نحو 713 مليون دولار، للمساعدات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي خلال عامي 2026 و2027.
لكن المنظمة قالت إن حجم التعهدات والإعلانات يفوق بكثير حجم الاستثمارات المنفذة فعليًا، مشيرة إلى أن صرف مبالغ كبيرة من الجهات الدولية المانحة يرتبط بتوافر أطر واضحة للحوكمة والقوانين.
عودة غير مكتملة وحقوق ملكية معلّقة
ونقل التقرير عن دراسة للجنة الإنقاذ الدولية، صدرت في تموز 2026، أن أكثر من 3.5 ملايين لاجئ ونازح سوري عادوا إلى مناطقهم منذ كانون الأول 2024. إلا أن «هيومن رايتس ووتش» قالت إن عمليات العودة لم تكن طوعية بالكامل في جميع الحالات.
وبحسب المنظمة، عاد بعض السوريين نتيجة تدهور أوضاع النزوح، وتوقف المساعدات، وهشاشة أوضاعهم القانونية، وارتفاع تكاليف الإيجار في أماكن إقامتهم السابقة أو المؤقتة.
وأكدت «هيومن رايتس ووتش» أن سوريا ملزمة، بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بضمان الحق في السكن الملائم، بما يشمل أمن الحيازة، وتوافر الخدمات الأساسية، والتمتع بموقع مناسب.
كما يضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحصول على انتصاف فعال، فيما تشمل الالتزامات الحقوقية عدم التمييز على أساس العرق أو الدين، وضمان الوصول إلى المياه والصرف الصحي والكهرباء والصحة والتعليم والغذاء والضمان الاجتماعي.
ودعت المنظمة الحكومة السورية إلى اعتبار إعادة الخدمات العامة في مناطق العودة التزامًا حقوقيًا فوريًا، وليس خطوة مؤجلة إلى مرحلة لاحقة من إعادة الإعمار.
عوائق قضائية ومخاوف من تكرار التجارب السابقة
أشار التقرير إلى أن السكان المتضررين يستطيعون، من الناحية النظرية، اللجوء إلى المحاكم السورية في النزاعات الفردية، إلا أن ضعف الموارد القضائية وصعوبة إثبات الملكية يشكلان عائقًا أمام عدد كبير من أصحاب المطالبات العقارية.
كما لا تتوافر، بحسب المنظمة، آلية تظلم مستقلة ومتخصصة تتيح للسكان الاعتراض على قرارات إعادة الإعمار واسعة النطاق.
وفي دمشق، استُخدم المرسوم رقم 66 الصادر عام 2012 لتنفيذ مشاريع عمرانية أدت، وفق التقرير، إلى تهجير آلاف السكان من دون إجراءات قانونية كافية أو تعويضات مناسبة. وكان محافظ دمشق قد علّق تطبيق المرسوم في تشرين الأول 2025 بانتظار مراجعة قانونية، إلا أن مرسومًا رئاسيًا يحسم وضعه القانوني لم يصدر حتى الآن.
كما وسّع القانون رقم 10 لعام 2018 نموذج المرسوم 66 ليشمل مناطق أخرى في سوريا، وألزم السكان بإثبات ملكياتهم خلال مدد زمنية محددة، وهو ما قالت المنظمة إنه ألحق أضرارًا غير متناسبة بالنازحين الذين يواجهون صعوبات في الوصول إلى الوثائق والدوائر الرسمية.
وتوقف التقرير عند مشروعي **«ماروتا سيتي»** و**«باسيليا سيتي»** في دمشق، اللذين تديرهما شركة **«دمشق الشام القابضة»**، معتبرًا أن استمرار طرحهما للاستثمار يثير قضايا تتعلق بحقوق الملكية وآليات التعويض.
وكانت لجنة رئاسية قد شُكّلت في كانون الأول 2025 لمراجعة إجراءات المرسوم 66، فيما صدرت بعض قرارات التعويض في أيار 2026. إلا أن الإطار القانوني الناظم للمشروعين لا يزال، بحسب التقرير، غير محسوم.
وفي منطقة جوبر، التي دُمّر نحو 95% من مبانيها، قال التقرير إن السكان أُبلغوا بعدم قدرتهم على إعادة البناء بصورة فردية. وينص أحد مقترحات إعادة الإعمار على منح أصحاب المنازل وحدات جديدة تعادل 50% من المساحة الطابقية لمساكنهم السابقة، بينما يحصل سكان المناطق العشوائية على ما يعادل 30% من مساحة أراضيهم، في حين لا يتضمن المقترح تعويضًا للمستأجرين.
دعوات إلى إشراك السكان وربط الإعمار بالعدالة الانتقالية
قالت «هيومن رايتس ووتش» إن القانون الدولي يشترط منح المجتمعات المتضررة دورًا فعليًا في القرارات المتعلقة بمنازلها وأراضيها وأحيائها قبل اعتمادها، بما في ذلك إشراك النازحين في التخطيط لعودتهم وإعادة إدماجهم.
وأشارت إلى أن «مبادرة الإصلاح العربي»، استنادًا إلى 45 مقابلة أُجريت بين تموز 2024 وأيار 2026، خلصت إلى أن قرارات إعادة الإعمار اتُخذت في بعض الحالات من دون مشاركة مجتمعية، أو معايير واضحة للتعويض، أو آليات تظلم سهلة الوصول.
وأوصت المنظمة الحكومة السورية بما يلي:
- ضمان تطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال جميع مراحل إعادة الإعمار.
- إلزام الجهات الحكومية بالتشاور مع المجتمعات المتضررة قبل اعتماد المشاريع أو عرضها على المستثمرين.
- إعطاء الأولوية لرد الممتلكات وتمكين النازحين من العودة.
- وضع معايير واضحة وعادلة لتحديد التعويضات.
- وقف عمليات الهدم مؤقتًا في الحالات التي لم تُحسم فيها ترتيبات الملكية والتعويض.
- إلغاء المرسوم 66 والقانون رقم 10 لعام 2018، أو إخضاعهما لمراجعة مستقلة.
- إنشاء آليات تظلم مستقلة وفعالة.
- ربط إعادة الإعمار بمسار العدالة الانتقالية في قضايا السكن والأراضي والملكية.
- إعطاء الأولوية لإعادة الخدمات الأساسية في مناطق العودة.
كما دعت المانحين والمستثمرين إلى جعل احترام حقوق الإنسان شرطًا لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، وإجراء تقييمات مسبقة لآثار المشاريع على السكان، وضمان التشاور معهم وتوفير آليات واضحة لتقديم الشكاوى.
وطالبت المؤسسات المالية الدولية بإدراج تقييمات حقوق الإنسان وضمانات السكن والأراضي والملكية ضمن برامج التمويل والمساعدة الفنية، فيما دعت الشركات إلى إجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان قبل توقيع اتفاقات إعادة الإعمار، والامتناع عن إبرام صفقات تتعلق بالأراضي والممتلكات قبل إنشاء آليات لحل مطالبات السكان المتضررين.
وختمت زيادين بالقول إن الأطر القانونية المنظمة لإعادة إعمار سوريا لا تزال قيد الصياغة، معتبرة أن ذلك يوفر فرصة لبناء ضمانات حقيقية تحمي المجتمعات المتضررة، وأن نجاح التعافي المستدام سيعتمد على كيفية وضع هذه الأطر وتنفيذها.
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

