الوضع المظلم
الخميس ٢٩ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
أزمة الحوثيين ليست يمنية... إنها أزمة النظام الإيراني
أزمة الحوثيين ليست يمنية... إنها أزمة النظام الإيراني

قراءة خاطئة للمشكلة

كثير من التحليلات تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفاً في الحرب اليمنية فحسب، لكن هذا التفسير لم يعد كافياً لفهم حجم التهديد الذي تمثله الجماعة اليوم. فالهجمات على المطارات والمنشآت الحيوية السعودية، واستهداف خطوط الملاحة الدولية، تضع الحوثيين ضمن معادلة أمن إقليمي لا ضمن نزاع داخلي محدود.

أربعة عقود من السياسة نفسها

منذ أكثر من أربعين عاماً اعتمدت إيران استراتيجية تقوم على إنشاء شبكات مسلحة خارج حدودها. تغيرت الأسماء والساحات، لكن النمط بقي واحداً. ففي لبنان ظهر حزب الله، وفي العراق تشكلت مجموعات مسلحة متعددة الولاءات مرتبطة بالحرس الثوري، وفي سوريا تم بناء منظومات عسكرية داعمة للنظام السابق، أما في اليمن فقد برز الحوثيون بوصفهم النسخة الأحدث من هذا النموذج.

هذه القوى لا تعمل كحركات محلية مستقلة بالكامل، بل كجزء من منظومة إقليمية تتقاطع مصالحها مع حسابات طهران الاستراتيجية.

الحوثيون كورقة ضغط إقليمية

لا يمكن فصل الهجمات الحوثية عن سياسة استخدام الأذرع المسلحة لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز حدود الدولة التي تنشط فيها. فكل صاروخ يسقط على منشأة مدنية سعودية، وكل تهديد للملاحة الدولية، يرسل رسالة سياسية تتجاوز اليمن لتصل إلى عواصم المنطقة والعالم.

بهذا المعنى تتحول الجماعة إلى أداة نفوذ أكثر منها حركة يمنية ذات أجندة وطنية خالصة.

تراجع النفوذ الإيراني في الإقليم

التطورات الأخيرة أظهرت أن المشروع الإيراني يواجه تحديات متزايدة. فقد تلقى ضربة كبيرة في سوريا، وتعرض لخسائر سياسية وأمنية في لبنان، كما يواجه عراقيل متصاعدة في العراق.

لكن تراجع النفوذ في هذه الساحات لا يعني تخلي طهران عن مشروعها؛ بل يدفعها غالباً إلى التشبث بالساحات المتبقية، وفي مقدمتها اليمن.

حدود التسويات التقليدية

خلال السنوات الماضية جُربت حلول عديدة: مفاوضات، هدن، مبادرات سياسية، عمليات عسكرية، ضغوط دبلوماسية. ومع ذلك بقي الخطر قائماً. السبب يعود إلى أن معظم هذه المعالجات تعاملت مع الحوثيين باعتبارهم المشكلة الرئيسية، بينما تجاهلت البيئة الاستراتيجية التي تنتج هذا النوع من الجماعات.

فإذا بقيت منظومة الدعم قائمة، فإن فرص إعادة إنتاج الأزمة ستظل مرتفعة مهما تغيرت الظروف الميدانية.

أين يوجد مركز الأزمة الحقيقي؟

المركز الفعلي للأزمة لا يوجد في صنعاء وحدها، بل في طهران أيضاً. فالفكر الذي أسس لشبكة الوكلاء في المنطقة، والتمويل الذي دعمها، والخبرة العسكرية التي نقلت إليها، كلها عناصر خرجت من مصدر واحد.

ولهذا فإن استقرار اليمن واستقرار الخليج مرتبطان ارتباطاً مباشراً بمصير هذا المشروع بأكمله.

إن أمن المنطقة لا يتطلب فقط احتواء الحوثيين، بل معالجة البنية السياسية التي أنتجتهم. ومن دون تغيير جذري في إيران نفسها، ستبقى المنطقة معرضة لدورات جديدة من التوتر وعدم الاستقرار. ولذلك فإن التغيير داخل إيران ليس شأناً إيرانياً داخلياً فحسب، بل قضية ترتبط أيضاً بمستقبل الأمن العربي والإقليمي.

بقلم: سعيد عابد 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!