-
الكورد كبش فداء تنازلات العرب!
في معادلة سياسية لا تخضع لمنطق العدالة أو الأخلاق، بل لحسابات المصالح الباردة، يجد الشعب الكوردي نفسه أسير دائرة مفرغة من الخيانات المتكررة والوعود المنقوضة. فعلى مدى قرن كامل من الزمان، لم يكن الكورد سوى ورقة مساومة في أيدي القوى الإقليمية والدولية، يُستخدمون حين تقتضي الحاجة، ويُتخلى عنهم حين تنتفي المصلحة، في مشهد يتكرر بوتيرة مأساوية تكاد تكون قدرية.
التجربة الكوردية مع من يُفترض أنهم أصدقاء لا تقل مرارة عن تجربتهم مع أعدائهم المعلنين. فالولايات المتحدة، التي استخدمت الكورد في العراق وسوريا لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في محاربة الإرهاب وإضعاف خصومها، لم تتردد في التخلي عنهم حين تعارضت مصالحهم مع مصالح حلفاء آخرين. والاتحاد السوفييتي السابق، الذي دعم الحركات الكوردية في إيران والعراق خلال الحرب الباردة، انقلب عليهم حين تغيرت معادلات التحالفات. أما فرنسا وبريطانيا، فقد رسمتا خرائط الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى دون أدنى اعتبار لحقوق الكورد أو طموحاتهم القومية، موزعتين إياهم بين أربع دول كغنيمة حرب.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا تكمن في علاقة الكورد بجيرانهم العرب. فتحت شعارات القومية العربية والوحدة العربية، مارست الأنظمة العربية أبشع أنواع القمع ضد الكورد. في العراق، شهد الكورد حملات الأنفال والقصف بالأسلحة الكيميائية ولابادة الجماعية، جرائم ضد الإنسانية ارتكبت باسم الوحدة الوطنية والقومية العربية. وفي سوريا، جُرّد مئات الآلاف من الكورد من جنسيتهم، وحُرموا من أبسط حقوقهم المدنية، في ظل أنظمة رفعت شعارات التحرر القومي بينما كانت تمارس أقسى أشكال التمييز العنصري.
هذه “الهلوسة العروبية”، كما يمكن وصفها، لم تكن في حقيقتها سوى أيديولوجيا استبدادية استُخدمت لقمع الكورد وتكريس السلطة الشمولية. فالأنظمة التي رفعت لواء القومية العربية لم تحرر فلسطين، ولم تحقق وحدة عربية، بل على العكس، أغرقت المنطقة في حروب عبثية وانقسامات مريرة. والأدهى من ذلك، أن هذه القومية المزعومة لم تثمر سوى معاداة الضعيف والمختلف داخل حدودها، بينما فشلت فشلًا ذريعًا في مواجهة التحديات الخارجية الحقيقية ومنها شطب اسرائيل على الخريطة وتحرير القدس.
ولعل أقسى ما يمكن أن يواجهه شعب ليس قمع أعدائه له، بل أن يكتشف أن جيرانه مستعدون للتنازل عن أغلى ما يملكون من أرض وسيادة، فقط من أجل إخماد تطلعاته القومية المشروعة. ففي عام 1975، وقّع نظام صدام حسين في العراق اتفاقية الجزائر مع الشاه الإيراني، تنازل بموجبها عن السيادة الكاملة على شط العرب، ذلك الممر المائي الاستراتيجي الحيوي، مقابل أن توقف إيران دعمها لثورة أيلول الكوردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني. كان الثمن باهظًا: سيادة وطنية مقابل سحق حلم كوردي. وكانت النتيجة كارثية على الكورد.
وفي تكرار مأساوي لنفس السيناريو، وبعد عقود من اتفاقية الجزائر المشؤومة، شهدت سوريا في السنوات الأخيرة فصلًا جديدًا من فصول التفريط والمساومة على حساب الكورد. فقد تنازل النظام الجديد في دمشق بقيادة محمد الجولاني الجهادي (أحمد الشرع الأمريكي!) عن مدينة حلب الاستراتيجية لتركيا، تلك المدينة التاريخية التي طالما اعتُبرت عاصمة الشمال السوري. كما سلّم الجولان والقنيطرة وأجزاء من ريف دمشق والسويداء لإسرائيل، في مقايضة مفضوحة تهدف إلى إجهاض التجربة الكوردية في غرب كردستان (روج آفا). هنا تتجلى المفارقة القاسية: نظام يدّعي المقاومة والممانعة يتخلى عن أراضٍ محتلة لإسرائيل، ويسلّم مدينة عريقة لتركيا، فقط لإخماد مشروع كوردي يقوم على الإدارة الذاتية الديمقراطية. إنها ليست مجرد خيانة للكورد، بل خيانة للأرض ذاتها، وللمبادئ التي طالما تشدّقت بها الأنظمة العربية.
هذه التنازلات الكارثية تكشف حقيقة مرّة: أن العداء للمشروع الكوردي لدى بعض الأنظمة العربية يفوق حرصها على سيادتها الوطنية وأراضيها. فالأرض يمكن التفريط بها، والسيادة قابلة للمساومة، لكن الحلم الكوردي يجب أن يُسحق بأي ثمن. إنها معادلة عبثية تعكس مدى الإفلاس الأخلاقي والسياسي لأنظمة لم تعرف معنى الكرامة الوطنية إلا حين يتعلق الأمر بقمع الشعوب الضعيفة داخل حدودها.
الأكثر مرارة في هذه التجربة هو أن الأنظمة العربية نفسها لم تتورع عن الاتجار بقضايا شعوبها والتآمر على بعضها البعض. فبينما تقمع الكورد في الداخل باسم الوحدة الوطنية، ترفع راية الاستسلام أمام اسرائيل.
اليوم، وبعد كل هذه التجارب المريرة، يدرك الكورد أن خلاصهم لن يأتي من انتظار رحمة الأصدقاء أو رأفة الأعداء، بل من بناء قوتهم الذاتية واعتمادهم على أنفسهم. فالتاريخ علّمهم أن الوعود الدولية تُنقض، وأن التحالفات تتبدل، وأن الوحدة العروبية المزعومة كانت أكثر عداءً لهم من الاستعمار الأجنبي نفسه. والأخطر من ذلك، أن جيرانهم العرب مستعدون للتنازل عن كل شيء، حتى عن أراضيهم وسيادتهم، فقط لإجهاض الحلم الكوردي في الحرية والكرامة.
ليفانت: نوري بيخالي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

