-
وحدة الصوت الكردي… بين قوة الإجماع ومحاولات شق الصف
بالرغم من الخسائر الكبيرة في الأرواح، والتضحيات الجسيمة التي قدّمها شعبنا الكردي منذ السادس من كانون الأول/ديسمبر، وبالرغم من الآلام العميقة التي خلّفتها هذه الكارثة، إلا أنّ هناك نقطة مضيئة تدعو إلى الأمل والتفاؤل، وهي وحدة الصوت الكردي في مختلف أنحاء العالم.
لقد توحّد الكرد في الدول الأربع التي يتواجدون فيها، وكذلك في الشتات، حيث لم تتوقف المظاهرات الكردية يومًا واحدًا في العواصم الغربية. كان هناك صوت واحد، علم واحد، هتاف واحد، ورأي واحد؛ التفافٌ واضح خلف المقاتلين الأبطال، وتوحّد خلف علم كردستان، وترديد جماعي للنشيد الوطني «أي رقيب». هذا المشهد، بما يحمله من رمزية وقوة، هو ما هزّ عروش الأعداء.
وأعتقد أنّ هذا هو السبب الحقيقي وراء مطالبة تركيا بتمديد الهدنة؛ فتركيا لم ولن تقدم أي خطوة إيجابية تجاه الكرد، لا داخل تركيا ولا خارجها، بل تراهن على أن يَخفت الصوت الكردي خلال فترة الهدنة، بعد أن كان لهذا الصوت تأثير واضح في الشارع الأوروبي وعلى حكوماته. وفي الوقت ذاته، تحاول أنقرة إعادة ترتيب خطة جديدة لاستكمال مشروعها، الذي اصطدم بمقاومة المقاتلين الكرد من YPG وYPJ.
ومن هذا السياق نفسه، تأتي دعوة وزير الخارجية السوري الشيباني للمجلس الوطني الكردي (ENKS) إلى دمشق للحوار. وأرى أنّ هذه الدعوة لا يمكن فصلها عن الرغبة التركية في شق الصف الكردي وضرب وحدة الموقف السياسي التي تشكّلت خلال الأشهر الماضية. وهذا ما يثير قلق الكرد في كل مكان، خاصة أنّ المجلس الوطني الكردي لم يُصدر حتى الآن موقفًا صريحًا يدين الهجمات والجرائم التي ارتُكبت ولا تزال تُرتكب بحق أبناء شعبنا، ما جعل موقفه يبدو أقرب إلى الحياد في لحظة كان الشارع الكردي ينتظر فيها وضوحًا أكبر.
وهنا لا بد من التذكير بأن وفدًا كرديًا موحّدًا قد انبثق بالفعل عن وحدة الصف الكردي التي تحققت في 26 نيسان/أبريل 2025. هذا الوفد، الذي يمثل إجماعًا كرديًا حقيقيًا، حاول مرارًا فتح باب الحوار، إلا أنّ حكومة دمشق رفضت التعامل معه واستقباله بشكل متكرر.
إن هذا الوفد ليس مجرد إطار سياسي، بل هو وفد وحدة الصف الكردي ووفد الإجماع الوطني، ويحظى بشرعية سياسية وشعبية، إضافة إلى دعم المقاتلين على الأرض. ولذلك، فإن هذا الوفد يشكّل الخيار الطبيعي والأفضل لأي مسار تفاوضي جاد، وهو الإطار الذي يفترض البناء عليه لا القفز فوقه.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إنكار أنّ المجلس الوطني الكردي يحظى بقبولٍ نسبيٍّ أكبر لدى دمشق وتركيا مقارنة ببقية الأطراف الكردية. ومن هنا، تبرز إمكانية أن يلعب ENKS دور الوسيط بدل الذهاب منفردًا إلى دمشق، وذلك عبر التنسيق الكامل مع الوفد الكردي الموحّد، لا العمل بمعزل عنه.
كما يتطلب هذا الدور التنسيق مع المرجعية الكردية في سوريا، ممثّلةً بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بوصفه المرجع الفعلي للقوة العسكرية على الأرض، وكذلك مع المرجعية الكردية العليا التي يلتف حولها الكرد اليوم في مختلف أنحاء العالم، القائد مسعود بارزاني.
ومن المهم التأكيد هنا على أن هذه الرؤية لا تتعارض مع الخطاب السياسي المعلن للمجلس الوطني الكردي، بل تتقاطع معه في جوهره، لا سيما في ما يتعلق بالدعوة إلى الحوار، ورفض التصعيد العسكري، والتأكيد على وحدة الموقف الكردي، وضرورة معالجة القضايا العالقة ضمن مسار سياسي جامع.
وبذلك، فإن لعب ENKS لدور الوسيط لا يُعد خروجًا عن مواقفه، بل يمكن أن يشكّل تجسيدًا عمليًا لها.
إن اعتماد هذا المسار يمنح المجلس الوطني الكردي فرصة حقيقية لتسجيل نقطتين إيجابيتين في تاريخه السياسي: الأولى عبر الانسجام مع وحدة الصف الكردي، والثانية عبر أداء دور بنّاء يقرّب الجهود بدل تفتيتها. كما يفتح الباب أمام إعادة بناء الثقة مع الشارع الكردي في سوريا وخارجها، بعد سنوات تراكمت خلالها ملاحظات وانتقادات واسعة حول أدائه السياسي.
في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ القضية الكردية، لم يعد التفرّد بالقرار خيارًا، ولا يمكن لأي طرف أن ينجح خارج إطار الإجماع. وحدها وحدة الصف، والعمل الجماعي، وترجمة الخطاب إلى ممارسة سياسية مسؤولة، كفيلة بحماية ما تبقّى من مكتسبات شعبنا، وفتح أفق حقيقي لحل عادل ومستدام.
ليفانت: هوزان يوسف
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

