-
إسرائيل تضع المنطقة على حافة مواجهة جديدة مع إيران.. هل تتحول الضربة المحدودة إلى حرب إقليمية طويلة؟
بين الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية والحسابات الأمريكية والتحركات الدبلوماسية، تتزايد المخاوف من عودة المواجهة المباشرة مع طهران، وسط تحذيرات من فتح جبهة لبنان وتحول أي تصعيد عسكري إلى حرب متعددة الجبهات يصعب احتواء تداعياتها.
لم تعد المؤشرات المتصاعدة في إسرائيل مجرد استعدادات عسكرية اعتيادية أو رسائل ضغط متبادلة في إطار الصراع مع إيران، بل باتت تعكس مستوى متقدماً من الاستنفار الأمني والعسكري، في ظل تقارير إعلامية إسرائيلية تتحدث عن استكمال الجيش استعداداته لاحتمال استئناف المواجهة مع طهران، ورفع مستوى الجاهزية تحسباً لقرار قد يعيد المنطقة إلى دائرة الحرب المفتوحة.
وبحسب ما أورده المحلل العسكري والأمني الإسرائيلي يوسي يهوشوع، فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تستعد لاحتمال خوض جولة جديدة من المواجهة، لكنها لا تنظر بالضرورة إلى الحرب باعتبارها عملية قصيرة أو ضربة عسكرية محدودة. فبينما يميل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق التقديرات والتصريحات المنقولة، إلى تفضيل حملة عسكرية قصيرة ومحددة الأهداف، تبدو الحسابات الإسرائيلية أكثر تعقيداً، إذ تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي اشتباك مباشر مع إيران إلى حرب طويلة تتجاوز حدود المواجهة الجوية والصاروخية.
من إيران إلى لبنان.. خطر تعدد الجبهات
الخطر الأكبر في الحسابات الإسرائيلية لا يرتبط فقط بحجم الضربة المحتملة ضد إيران، بل بما يمكن أن يليها. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تضع احتمال تدخل حزب الله على الجبهة اللبنانية ضمن السيناريوهات الأساسية التي ينبغي الاستعداد لها، في حال اندلاع مواجهة مباشرة واسعة بين تل أبيب وطهران.
وهنا تكمن خطورة المشهد؛ إذ إن انتقال المواجهة من جبهة واحدة إلى جبهتين متزامنتين سيضع القدرات العسكرية الإسرائيلية أمام اختبار بالغ التعقيد، خصوصاً في ظل تعدد مصادر التهديد وتنوعها بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل الجوية منخفضة الارتفاع.
ولن تكون المسألة مجرد تبادل للضربات، بل مواجهة تستنزف منظومات الدفاع الجوي، وتفرض ضغوطاً على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وتضع المدنيين والبنية التحتية والمرافق الحيوية في دائرة الخطر.
كما أن لبنان، الذي لم يتعافَ بعد من آثار المواجهات السابقة، قد يجد نفسه أمام مرحلة جديدة من التصعيد، لا تتوقف تداعياتها عند الحدود الجنوبية، بل تمتد إلى الاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي، في ظل هشاشة الأوضاع الداخلية وتفاقم الأزمات المعيشية.
ترامب يريد حرباً قصيرة.. لكن هل تسمح حسابات الميدان بذلك؟
تتمثل إحدى أبرز نقاط الاختلاف في هذه المرحلة في تباين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية بشأن طبيعة المواجهة المحتملة وأهدافها ونهايتها.
فواشنطن، وفق ما نقلته تقارير إعلامية، تدرس خيارات عسكرية متعددة، لكنها لا تزال تضع المسار الدبلوماسي ضمن حساباتها. وقد نقلت وكالة الأناضول، استناداً إلى تقارير إسرائيلية، أن القيادة المركزية الأمريكية عرضت خيارات عسكرية أمام الرئيس ترامب، من دون أن يعني ذلك صدور قرار نهائي باستئناف العمليات.
وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى التهديد الإيراني باعتباره ملفاً استراتيجياً يتجاوز منشأة نووية أو منظومة صاروخية بعينها، وترى أن أي اتفاق لا يعالج مخاوفها بشأن البرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية سيترك أسباب الصراع قائمة.
لكن السؤال الجوهري هنا: ماذا لو بدأت الحرب ولم تحقق أهدافها المعلنة؟
إن تدمير أهداف عسكرية أو إلحاق أضرار بالبنية التحتية لا يعني بالضرورة إنهاء القدرات الإيرانية أو تغيير سياسات طهران. وقد تتحول الضربات التي يُراد لها أن تكون محدودة زمنياً إلى سلسلة من الردود المتبادلة، بحيث يجد كل طرف نفسه مضطراً إلى توسيع عملياته تحت ضغط اعتبارات الردع والهيبة العسكرية.
وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن حرب قصيرة أمراً محفوفاً بالمخاطر؛ فبداية الحرب قد تكون قراراً سياسياً، لكن تحديد موعد انتهائها لا يخضع بالضرورة لإرادة الطرف الذي بدأها.
إيران ليست ساحة معزولة عن محيطها
أي مواجهة واسعة مع إيران لن تبقى محصورة بالضرورة داخل حدودها أو داخل الأراضي الإسرائيلية. فالجغرافيا السياسية للمنطقة تجعل من التصعيد عاملاً مؤثراً في أمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
كما أن تهديدات الملاحة في مضيق هرمز، وما يرتبط بها من تدفقات النفط والغاز، قد تحول المواجهة العسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية، خصوصاً إذا تعرضت طرق الإمداد أو المنشآت الحيوية لأي اضطراب.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحركات الدبلوماسية التي شهدتها المنطقة. فقد أفادت رويترز، في 31 أكتوبر/تشرين الأول، بعقد اتصالات ومباحثات بين مسؤولين إيرانيين ووسطاء قطريين في الدوحة، في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح الطريق أمام تفاهمات مع واشنطن.
وهذا يعني أن المنطقة تقف أمام مسارين متوازيين: مسار عسكري يستعد لأسوأ الاحتمالات، ومسار دبلوماسي يحاول منع العودة إلى مواجهة جديدة.
الداخل الإسرائيلي.. حسابات السياسة تحت ظلال الحرب
لا يمكن فصل الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية عن المشهد السياسي الداخلي. فالحكومة الإسرائيلية تواجه حسابات سياسية وأمنية معقدة، وأي قرار بالتصعيد مع إيران ستكون له انعكاسات مباشرة على الجبهة الداخلية والاقتصاد ومستقبل القيادة السياسية.
كما أن الحرب متعددة الجبهات تعني تعبئة طويلة الأمد، واستنزافاً للموارد العسكرية، وضغوطاً متزايدة على منظومات الاعتراض والدفاع، فضلاً عن احتمالات اتساع الخسائر البشرية والمادية.
ومن هنا، فإن التحدي أمام صُنّاع القرار الإسرائيليين لا يتمثل فقط في امتلاك القدرة على شن الهجوم، وإنما في الإجابة عن أسئلة أكثر صعوبة: ما الهدف النهائي؟ وما الثمن المتوقع؟ وكيف يمكن منع تحول الضربة إلى حرب استنزاف طويلة؟ وما الضمانات التي تمنع فتح جبهات إضافية؟
هذه الأسئلة تزداد أهمية في ظل التقارير التي تتحدث عن استعدادات حزب الله لاحتمال مواجهة جديدة، رغم ما تعرض له من خسائر عسكرية وبشرية خلال المواجهات السابقة.
المنطقة أمام مفترق طرق
إن أخطر ما في المرحلة الراهنة هو أن الحسابات العسكرية قد تتقدم على الحسابات السياسية، وأن سوء التقدير أو خطأ في قراءة نيات الطرف الآخر قد يشعل مواجهة لا يرغب أي طرف في تحمل كامل تكلفتها.
فإسرائيل قد ترى في توجيه ضربة جديدة وسيلة لتقليص المخاطر التي تعتبرها تهديداً لأمنها، بينما قد تعتبر إيران أي هجوم واسع اعتداءً يستوجب رداً يتجاوز حدود المواجهة الثنائية. وبين هذين التصورين، تبقى احتمالات تدخل أطراف أخرى عاملاً يجعل احتواء التصعيد أكثر صعوبة.
ولا ينبغي التعامل مع احتمالات الحرب باعتبارها شأناً إسرائيلياً إيرانياً فحسب؛ فلبنان وسوريا والعراق ودول الخليج، إلى جانب الاقتصاد العالمي، قد تكون جميعها عرضة لتداعيات أي مواجهة واسعة.
أن المنطقة لا تواجه مجرد احتمال تبادل جديد للضربات، بل اختباراً خطيراً لمعادلات الردع والتحالفات وحدود القوة العسكرية. فالحرب التي قد تبدأ بقرار من عاصمة واحدة يمكن أن تتحول إلى أزمة إقليمية تتجاوز قدرة أصحاب القرار على التحكم بمساراتها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء التصعيد قبل فوات الأوان، أم أن الاستعدادات العسكرية المتبادلة ستدفع المنطقة إلى جولة جديدة من الحروب، تكون نهايتها أكثر تعقيداً وكلفة من بدايتها؟
في الشرق الأوسط، قد يكون قرار إطلاق النار سهلاً مقارنة بقرار إيقافه.
ليفانت: عبدالله البنيه
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

