الوضع المظلم
الأحد ١٧ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
  • ​بين "رادار" القوتلي وبراغماتية "الشرع": هل تدخل سوريا زمن اليابان؟

​بين
أسامة أحمد نزار صالح 

​يؤكد السياسي المُجرب أن التاريخ أستاذٌ صارمٌ يلقي دروسه بوقار، ولا يكتفي بإعادة تدوير الأحداث. فبعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، انبرت مخالب "الرجل المريض" لتترك خلفها تركةً مثقلةً بالاضطراب؛ حيث رُسمت خرائط المنطقة العربية على طاولات الكبار، فرنسا وإنجلترا، وتولت إدارتها بمشرط "الانتداب" تارةً وعباءة "الحماية" تارةً أخرى. إلا أن هذه الخرائط لم تستقر كلها في قبضة الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، التي لم ترث النفوذ بقدر ما انتزعته، مروضةً مطامح القوى الاستعمارية الآفلة.

​دخلت واشنطن الحلبة وهي تتأبط "عقيدة الاحتواء"، لتجد نفسها في صراعٍ وجودي مع عدوها اللدود، الاتحاد السوفيتي، فوق رقعة شطرنجٍ شرق أوسطية لا تقبل القسمة على اثنين. وبينما كانت دول الخليج تختار السير في ركاب الواقعية السياسية، كانت دمشق تندفع نحو "القطار الشرقي" المحمل بالأوهام الأيديولوجية؛ وهو القطار الذي لم يورث شعوبه سوى محطاتٍ من التعاسة والانكسار، في حين قرأت إسرائيل مبكراً النص الأمريكي بعناية، متماهيةً مع مصالح "المايسترو" الغربي، لتضمن لنفسها مقعداً في الصفوف الأولى من قطار التفوق.

​في صيف عام 1957، كان الرئيس شكري القوتلي يعيش نشوة الاستقلال ورفض "عقيدة آيزنهاور"؛ لم يكن يفتقر للوطنية، بل كان يفتقر لـ "رادار" المصالح. لقد قرر القوتلي في أغسطس/آب 1957 سحب السفير السوري من واشنطن، وطرد ثلاثة دبلوماسيين أمريكيين، بعد الكشف عن تورطهم في دعم محاولة انقلاب عسكري. كانت ردة الفعل العاطفية مبررة بالكرامة الوطنية، لكنها في "شطرنج السياسة" كانت خطوة غير محسوبة؛ فبدلاً من المناورة لاحتواء مصالح واشنطن، اختار القوتلي وما يمثله من الرعيل الأول من حماة الدستور والطبقة السياسية التقليدية بداية الطلاق مع أمريكا.

​وبدلاً من مواجهة استحقاقات الواقع ببراغماتية صلبة، سقط القوتلي والطبقة السياسية التقليدية في فخ "الرومانسية السياسية"؛ ففي لحظة ذروة الارتباك أمام ضغوط الحرب الباردة، اختاروا الهروب إلى الأمام. وبدلاً من ترميم الجسور مع أمريكا أو مواجهة تغول العسكر في الداخل، سلموا مفاتيح دمشق لقطار "القومية الجارفة" بقيادة جمال عبد الناصر عام 1958. قضى ناصر على الحياة السياسية السورية، وحل الأحزاب، وأحال الرعيل الأول والطبقة التقليدية إلى تقاعد قسري، ليُغلق بذلك القوس على مخاض ديمقراطي سوري صعب. ومع انهيار الوحدة ووقوع الانفصال 1961، استيقظ السوريون بعد مدة قصيرة من محاولة إنعاش فاشلة للحياة النيابية على حقيقة مروعة: لقد جُرفت الطبقة السياسية المدنية تماماً من المشهد، ولم يتبقَّ في الميدان سوى البذلة العسكرية كأمر واقع وحيد. هنا، وجدت واشنطن نفسها أمام معادلة جديدة؛ صار العسكر هم العنوان الوحيد الذي يمكن للبيت الأبيض أن يبرم معه الصفقات، أو يمارس ضده سياسة الاحتواء.

​ومع وصول العسكر إلى سدة الحكم 1963، دخلت سوريا نفقاً مظلماً من الغباء السياسي المغلف بالشعارات؛ فلم تكن البذلة العسكرية مجرد أداة للحكم، بل تحولت إلى مطية "براغماتية" استخدمتها عصبويات فئوية لركوب صهوة الجيش والوصول إلى السلطة. لقد أدركت هذه العصبويات مبكراً أن الطريق إلى دمشق يمر عبر الانقلابات والسيطرة على مفاصل القوة العسكرية. وفي هذه الفترة، حدث تقاطع غريب في المصالح الدولية؛ فبرغم ضجيج الحرب الباردة، التقت رؤية واشنطن وموسكو عند نقطة واحدة مريبة: أن العسكر من تلك الفئات هم القوة الوحيدة القادرة على ضبط إيقاع الجغرافيا السورية المعقدة. بالنسبة للكبار، لم يعد المهم هو "الديمقراطية" أو "النهضة الاقتصادية"، بل أصبح المطلب هو "الاستقرار الأمني" الذي تضمنه قبضة العسكر، حتى لو كان ثمن ذلك سحق الحياة المدنية وتجريف النخب السياسية السنية التي كانت تمثل عماد الدولة الدستورية.

​وعلى أنقاض هذا التيه، جاء عهد "الأسدين" ليرسخ ما يمكن تسميته بـ "التقية السياسية"؛ حيث استُخدمت شعارات "المقاومة" و"العروبة" كستار حديدي لحماية حكم تلك العصبويات. فبينما كانت المدافع تهدر بالخطابات المعادية لإسرائيل، كانت الحدود تنعم بأطول هدوء تاريخي تحت حراسة "الاستقرار الأمني" الذي باعه النظام للخارج. وبينما صُدحت شعارات القومية، ضرب الأسد الأب العروبيين في لبنان، ورهن الأسد الابن بعده سيادة سوريا للمشروع الإيراني، محولاً البلاد من "دولة" إلى "ساحة" برسم الإيجار. لقد تركت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مفاتيح دمشق في أدراج القوى الأخرى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وصولاً إلى إدارة أوباما التي تصرفت وكأن الملف السوري "خارج سياق التأثير".

​إلا أن هذا الجمود انكسر مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، الذي قرر إنهاء زمن المواربة وتدفيع إيران ثمن عبثها العابر للحدود. وفي لحظة تقاطع تاريخية نادرة، التقت "الترامبية السياسية" مع تحول جذري في بنية المعارضة السورية، تمثل في شخص أحمد الشرع. إن هذه التجربة لا ينبغي قراءتها كظاهرة فردية، بل كتحول بنيوي في عقل الكتلة السورية الأكبر؛ فهي تمثل الانتقال من "ثورية العاطفة" إلى "واقعية الدولة". لقد قدم هذا النضج لواشنطن الشريك المحلي القادر على ملء الفراغ، وهو ما يمنح دمشق القدرة على المناورة داخل صفقات ترامب "الخشنة" بدلاً من أن تكون وقوداً لها. إن فهم لغة المصالح هو الممر الإلزامي ليس فقط لاستعادة الاعتراف الدولي، بل لفرض توازن جديد مع القوى الإقليمية المتداخلة، وتحويل سوريا من ساحة لتصفية الحسابات إلى شريك استراتيجي في استقرار المنطقة.

​لقد فُهم الرئيس أحمد الشرع "النص الأمريكي" أخيراً، ليس كنوع من التبعية، بل كأداة لترويض الجغرافيا السياسية لخدمة الاقتصاد. فإذا استمر هذا النهج في تغليب "المؤسسة" على "الأيديولوجيا"، فقد نكون أمام المحاولة الأولى التي تضع سوريا على سكة التحول الذهني إلى "يابان الشرق الأوسط". إن التاريخ يخبرنا أن اليابان، التي كانت يوماً ألد أعداء واشنطن، لم تفتح أبواب الازدهار والتقدم إلا عندما قرر إمبراطورها قراءة الواقع بعمق، فحوّل الصدام المرّ مع أمريكا إلى تلاقٍ ذكي للمصالح؛ وبذلك فقط انتقلت اليابان من حطام الحرب إلى قمة التكنولوجيا، وهي ذات العقلية التي تبدو اليوم الممر الوحيد لسوريا إذا أرادت حجز مقعدٍ ثابت على طاولة الأقوياء.

ليفانت: أسامة أحمد نزار صالح

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!