-
حقوق المثـ-ـليين ليست ترفًا: العلمانية والديمقراطية في مواجهة وصاية الجنـ-ـس
-
مقالة في العلمانية والديمقراطية وحقوق الإنسان
مقدمة: لماذا لا تكون الحقوق ترفًا؟
في مجتمعات الشرق الأوسط، حيث تتشابك الحروب والصراعات الداخلية والخارجية، والطائفية والعنف والتمييز، والفقر والأمية وتراجع التعليم والإنتاج والمعرفة، وحيث تتغول السلطات السياسية والدينية وتتحالف في كثير من الأحيان، قد يبدو النقاش في المثلية الجنسية وحقوق المثليين ترفًا فكريًا لا يتناسب مع حجم الكوارث العامة؛ وقد يقال أن الأولوية ينبغي أن تكون للخبز والأمن والتعليم والتحرر من الاستبداد، لا لقضية تخص أقلية صغيرة تعيش غالبًا في الخفاء.
لكن هذا الاعتراض يخلط بين ترتيب الأولويات العملية وبين تحديد المبادئ التي ينبغي أن تحكم المجتمع، فحقوق الإنسان ليست قائمة انتظار لا يستحق فيها الإنسان حقًا إلا بعد حل كل المشكلات الأخرى، ولا تصبح كرامة الفرد تفصيلًا هامشيًا لأن عدد المعنيين بها قليل، أو لأن المجتمع يرفضهم، أو لأنهم لا يستطيعون إعلان هويتهم علنًا؛ فمعيار الحقوق ليس الشعبية ولا الحجم العددي، بل مبدأ المساواة في الكرامة والحقوق، ورفض أن يتعرض الإنسان للظلم، ورفض إخضاع حقوق أي إنسان لأحكام مسبقة أو مواقف تمييزية، مهما كانت المبررات التي تُساق لتسويغها.
ثم إن المسألة ليست جنسية فحسب قطعا، ففي البيئات التي تسعى فيها السلطة الدينية أو السياسية إلى فرض نموذج واحد للحياة، تصبح المثلية نقطة اختبار لحدود سلطة الجماعة على الفرد، فإذا جاز تجريم علاقة رضائية بين بالغين لمجرد مخالفتها عقيدة الأغلبية، أمكن استخدام المنطق نفسه في فرض أنماط أخرى من اللباس والزواج والتفكير والاعتقاد، لذلك فإن الدفاع عن حقوق المثليين لا ينافس النضال ضد الفقر والاستبداد، بل يكشف أحد الأسس التي يقوم عليها الاستبداد الاجتماعي والأخلاقي، المتمثل بادعاء امتلاك حق تقرير حياة الآخرين نيابة عنهم.
المثلية بوابة للهجوم على العلمانية والديمقراطية
تواجه العلمانية والديمقراطية في المنطقة هجومًا شديدا من تيارات الإسلام السياسي، ومن قوى محافظة، ومن شبكات مصالح تستفيد من بقاء البنى التقليدية، ويُقدَّم هذا الهجوم غالبًا في صورة دفاع عن الدين والأخلاق والأسرة والطبيعة، فيما تُصوَّر العلمانية على أنها مشروع لاستيراد الانحلال، وتُختزل الديمقراطية في السماح بما تعتبره المرجعيات الدينية محرّمًا، وتغدو المثلية، بسبب حساسيتها الاجتماعية، أداة دعائية شديدة الفاعلية، فتُستدعى لإثارة الخوف والنفور، ثم تُستخدم هذه الانفعالات للحكم على منظومة سياسية كاملة.
هذا الأسلوب لا يناقش مبادئ العلمانية والديمقراطية في ذاتها، بل يحاكمهما عبر موقفهما من سلوك ترفضه الأغلبية في هذه المنطقة، وهو انتقال غير منطقي من سؤال «هل نحب هذا السلوك أو نوافق عليه؟» إلى سؤال مختلف هو «هل يجوز للدولة أن تعاقب من يمارسه برضاه مع بالغ آخر؟»، فقد يرفض شخص معين المثلية على المستوى الأخلاقي، لكن موقفه الشخصي هذا لا يمنحه الحق في فرض قناعاته على الآخرين، أو الانتقاص من حقوقهم، أو التمييز ضدهم في العمل والسكن وسائر مجالات الحياة، أو حرمانهم من العيش بحرية وفق خيارهم ومن الحماية القانونية المواطنية المتساوية.
إن الدفاع الصريح عن حق المثليين لا يحتاج إلى إنكار وجود الخلاف الأخلاقي، ولا إلى الادعاء بأن كل فرد يجب أن يغيّر قناعاته الشخصية، والمطلوب بالضبط هو رفض تحويل القناعة الخاصة إلى إكراه قانوني عام، فالقناعات الأخلاقية الشخصية، مهما كانت راسخة، لا تصلح بذاتها أساسًا لفرض قيود قانونية على الآخرين؛ إذ لا يُبرَّر تقييد حرياتهم إلا بحماية حقوق الغير من ضرر فعلي.
وهذا هو الفارق الجوهري بين مجتمع يسمح بالتعدد وبين مجتمع يفرض عقيدة أخلاقية واحدة بقوة الشرطة والمحكمة والنبذ الاجتماعي.
وعند مساءلة موقف العلمانية والديمقراطية من المثلية، فلابد من التركيز على مجموعة من الثوابت الجوهرية:
أولًا: السماح ليس تبنّيًا
من أكثر المغالطات تكرارًا القول إن الدول التي تسمح بالمثلية تكون قد تبنّتها أو روّجت لها، فالتمييز بين السماح والتبنّي أساسي في السياسة والقانون في هذه الدول، حيث تسمح الديمقراطيات الليبرالية بوجود أحزاب شيوعية واشتراكية وقومية ودينية، رغم تعارض برامجها أحيانًا مع الأسس الاقتصادية أو الفكرية التي تتبناها حكوماتها؛ ولا يعني السماح لحزب ما بالعمل أن الدولة تتبنى إيديولوجيته أو برنامجه، بل يعني أن الدولة لا تحظر التعبير والتنظيم السلمي لمجرد اختلافهما مع رأي السلطة.
وبالمثل، فإن حماية علاقة جنسية رضائية كالمثلية بين بالغين لا تعني أن الدولة تدعو الناس إلى ممارستها، ولا أنها تمنحها مرتبة أخلاقية أعلى من العلاقات المغايرة، بل تعني أن الدولة لا تملك سببًا مشروعًا لمعاقبة أشخاص معينين لمجرد جنس شريكهم الجنسي، ما دامت العلاقة قائمة على الرضا الحر، والأهلية، وعدم الإكراه، واحترام القانون وحقوق الغير.
وقد تعارض الدولة سلوكًا أو فكرة في النقاش العام، لكن لا يجوز لها أن تحوّل هذا التعارض إلى تجريم بدون وجود ضرر قابل للإثبات ناجم عن هذا السلوك، فالحرية لا تُقاس فقط بما يسمح به القانون للأكثرية، بل أيضًا بما يتركه للأقلية التي لا تحظى برضاها.
ثانيًا: ماذا يقول العلم والطب؟
أزالت المؤسساتُ الطبيةُ والنفسيةُ المعاصرةُ المثليةَ من تصنيفات الاضطرابات التي كانت تُدرج فيها سابقًا، فقد حذفت الجمعية الأميركية للطب النفسي المثليةَ من الدليل التشخيصي سنة 1973، وأعلنت منظمة الصحة العالمية سنة 1990 إزالة المثلية من التصنيف الدولي للأمراض، وقد استندت هذه الإجراءات إلى الموقف العلمي والمهني الحديث الذي بات يرى أن التوجّه المثلي، بحد ذاته، ليس اضطرابًا نفسيًا ولا حالة مرضية تستلزم العلاج، وبناءً على ذلك، ترفض الهيئات المهنية المتخصصة اليوم أية ممارسات لتغيير التوجّه الجنسي، وذلك لافتقارها إلى أدلة علمية معتبرة على فعاليتها، ولما قد تنطوي عليه من أضرار نفسية.
وخلاصة الكلام العلمي هي أن المثلية لا تُعدّ بحد ذاتها مرضًا نفسيًا أو اضطرابًا يستلزم العلاج، كما لا يوجد أساس علمي معتبر لاعتبار التوجّه المثلي مرضًا ينبغي «شفاؤه»، ولذا تحذر الهيئات النفسية من عواقب محاولات تغيير التوجه الجنسي لما قد تسببه من أذى.
لكن مع ذلك، فهنا لابد من ضبط بعض الكلام، فالقول أن المثلية «غير ضارة صحيًا» لا يعني حكما أن كل ممارسة جنسية، أيا كان شكلها، خالية من المخاطر، فالمخاطر الصحية الجنسية تتعلق بكيفية الممارسة بعينها، وبالعدوى ووسائل الوقاية والرضا والسلامة، ولا ترتبط بمجرد كون الشريكين من الجنس نفسه؛ وهذا يعني أن مبادئ الوقاية والفحص والموافقة المستنيرة يجب أن تنطبق على الجميع، غيريين ومثليين؛ وإضافة إلى ذلك، فالمثليون، مثل غيرهم، قد يعانون مشكلات صحية أو نفسية، لكن لا يجوز استنتاج أن التوجه نفسه هو المرض، أو أنه هو سبب المرض؛ وعدا عن ذلك أيضا، فقد يرتبط ارتفاع بعض مؤشرات الضيق النفسي لدى الأقليات الجنسية بما تتعرض له من التنمر والرفض والتمييز والعنف والعيش تحت التهديد، وليس بكونها مثليّة بحد ذاتها.
أما أسباب التوجه الجنسي، فلا يملك العلم حتى الآن تفسيرًا واحدًا حاسمًا يفسر توجه كل فرد؛ فالأبحاث العلمية تشير إلى تداخل عوامل وراثية وبيولوجية ونمائية، ولا تدعم اختزال المسألة في سبب واحد أو في قرار إرادي بسيط، كما لا يوجد اختبار جيني أو علامة بيولوجية واحدة يمكن استخدامها لتحديد التوجه الجنسي على نحو قاطع؛ والموقف العلمي الدقيق لا يختلق يقينًا غير موجود، لكنه يرفض أيضًا تصوير المثلية بوصفها مرضًا أو انحرافًا مرضيًا لمجرد أنها لا توافق معيارًا اجتماعيًا أو دينيًا.
ثالثًا: حقوق الإنسان والحرية الجنسية
تقوم حقوق الإنسان على مبدأ أن الفرد ليس ملكًا للدولة ولا للعائلة ولا للجماعة الدينية، وله الحق في الخصوصية، والأمان، والكرامة، والمساواة أمام القانون، والحرية الجسدية وحرية تكوين العلاقات، ما لم ينتهك حقوق الآخرين؛ وتُعدّ الموافقة الحرة بين البالغين، وغياب الإكراه والاستغلال، من المعايير الجوهرية التي تميّز العلاقة المشروعة عن الاعتداء.
وبالطبع.. فهذا لا يعني أن كل ما يريده شخص ما هو حقً مطلق له؛ فالحرية لا تبيح الاغتصاب أو الاستغلال أو الاعتداء على القاصرين أو انتهاك موافقة الشريك، بل تجرّمها؛ وهذا يعني أن الحرية مهما كانت واسعة الحدود، فهي مع ذلك ذات حدود صارمة يمنع تجاوزها، لكن هذه الحدود يجب أن تُطبّق على السلوك الضار نفسه، لا أن تُستخدم ذريعة لحرمان فئة كاملة من الحماية والعيش بحرية، فإذا كانت العلاقة المغايرة الرضائية لا تُجرَّم لمجرد أن بعض الناس يرونها خاطئة، فإن العلاقة المثلية الرضائية لا ينبغي أن تُجرَّم للسبب ذاته.
كما أن الحق لا يتوقف على إعلان الهوية، فقد لا يرغب شخص ما بوصف نفسه بأنه مثلي، أو قد يخفي توجهه خوفًا من العنف أو فقدان العمل أو طرده من منزله، ولا ينبغي أن يُجبر على الكشف عن حياته الخاصة حتى يحصل على الحماية؛ وجوهر الحقوق هو تمكين الناس من العيش بأمان وكرامة وحرية، لا إلزامهم بتبنّي هوية أو خطاب أو سلوك بعينه.
ومن هنا، فإن حماية المثليين في الدولة الحديثة تشمل إلغاء العقوبات الجنائية على علاقاتهم الرضائية، ومنع العنف والتحريض عليهم، وضمان وصولهم إلى العدالة، وإلى الخدمات المعيشية متضمنة الصحة والعمل والسكن وسواها من الخدمات، من دون أي تمييز تعسفي؛ ولا تعني هذه الحماية منح المثليين امتيازًا فوق غيرهم، بل تعني إزالة أية عقبات تُفرض عليهم بسبب صفة لا تبرر سلب حقوقهم.
رابعًا: الأخلاق العقلانية وحدود المرجعية الدينية
تركز الأخلاق العقلانية عن الأسباب التي يمكن تبريرها أخلاقيا أمام الناس على اختلاف معتقداتهم، ولا تسأل عن وجود أمر أو نهي في نص مقدس لدى هذه الجماعة الدينية أو تلك وحسب، فإذا كان الاعتراض على المثلية من قبل منظومة دينية معينة هو أنها محرّمة في معتقد هذه المنظومة، فهذا يشرح موقف المؤمنين بتلك المنظومة، ويعطيهم الحق بالاحتفاظ بهذا التحريم لأنفسهم وحسب، ولكنه لا يصلح قطعا لتبرير قانون يُلزَم به من لا يتبنى نفس العقيدة، ففي مجتمع متعدد المعتقدات، لا يجوز أن تتحول عقيدة فئة بعينها إلى معيار قانوني قسري على الجميع، ولا يمكن سن أي قانون مانع من دون حجة عامة تتصل بحماية الناس من ضرر حقيقي بمعزل عن كافة المعتقدات.
وبحسب مبدأ الضرر، وهو مبدأ بارز في الفلسفة الليبرالية، يحتاج تقييد الحرية إلى أكثر من الاشمئزاز أو الاستنكار أو مخالفة العرف، وينبغي تحديد من يتضرر، وكيف يقع الضرر، وما الدليل عليه، ولماذا لا تكفي وسيلة أقل تقييدًا لمواجهته؛ ولا يشكل مجرد استياء الآخرين من علاقة رضائية دليلًا على أن أصحاب هذه العلاقة ألحقوا بهؤلاء المستائين ضررًا يبرر العقوبة.
وبالمقابل، فالعلمانية لا تعني اضطهاد المتدينين أو إلغاء حقهم في الاعتقاد والتعبير والتجمع وممارسة شعائرهم، فهي تقتضي حياد الدولة إزاء جميع العقائد، وحماية حرية الجميع، بما في ذلك حق المتدين في أن يرفض المثلية لنفسه، وحق المثلي في ألا يُجبر على العيش وفق ذلك الرفض؛ والتعايش لا يشترط أن يتفق الناس في أحكامهم الأخلاقية، بل يتطلب أن يقبلوا حدود سلطتهم على حياة بعضهم بعضًا.
خامسًا: هل تتناقض المثلية مع الطبيعة؟
يُستخدم وصف «ضد الطبيعة» كثيرًا كما لو كان حجة مكتملة، لكنه غالبًا لا يتجاوز تسمية السلوك المختلف عن المعيار المألوف؛ وحتى لو ثبت أن ظاهرة ما نادرة الوجود، فإن الندرة لا تجعلها مرضًا أو جريمة، فكثير من الاختلافات البشرية نادرة، ولا تُدان لهذا السبب وحده؛ كما أن الانتقال من وصف ما يحدث في الطبيعة إلى تقرير ما ينبغي أن يفعله الإنسان مغالطة معروفة، فليس كل ما هو طبيعي خيرًا، وليس كل ما هو غير شائع أو غير متوافق مع الثقافة السائدة شرًا.
أما من الناحية البيولوجية، فقد رُصد السلوك المثلي لدى أنواع عديدة من الحيوانات؛ غير أن وجود هذا السلوك في الطبيعة لا يعني بالضرورة تطابقه في جميع جوانبه مع العلاقات المثلية البشرية؛ كما أن مجرد شيوع سلوك ما في الطبيعة أو وجوده فيها لا يكفي، بحد ذاته، للحكم على صوابه أو خطئه من الناحية الأخلاقية؛ والأهم هو أن الطب لا يصنف التوجه المثلي البشري اضطرابًا بيولوجيًا، وهذا التصنيف لا تغيره ولا تؤثر عليه حقيقة أن المثلية لا تؤدي إلى الإنجاب، فالإنجاب ليس الغاية الوحيدة لكل علاقة جنسية إنسانية، والعلاقات المغايرة نفسها قد تكون غير إنجابية بسبب العمر أو العقم أو الاختيار، ولا يعني ذلك قطعا أنها غير سليمة أو غير مشروعة.
وعلميًا لا يصح الجزم بأن التوجه المثلي موروث بالكامل أو أنّ آلية بيولوجية واحدة تحدده، وبالمقابل، فالأدلة العلمية لا تختزال التوجّه الجنسي في مجرد اختيار إرادي واعٍ يمكن تغييره بمحض الإرادة، حيث تشير الأبحاث إلى أن التوجّه الجنسي يتشكّل عبر تفاعل معقّد بين عوامل متعددة، وأن الأفراد يتفاوتون في إدراكهم لطبيعة توجّههم ومدى إحساسهم بالقدرة على اختياره أو تغييره.
والخلاصة المنضبطة هي أن العلم لا يبرر وصف المثليين بأنهم مرضى أو منحرفون بيولوجيًا؛ وأن الأحكام القانونية والأخلاقية تحتاج إلى حجج تتجاوز الاحتجاج المبسط بالطبيعة.
سادسًا: تورينغ وتشايكوفسكي وغيرهما - ما الذي يخسره المجتمع بالقمع؟
تتضح الكلفة الإنسانية لاضطهاد المثليين في سيرة عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ (1912–1954)، أحد أبرز العقول التي أسهمت في تأسيس علوم الحوسبة الحديثة، الذي كان عمله في فك الشيفرات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية ذا أهمية كبرى؛ وقد أدين في عام 1952 بسبب علاقة مثلية كانت مجرّمة آنذاك، وأخضع قسريًا لعلاجٍ هرموني عُرف باسم «الإخصاء الكيميائي»، وقد أدى ذلك الحكم إلى أذى شخصي ومهني لتورينغ، كما حُرم من مواصلة عمله في المجال الحكومي الأمني؛ ثم توفي آلان تورينغ عام 1954 إثر تسمم بالسيانيد، وصنّف التحقيق الرسمي وفاته انتحارًا، رغم استمرار الشكوك بشأن ظروفها، وقد جاءت وفاته بعد نحو عام من خضوعه للعلاج الهرموني القسري، (لكن لا تتوافر أدلة حاسمة تثبت أن ذلك العلاج كان سببًا مباشرًا في وفاته)؛ وفي عام 2013 صدر عفو ملكي عنه، ثم أُقرّت لاحقًا إجراءات عفو أوسع عن رجال أدينوا بسبب علاقات مثلية رضائية لم تعد تعد جرائما؛ وهذه إجراءات إيجابية بلا شك، ولكنها لا تعيد لتورينغ ما سُلب منه، رغم أنها تعترف بمقدار الظلم الذي كانت تنتجه القوانين التي كانت تخلط الأخلاق الخاصة بالجريمة.
وفي الموسيقى، يُعدّ بيوتر إيليتش تشايكوفسكي، أحد أشهر مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية الروسية، مثالًا مهمًا، فاستنادًا إلى رسائله ومذكراته ودراسات سيرته، يتعامل عدد من الباحثين المعاصرين مع مثليته بوصفها جانبًا موثقًا من حياته، وإن كانت بعض تفاصيل علاقاته قابلة للنقاش، كما أن تفسير ظروف وفاته بالقتل أو الانتحار بسبب ميوله لا يستند إلى دليل حاسم، حيث تشير الدراسة الوثائقية المتخصصة إلى أن الكوليرا هي التفسير المدعوم لوفاته؛ وقد أسهمت الرقابة الاجتماعية والسياسية في إخفاء جوانب من حياته أو تقديمها بصيغ ملتبسة، ما يذكّر بأن المجتمع لا يكتفي أحيانًا بمعاقبة الشخص، بل يحاول أيضًا إعادة كتابة سيرته.
كما تضم الثقافة والفنون والعلوم أسماء عدد من الرجال الآخرين الذين توثّق المصادر التاريخية علاقاتهم العاطفية أو الجنسية برجال آخرين، أو توثّق انجذابهم إليهم، ومن بينهم الكاتب أوسكار وايلد، والكاتب المسرحي تينيسي وليامز، والشاعر ألن غينسبرغ، والروائي جيمس بالدوين، والرسام فرانسيس بيكون، والطبيب والباحث في علم الجنس ماغنوس هيرشفلد، إضافة إلى تورينغ وتشايكوفسكي؛ ولكن مع ذلك يجب هنا توخي الحذر، إذ لا يعني ما تقدم أن جمع هؤلاء في سياق واحد، وأن تجاربهم أو تصوراتهم عن حياتهم الجنسية كانت متطابقة، فالمقصود هو الإشارة إلى توثيق علاقات أو ميول مثلية لديهم، مع تجنّب افتراض تطابق تجاربهم الشخصية مع تصنيفات الهوية الجنسية المستخدمة اليوم.
لكن الحجة الأساسية هنا هي أنه حتى لو لم يكن بين المثليين أي اسم مشهور، فستبقى حقوقهم قائمة بدون أي تغيير، والمسألة ليست أن المثليين يستحقون الحقوق لأن بينهم عباقرة ومبدعين، فهذا المنطق يجعل الحق مشروطًا بالإنتاجية، وكأن الإنسان العادي أو غير الموهوب أقل استحقاقًا للكرامة؛ لكن قيمة هذه الأمثلة في أنها تبيّن أن القمع لا يستهدف «فئة هامشية» مجردة، بل أفرادًا قد يسهمون بشكل مميز في المعرفة والفن والثقافة، وأن المجتمع قد يحرم نفسه من طاقات بشرية، أو يدمّر حياة أشخاص، بسبب تحيز أخلاقي لا يستند إلى مبرر عقلاني..
سابعًا: ما الذي تعنيه الديمقراطية فعلًا؟
الديمقراطية ليست حكم الأكثرية بلا حدود، وإلا أمكن للأكثرية أن تسلب أقلية دينية أو لغوية أو جنسية حقوقها بمجرد التصويت؛ الديمقراطية الدستورية تجمع بين المشاركة السياسية والمساواة أمام القانون والحقوق الأساسية التي لا يجوز انتهاكها لمجرد أن فئة ما غير محبوبة من قبل سواها، وإذا كانت الحقوق خاضعة بالكامل للأهواء الشعبية، فهي لا تعود حقوقًا، بل امتيازات مؤقتة تمنحها الأكثرية وتسحبها متى شاءت.
لهذا لا يصح القول في شرقنا الأوسط إن الاعتراف بحقوق المثليين هو «فرض أجنبي» يلغي حق المجتمع في تقرير مصيره، فالمجتمعات تتبادل الأفكار والمعايير، لكن المعيار الحاسم ليس أصل الفكرة جغرافيًا، بل مدى اتساقها مع كرامة الإنسان والحرية والمساواة، كما أن التجريم والتمييز لا يكونا أقل «استيرادًا» أو أقل تسييسا لمجرد أن أنصارِهما يستندون إلى تراث محلي، ولا ينبغي استخدام السيادة الثقافية كذريعة تمنح الدولة أو الجماعة حق السيطرة على الأجساد والضمائر.
كذلك أيضا.. فالاعتراف بحرية المثليين وضمان حقوقهم وحمايتهم، لا تتعارض مع معالجة الفقر أو إصلاح التعليم أو مقاومة الطائفية، ويمكن للدولة والمجتمع المدني أن يعملوا على هذه الملفات معًا، بل إن مبدأ عدم التمييز يحسّن قدرة المؤسسات على خدمة الجميع، لأن الوصول إلى المدرسة والعمل والرعاية الصحية والعدالة لا ينبغي أن يعتمد على مدى مطابقة الفرد للتوقعات الجنسية للأغلبية.
ثامنًا: حماية الحقوق من دون فرض قناعات
تحتاج السياسة العقلانية إلى تمييز ثلاثة مستويات كثيرًا ما تُخلط: الرأي الشخصي، والقبول الاجتماعي، والحق القانوني؛ إذ يستطيع الفرد أن يرفض المثلية في ضميره، وقد يظل المجتمع منقسمًا بشأنها، لكن ذلك لا يبرر تجريم العلاقات الرضائية أو التسامح مع الاعتداء على أصحابها، ولا يعني إلغاء التجريم أن التحيز الاجتماعي سيختفي فورًا، لكنه يزيل إحدى أدواته الأكثر خطورة، وهي سلطة الدولة في العقاب.
هذه المبادئ ليست دعوة إلى أن يتبنى الجميع نمط حياة واحدًا، بل إلى أن يتعايش أصحاب الأنماط والمعتقدات المختلفة من دون أن يحتكر طرف حق تحديد ما يجوز للآخرين أن يكونوه، وما يريد هؤلاء الآخرين أن يكونوه بشكل لا ضرر فيه، فالعلمانية تحمي الدولة من احتكار مرجعية دينية واحدة للقانون، والديمقراطية تحمي السياسة من احتكار السلطة، وحقوق الإنسان تحمي الفرد من أن يصبح ثمنا للتوافق الاجتماعي أو الديني.
خاتمة: المعيار هو الإنسان، لا رضا الأكثرية
إن الحديث عن المثلية وحقوق المثليين في مجتمعات تعاني أزمات هائلة ليس ترفًا، بل جزء من السؤال الأوسع: هل نريد دولة تحمي الإنسان أم سلطة تفرض عليه نموذجًا واحدًا للحياة؟ وهل نؤمن بالحرية بوصفها حقًا للجميع، أم نطالب بها لأنفسنا ثم نحرم منها من نختلف معهم؟ إن قيمة المبادئ لا يكون حين تحمي من نحب ونشبه، بل حين تمنعنا من ظلم من لا نحب ولا نشبه.
العلمانية لا تتبنى المثلية حين تحمي المثليين، كما لا تتبنى الشيوعية حين تسمح للأحزاب الشيوعية بالعمل؛ والديمقراطية لا تفقد هويتها حين تحمي أقلية لا تحظى بشعبية، بل تثبت معناها الدستوري؛ والطب لا يصف التوجه المثلي مرضًا، ولا يملك العلم سببًا يبرر تحويل الاختلاف الجنسي بذاته إلى جريمة؛ أما الأخلاق العقلانية فتطالب بحجة قابلة للفحص توجب المنع أو العقاب، وليس بمجرد استدعاء التحريم أو النفور أو العرف.
ليس مطلوبًا من المتدين أن يغيّر عقيدته، ولا من المثلي أن يعتذر عن وجوده، ولا من المجتمع أن يحسم جميع خلافاته الأخلاقية قبل أن يضمن الحقوق، فالمطلوب أبسط وأعمق، وهو ألا يتحول الاختلاف إلى اضطهاد، وألا تُمنح الأكثرية سلطة مطلقة على خصوصية الفرد، وألا يُعامل الإنسان بوصفه مذنبًا لمجرد أنه يعيش على نحو لا يوافق عقيدة غيره.
وفي نهاية المطاف، ليست المسألة امتيازًا للمثليين، ولا معركة جانبية منفصلة عن قضايا المنطقة الكبرى، إنها اختبار لمدى جدية أي مشروع يدّعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فمن يطالب بدولة مدنية تحمي الناس من الاستبداد لا يستطيع أن يستثني من الحماية أشخاصًا بسبب ميولهم الجنسية؛ فالحق الذي لا يشمل المختلف، ليس حقًا عامًا، والحرية التي تنتهي عند تحديد حدود حياة الآخرين الخاصة، ليست حرية، بل امتياز للأغلبية.
ليفانت: رسلان عامر
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

