الوضع المظلم
الثلاثاء ٢٤ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
أخطر أنواع الفلول في سوريا اليوم:
عبدالله البنيه الحديدي

المنظومة الإدارية… الاستبداد الذي نجا من السقوط

 

عندما يتحدث السوريون عن الاستبداد، غالبًا ما تتجه الذاكرة مباشرة إلى الفروع الأمنية، السجون، التعذيب، والقتل. وهذا طبيعي، فذلك هو الوجه الأكثر وحشية ودموية في تجربة الحكم التي عاشتها سوريا لعقود تحت النظام السوري.

 

لكن ما يغفله كثيرون، أو يتعاملون معه كأمر ثانوي، هو أن الاستبداد لم يكن حكرًا على الأجهزة الأمنية وحدها، بل كان منظومة متكاملة، تتقاسم فيها الأدوار أجهزة القمع الصلب مع أجهزة القمع الناعم، وعلى رأسها: المنظومة الإدارية للدولة.

 

هذه المنظومة لم تكن مجرد جهاز بيروقراطي فاشل أو مترهل، بل كانت شريكًا كاملًا في إنتاج القهر، وإعادة إنتاجه، وترسيخه في حياة الناس اليومية، حتى أصبح الإذلال ممارسة اعتيادية، والظلم إجراءً روتينيًا، والفساد لغة رسمية غير مكتوبة.

 

كيف تحوّلت الإدارة إلى أداة قمع؟

 

في الدول الطبيعية، تُبنى الإدارة العامة لخدمة المواطن، لتنظيم شؤونه، وحماية حقوقه، وتسهيل حياته.

أما في سوريا، فقد جرى عكس هذه المعادلة بالكامل.

 

الدوائر الحكومية لم تُصمَّم لتنجز، بل لتُعطِّل.

لم تُنشأ لحل المشكلات، بل لإنتاجها.

 

لم يكن الروتين خللًا تقنيًا، بل سياسة مقصودة تهدف إلى:

- كسر إرادة المواطن

- إشعاره بالعجز والدونية

- دفعه إلى الرشوة كخيار “طبيعي”

- ربط أبسط حقوقه بمزاج الموظف

 

الموظف الحكومي، في كثير من الأحيان، لم يكن مجرد منفذ أو ضحية، بل تحوّل إلى جلاد صغير، يمارس سلطته المحدودة بانتشاء، لأنه يعلم أن الدولة تحميه، وأن المواطن أعزل.

 

ذاكرة الإذلال الجماعي

 

لا يكاد يوجد سوري واحد لا يحمل في ذاكرته تجربة مهينة مع مؤسسة حكومية:

- معاملة تستمر أشهرًا بلا سبب

- ملف “ضائع” يُعاد فتحه مقابل رشوة

- توقيع مؤجل لأن “المدير غير موجود”

- وثيقة تُرفض لأن صورة الهوية “غير واضحة”

- نظرة احتقار، أو كلمة جارحة، أو إذلال مقصود

 

هذه التجارب ليست فردية، بل ذاكرة جمعية، شكّلت وعي السوريين بالدولة بوصفها عدوًا، لا كيانًا حاميًا.

 

وهنا تكمن الخطورة:

حين تتحول الدولة في وعي مواطنيها إلى مصدر تهديد، فإن أي مشروع لبناء دولة جديدة يصبح هشًا ما لم يُكسر هذا الإرث بالكامل.

 

لماذا تُعد هذه المنظومة أخطر الفلول اليوم؟

 

لسبب بسيط وخطير في آنٍ معًا:

لأنها ما زالت قائمة.

 

سقطت الرموز، انكشفت الأجهزة، تغيّرت الشعارات، لكن الإدارة بعقليتها، كوادرها، أساليبها بقيت كما هي.

 

بل الأخطر أن هناك من يسعى اليوم إلى تحصينها باسم “الاستقرار”، أو “استمرارية الدولة”، أو “منع الفوضى”.

 

لكن أي استقرار يُبنى على إذلال الناس؟

وأي دولة تُقام بأدوات القمع ذاتها التي ثار الناس عليها؟

 

المنظومة الإدارية القديمة تمثل اليوم الاستبداد المؤجل:

- استبداد بلا سجون، لكنه يخنق الحياة اليومية.

- استبداد بلا تعذيب جسدي، لكنه يقتل الكرامة ببطء.

 

وهم الإصلاح الإداري

 

كثيرًا ما يُطرح مصطلح “الإصلاح الإداري” كحل سحري.

لكن السؤال الجوهري هو: إصلاح ماذا؟ ولمصلحة من؟

 

لا يمكن إصلاح منظومة بُنيت أصلًا على الفساد والإذلال.

لا يمكن ترقيع جهاز صُمم ليخدم السلطة ضد المجتمع.

 

الإصلاح الشكلي — دورات تدريب، شعارات نزاهة، تعليمات جديدة — لن يغيّر شيئًا ما دامت:

- العقلية نفسها موجودة

- الأشخاص أنفسهم في مواقعهم

- الثقافة الإدارية ذاتها تحكم السلوك

 

المطلوب ليس انتقامًا، ولا فوضى، ولا تصفية حسابات، بل قطيعة واضحة مع الماضي، تشمل:

- تفكيك المنظومة الإدارية القديمة وإعادة بنائها من الصفر

- إقصاء المتورطين في الابتزاز الممنهج، لا مكافأتهم بالاستمرار

- إعادة تعريف الموظف العام كخادم للمجتمع لا متسلط عليه

- تبسيط الإجراءات إلى أقصى حد ممكن

- التحول الرقمي لكسر العلاقة الزبائنية بين الموظف والمواطن

- ربط الوظيفة العامة بالمحاسبة والشفافية

- غرس ثقافة الحق بدل ثقافة “المعاملة”

 

المعركة الحقيقية لبناء الدولة

 

المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط سياسية أو أمنية، بل معركة على معنى الدولة نفسها.

 

إما دولة يشعر فيها المواطن بالأمان والكرامة عند دخوله مؤسسة رسمية،

أو دولة يعيد فيها الموظف إنتاج الاستبداد القديم بوجه جديد.

 

المنظومة الإدارية ليست تفصيلًا، بل عمودًا فقريًا لأي نظام حكم.

وإن لم تُقتلع جذورها الفاسدة، فإنها ستعيد إنتاج الطغيان، ولو بعد حين.

 

أخطر أنواع الفلول في سوريا اليوم ليسوا أولئك الذين يرفعون شعارات الماضي علنًا،

بل أولئك الذين يمارسون الماضي يوميًا خلف المكاتب، وبالختم الرسمي، وبالروتين القاتل.

 

اقتلاع هذه المنظومة ليس خيارًا، بل شرط وجود.

ومن يظن أن الدولة يمكن أن تُبنى فوق إرث الإذلال، إنما يؤجل الانفجار القادم.

 

اجتثوها من جذورها…

فهناك فقط تبدأ الدولة الجديدة.

 

عبدالله البنيه الحديدي

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!