الوضع المظلم
الثلاثاء ٢٤ / مارس / ٢٠٢٦
Logo
سوريا بين مطرقة ترمب وسندان الحكومة الانتقالية
علي الأمين السويد

حين تتلاقى الوصاية الخارجية مع الاستبداد الداخلي بين إدارة أمريكية ترى السوريين عاجزين عن حكم أنفسهم، وحكومة انتقالية تتصرف وكأنهم لا يستحقون أن يُستشاروا، تتكرّس معادلة الحكم الجديدة: واقعيةٌ أمريكية تتغذّى من استبداد محلي، وسلطة مؤقتة صارت دائمة بالعنف والتبعية. 

من الصعب اليوم فهم سلوك الحكومة الانتقالية في دمشق بمعزل عن النظرية التي تحكم نظرة واشنطن إلى الشرق الأوسط. فالتقاطع بين خطاب الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وسياسات حكومة أحمد الشرع في الداخل السوري، لم يعد مجرّد صدفة أو تقاطع مصالح عابر، بل تماهٍ استراتيجي وفكري بين من يبرر القمع باسم الاستقرار، ومن يمارسه باسم الوطنية.

الأساس النظري لهذا التوجه رسمه المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك حين قال العام الماضي إن الفيدرالية لا تصلح لشعوب لا تعرف معنى الدولة. هذا التصريح لم يكن مجرد رأي دبلوماسي، بل تصريح بالعقيدة السياسية التي يقوم عليها تدخل واشنطن في شؤون المنطقة: عقيدة تقوم على نزع الأهلية السياسية عن الشعوب، ومنحها حصراً للرجال الأقوياء القادرين على كبحها بالعنف. 

وقد أضاف باراك صراحة أن التنوع الطائفي في سوريا والعراق يجعل التعايش مستحيلاً، ليخلص إلى أن النظام المركزي الصارم هو وحده القابل للحياة. لكن الأخطر لم يكن في هذه المقولات النظرية، بل فيما كشفه ترامب نفسه بعد أشهر. ففي تصريح متلفز في مطلع عام 2026، قال دونالد ترامب بوضوح إنّه هو من نصّب أحمد الشرع رئيساً لسوريا، مضيفاً أن البلاد لم تكن لتستقر لولا وجود رجل قوي يفرض النظام. بالرغم من أن تصريح من هذا النوع قد يفقد أعصاب أي حاكم آخر قيل عنه ذلك، إلا أن الإدارة الحاكمة في سوريا تجنبت أية ردة فعل، أو نفي، أو حتى التخفيف من حدة هذا التصريح الذي بلغ حدا غير مسبوق في الصراحة.

بهذه الصراحة الوقحة التي لا تترك مجالاً للتأويل، اعترف ترامب بأن شرعية الحكومة السورية الحالية مُنحت من الخارج، لا من الداخل. وما كان هذا التصريح زلّة لسان، بل تتويجاً لمنطقٍ يؤمن بأن الشعوب لا تختار، بل تُختار لها القيادات. 

 

الشرع هو المطبق المحلي للترمبية في سوريا

إذا كان ترامب قد صاغ النظرية، فإن أحمد الشرع يمارسها يومياً كما لو كانت دستور حكمه. فمنذ تسلّمه السلطة، تتصرف الحكومة الانتقالية على أساس أن الشعب السوري ملف إداري لا كيان وطني، وأن الدولة تُبنى بالأمن لا بالشراكة. فبدلاً من إطلاق مصالحة وطنية تجمع السوريين على عقد سياسي جديد، لجأت الحكومة إلى الأدوات القسرية: 

في الساحل استعانت بتنظيمات عسكرية ذات طابع جهادي لضبط الوضع. 

في السويداء سلّحت مجموعات عشائرية لإخماد الاحتجاجات. 

وفي شرق الفرات عقدت تفاهمات أمنية مع قسد لتطويق المعارضة. 

وقد أجمعت التقارير على أن هذه الحلول ليست سياسة بقدر ما هي ترجمة مباشرة لفكر ترامب: السيطرة أولاً، ثم التفاهم لاحقاً إن بقي أحد على قيد التفاهم. ولولا تدخل موسكو وأنقرة وواشنطن نفسها خشية انهيار شامل، لكانت البلاد أُغرقت مجدداً في الفوضى بذريعة تثبيت المركزية.

غياب الشفافية وتكرار النمط الأمريكي في الحكم 

مثلما يمارس ترامب سلطته في بلاده بالقرارات الفوقية والتهكم على خصومه، تعتمد حكومة الشرع الطريقة ذاتها من حيث غياب الشفافية عن القرارات؛ لا تواصل مع المواطنين؛ وحين تُثار قضية مثل ماهية بنود اتفاق الحكومة مع قسد الذي حدث مؤخراً، أو ارتفاع أسعار الكهرباء، أو تدهور الخدمات، يُعامل الشعب كطرفٍ مزعج لا كشريك في الحكم. يضاف إلى ذلك أن الحكومة تجاوزت طبيعتها المؤقتة، فأصدرت خلال أشهر تشريعات اقتصادية وإدارية طويلة الأمد، متناسية أنها جاءت لمرحلة انتقال، لا لإعادة هندسة النظام بأكمله. 

التطابق الفكري بين واشنطن ودمشق 

حين نضع تصريحات ترامب وباراك إلى جانب ممارسات حكومة الشرع، تصبح الصورة أوضح من أن تُنكر: 

واشنطن ترى أن السوريين لا يستحقون الديمقراطية.... والشرع يحكم وكأنهم لا يستحقون حتى معرفة ما يُدار باسمهم. 

ترامب يعلن أنه نصب الرئيس ... والشرع يتصرف كما لو أن تفويضه لا يأتي إلا من فوق. 

 

هكذا يتعانق الاستعلاء الخارجي والاستبداد الداخلي في بنية واحدة: الأول يمنح الغطاء، والثاني يمنح الطاعة. وما بينهما وطن يُدار كما لو كان مؤسسة تابعة لا دولة مستقلة.

 

استبداد مستورد وممأسس محلياً 

إن أخطر ما في المرحلة الراهنة أن سوريا تُبنى — مرة أخرى — ولكن على تصورٍ غربي هذه المرة مقتنع بأن قمعها ضرورة حضارية. فحين يقول ترامب إنه هو من اختار الرئيس، وحين يرد الشرع بالممارسة المتماهية مع مفاهيم ترمب حول الشعب السوري، فإن العلاقة لم تعد سياسية، بل فكرية؛ أي أن حكومة دمشق أصبحت الوكيل التنفيذي لرؤية واشنطن عن الشعب السوري التي تقول بأنه متخلف وغير جاهز للتحضر وبناء الدولة العصرية.  بهذا المعنى، لا تمثل الحكومة الانتقالية الدولة السورية، بل تمثل ما يريد ترامب أن تكون عليه: نظاماً صارماً لشعب بدائي، على حد وصف توم باراك.

 

نحو مراجعة وطنية شاملة 

إن استمرار الحكومة في هذا المسار يعني الانتهاء من فكرة الدولة الوطنية نفسها. فمرحلة يفترض بها أن تبني عقداً جديداً، تحوّلت إلى إعادة صياغة الاستبداد باسم الضرورات الأمنية. ولأن التاريخ لا يرحم تكرار الأخطاء، فإن استعادة القرار الوطني لم تعد ترفاً، بل مسألة وجود. 

لهذا، تبرز اليوم الحاجة الملحّة إلى مؤتمر وطني سوري شامل، يضم القوى السياسية والمدنية والنقابية والحقوقية كافة، يعيد تعريف معنى الانتقال السياسي تحت سقف الشراكة الشعبية لا الوصاية الأجنبية. هدفه ليس إسقاط الحكومة، بل تحريرها من كونها امتداداً لسياسات الخارج، وصياغة ميثاق يضع حدوداً واضحة لأي سلطة مؤقتة في مواجهة حقوق الناس وحرياتهم. فالبلد الذي تُحدَّد قيادته من واشنطن لا يمكن أن ينهض من أنقاضه إلا حين يستعيد حقه في الاختيار، وحين يقول بوضوح: إن الشعب السوري ليس مشروعاً أمنياً ولا قطيعاً يُقاد بالحديد، بل أمة تستعيد كرامتها عندما تعود لتختار مصيرها بيدها.

ليفانت: علي الأمين السويد 

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!