-
سيادة المطلب وشرعية الوعي: قراءة في فلسفة الاحتجاج السوري إعتصام قانون كرامة
-
بادئة.. أن من نافلة القول
"إن قيمة الفعل الاحتجاجي لا تُستمد من حشد الأبدان، بل من صدق الصرخة؛ فالساحات التي تبدو اليوم خالية أو محاصرة، هي في الحقيقة ملأى بأطياف الملايين الذين ينتظرون لحظة الانعتاق. إن حصر الشرعية في 'الأغلبية العددية' هو منطق العبيد، أما الأحرار فيعلمون أن الحق واحد وإن وقف خلفه فرد، وأن الباطل باطل وإن صفق له الملايين. فالمطالب المحقة لا تموت بقلة سالكيها، بل تنمو بالتقادم لتصبح قدراً لا يُرد."
ووفق هذه المقدمة لا يمكن قراءة المشهد السوري المعاصر، وتحديداً ما جرى في #اعتصام_دمشق_بدنا_نعيش_17_نيسان_قانون_كرامة، بمعزل عن السياق التاريخي الطويل للصراع بين "شرعية الحق" و"سلطة العدد". إن الخطأ الاستراتيجي الذي يقع فيه المحللون أحياناً هو إخضاع الحراك الشعبي لمنطق "البورصة الرقمية"، حيث تُقاس قيمة الاحتجاج بعدد الرؤوس في الساحة، متناسين أن التحولات الكبرى في تاريخ المجتمعات لم تبدأ يوماً بجموع غفيرة، بل بدأت بـ "طليعة واعية" تمتلك جرأة التعبير عن المطلب المحق في لحظة انسداد سياسي.
إن "أحقية المطلب" هي المعيار الأخلاقي والقانوني الوحيد الذي يجب أن يُحاكم من خلاله أي تحرك مدني. فالقضايا المعاشية والسياسية التي رُفعت في ساحة المحافظة لا تكتسب شرعيتها من حضور المئات أو الآلاف، بل من كونها تعبيراً عن خلل بنيوي في العلاقة بين السلطة والمجتمع. وهنا تبرز أهمية استحضار ذاكرة عام 2011؛ فالمظاهرات الأولى التي انطلقت من "الحريقة" أو "الجامع الأموي" لم تكن تضم سوى بضعة عشرات من الأفراد الذين كسروا حاجز الخوف. تلك العشرات لم تكن تُمثل نفسها، بل كانت "رأس الحربة" لبركان من المظالم المتراكمة، وهو ما أدى لاحقاً إلى انفجار الساحات بعشرات الآلاف في جميع المحافظات السورية.
من الناحية الاستراتيجية، إن محاولة المقربين من السلطة ومؤيديها كما المُحابين لها التقليل من شأن أي اعتصام بسبب "قلة العدد" هي مغالطة تهدف إلى تغييب "جوهر المطلب". فالعدد هو متغير كمي يخضع لظروف الترهيب، والتحريض، والقبضة الأمنية، بينما المطلب هو ثابت قيمي لا يموت بالتقادم أو بالتهميش الإعلامي. إن الاعتصام، في جوهره، هو عملية "كي وعي" وتمرين على استعادة الفضاء العام، وهو إعلان بأن عقد الإذعان قد انتهى لصالح عقد المواطنة، حتى وإن كان من يجهر بذلك اليوم هم قلة قليلة.
علاوة على ذلك، فإن الشيطنة التي تعرض لها هذا الحراك، ومحاولات التشويش عليه عبر أدوات أيديولوجية وأخرى ذات مصالح ضيقة، تؤكد أن "السيستم" يدرك تماماً خطورة الرمزية التي يحملها المطلب السياسي. فالخوف ليس من "المئات" الموجودين في الساحة، بل من "الملايين" الصامتين خلف الأبواب الذين يجدون في تلك المطالب صدىً لأوجاعهم وطموحاتهم. إن استراتيجية "الإنكار العددي" هي آلية دفاعية كلاسيكية تستخدمها الأنظمة لتأجيل استحقاقات التغيير، لكنها تاريخياً لم تنجح في إيقاف حتمية التطور المجتمعي؛ فالمجتمعات الحية تعبر عن نفسها كالنهر، قد يبدأ بقطرات، لكنه ينتهي بجرف كل السدود التي تعترض مسار نضجه السياسي.
في الختام، يظل #اعتصام_17_نيسان، وما سبقه وما سيلحق به، حلقة في سلسلة استعادة الشخصية السورية الفاعلة. إن الحق في التعبير هو حق أصيل لا يسقط بقلة المشاركين، والعدالة لا تحتاج إلى أغلبية عددية لتكون "عادلة"، بل تحتاج إلى إيمان عميق بأن الكرامة الإنسانية والمواطنة الحقة هي بوصلة النضال، وهي التي تحول "الآحاد" إلى "أمم" في لحظة التجلي التاريخي الكبرى.
ليفانت: بقلم السياسي والإعلامي أحمد منصور.
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

