الوضع المظلم
الأربعاء ٢٨ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
  • قراءة في الاتفاق الثلاثي: خارطة طريق لحل أزمة السويداء أم فخ؟

قراءة في الاتفاق الثلاثي: خارطة طريق لحل أزمة السويداء أم فخ؟
نصري سويد

اعتمدت سوريا والأردن والولايات المتحدة في دمشق، في 16 أيلول 2025، خارطة طريق لحل أزمة السويداء واستقرار جنوب سوريا. رأى بعضهم في الاتفاق بداية للحل، وهذا مفهوم بعد ما عاشه الناس من خوف ودمار وتهجير. لكن الرغبة في الحل لا تعني التغاضي عن مضمونه، ولا القبول بعبارات عامة قد تتحول عند التنفيذ إلى أبواب خلفية للالتفاف على ما ينتظره الناس منه.

فالاتفاقات لا تُقاس بعناوينها، بل بنصوصها، وبالآليات التي تضعها لتنفيذها، وبقدرتها على حماية الحقوق حين تختلف إرادات الأطراف. ومن هذه الزاوية، يثير الاتفاق أسئلة جوهرية لا يجيب عنها بوضوح، ويترك ثغرات قد تُفرغه من مضمونه، بل قد تجعله وسيلة لإعادة إنتاج أسباب الأزمة بدلاً من معالجتها.

أولاً: الأمن من أبناء المحافظة، ولكن بقرار من دمشق؟

ينص الاتفاق على أن تكون قيادة القوة الأمنية تحت قيادة شخصية من أبناء المحافظة تعيّنها وزارة الداخلية. وهنا يبرز السؤال: ما قيمة أن يكون القائد من أبناء المحافظة إذا كان وصوله إلى المنصب واستمراره فيه مرهونين بإرادة دمشق وحدها؟

العبرة ليست بمكان ولادة المسؤول، بل بالجهة التي تختاره ويستمد منها شرعيته، وبمن يملك مساءلته وإعفاءه. أما أن تختار السلطة المركزية من تشاء، ثم يُقدَّم ذلك ضمانة لأهالي المحافظة، فهو إبقاء للقرار الأمني في يدها مع تغيير في الشكل فقط.

لذلك يبدو ضرورياً أن ينص الاتفاق على آلية واضحة لاختيار القائد، تقوم على مقترح يصدر من المحافظة وتلتزم به دمشق، وأن يكون جميع عناصر الجهاز من أبنائها. فالأمن ليس منصباً يُمنح لابن المنطقة، بل منظومة تنبع من مجتمعها وتكون مسؤولة أمامه، لا أداة تُفرض عليه باسم الدولة.

ومن الطبيعي، في ظل الظروف الحالية، ألا تُمنح صفة أمنية داخل المحافظة لشخص من خارجها، حرصاً على الأمن نفسه. فمن يضمن ألا يستهدفه شخص مدفوع بالثأر؟ ومن يضمن ألا تستغل السلطة الراهنة حادثة كهذه، أو توعز بافتعالها، لتتخذ منها ذريعة للتدخل من جديد؟ إن غياب الثقة وحجم الجراح يفرضان قطع الطريق على هذه الاحتمالات، لا ترك ثغرة قد تقوّض الاتفاق كله. وبغير ذلك، يصبح الأمر كما يقول المثل: "كأنك يا أبو زيد ما غزيت".

ثانياً: الوجود العسكري، ماذا عن قوات السلطة؟

نص الاتفاق على سحب المقاتلين المدنيين من الحدود الإدارية لمحافظة السويداء، لكنه لم يضع نصاً واضحاً يمنع وجود القوات العسكرية التابعة للسلطة داخل المحافظة أو دخولها إليها. وقد تبدو هذه نقطة تفصيلية للبعض، لكنها تمسّ جوهر الترتيبات الأمنية.

فكيف يكون أمن السويداء بيد أبنائها إذا بقي احتمال دخول قوات دمشق أو انتشارها قائماً؟ وما الذي يمنع استخدام هذا الاحتمال أداة ضغط كلما نشأ خلاف حول تنفيذ الاتفاق؟

ما يحتاجه هذا الملف هو نص صريح يمنع أي وجود عسكري تابع للسلطة داخل حدود المحافظة، ويحدد آلية وجدولاً زمنياً لانسحاب أي قوات موجودة فيها. فالمسألة لا تحتمل إعادة انتشار أو ترتيبات تبقي هذا الاحتمال قائماً، بل تحتاج إلى ضمانة واضحة بأن يكون أمن المحافظة بيد أبنائها.

ثالثاً: عودة المهجّرين، حق يحتاج إلى ضمانات.

عودة المهجّرين إلى قراهم ومنازلهم حق لا يجوز المساومة عليه أو تحويله إلى ورقة سياسية. لكن العودة ليست مجرد إعلان أو موعد، ولا تتحقق بنقل الناس إلى أماكن تفتقر إلى مقومات الحياة. فمن فقد منزله أو مصدر رزقه، وعاد إلى قرية مدمرة بلا ماء أو كهرباء أو خدمات، لم يستعد حياته بمجرد وصوله إليها.

لذلك فإن العودة الكريمة لا تستقيم من دون ضمانات أمنية حقيقية تصون كرامة العائدين وتحمي ممتلكاتهم وتمنع تكرار ما دفعهم إلى النزوح، تترافق مع خطة واضحة لإعادة إعمار القرى وتأهيل بنيتها التحتية، وآلية تتزامن فيها العودة مع توفير مقوماتها. فالعودة الكريمة تبدأ بإزالة أسباب التهجير ومعالجة نتائجه، لا بالاكتفاء بالإعلان عنها.

وتثير عودة أبناء العشائر البدوية، في ظل الجراح المفتوحة وانعدام الثقة، مخاوف لا يجوز تجاهلها. لا أحد ينكر حق إنسان في بيته وملكه، لكن الإقرار بالحقوق لا يلغي الحاجة إلى ترتيبات تطمئن الجميع وتمنع عودة العنف وتحمي المدنيين.

فبعد كل هذا الدم، هل يمكن افتراض أن التعايش سيعود بمجرد صدور اتفاق؟ أليس من الممكن أن يتحول احتكاك عابر، حتى لو بدأ بخلاف على كيلوغرام من البندورة، إلى شرارة تشعل السويداء من جديد؟ تجاهل هذا الواقع لا يحمي أحداً، بل قد يعيد الجميع إلى مأساة تموز.

وما يزيد الأمر إلحاحاً هو البحث عن حلول تحفظ الحقوق والممتلكات وتمنع تجدد العنف، بما فيها التعويض العادل. فالقضية هنا ليست مجرد إعادة الناس إلى أماكنهم، بل معالجة أسباب الخوف والعداء التي تراكمت خلال الأشهر الماضية.

رابعاً: حصر الأضرار والتعويض، وعود بلا آلية.

يغيب عن الاتفاق تحديد آلية واضحة لحصر الأضرار في الأرواح والممتلكات، وتقدير التعويضات، والجهة المخوّلة بذلك. كما لا يضع جدولاً زمنياً للصرف، ولا يبيّن مصادر التمويل أو سبل الاعتراض عند الخلاف على التقديرات.

وهذا يجعل جبر الضرر أقرب إلى وعد مفتوح منه إلى التزام يمكن المطالبة بتنفيذه. ويترك المتضررين أمام سؤال مشروع: متى سيحصلون فعلاً على تعويضاتهم، ومن سيضمن لهم ذلك؟ وقد ينتهي الأمر بانتظار سنوات، على قاعدة المثل: "إلك معنا وما معنا، وبس يصير معنا الله لا يجمعنا".

وما يمنح الثقة هنا هو وجود جهة مستقلة وذات مصداقية، بمشاركة ممثلين عن المحافظة والمتضررين، تتولى توثيق الخسائر وتقديرها وفق معايير معلنة، وتضع جدولاً زمنياً للتعويض، وتضمن حق المتضررين في مراجعة القرارات والاعتراض عليها.

وجبر الضرر لا يقتصر على المال، فهو يشمل الاعتراف بما وقع، وإنصاف الضحايا، ومعالجة آثار الجريمة في حياة الأفراد والمجتمع.

خامساً: الجدول الزمني، التزامات مفتوحة.

لم يتضمن الاتفاق إطاراً زمنياً محدداً لتنفيذ بنوده، وهذا يفتح الباب للمماطلة والانتقائية: تُنفَّذ البنود التي تريدها السلطة سريعاً، وتُؤجَّل البنود التي تمثل حقوقاً وضمانات لأهالي المحافظة، بحجة الظروف أو الإمكانات أو الحاجة إلى مزيد من الدراسة.

والجدول الزمني ليس إضافة شكلية، بل جزء من جوهر الاتفاق. فالناس لا تسأل فقط عمّا سيُنفّذ، بل متى سيُنفّذ، ومن المسؤول إذا تأخر التنفيذ. ومن دون إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، يصبح من الصعب التمييز بين التعثر الحقيقي والتسويف المتعمد.

ولهذا لا تستقيم هذه الالتزامات ما لم تقترن بخطوات محددة ومواعيد واضحة، وتوجد جهة تتابع التنفيذ وتتحقق منه، وآلية لمعالجة الإخلال بالالتزامات. فالضمانة التي لا يمكن مراقبتها والمطالبة بتنفيذها تبقى وعداً رهناً بحسن نية من يقدمه.

سادساً: المحاسبة، هل تكون السلطة خصماً وحكماً؟

يسند الاتفاق إلى السلطة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق مرتكبي الانتهاكات، مع أنها كانت طرفاً في ما جرى. وهذا يطرح إشكالية واضحة، إذ يصعب إقناع الناس بنزاهة تحقيق تكون الجهة المعنية بأحداثه هي نفسها من يتولى إدارة المساءلة.

فالمحاسبة الجادة تستلزم تحقيقاً مستقلاً وموثوقاً، يكشف ما جرى ويحدد المسؤوليات على جميع المستويات: من أصدر الأوامر، ومن نفّذها، ومن تستر على الجرائم، مع حماية الشهود والضحايا وضمان حقهم في معرفة الحقيقة والإنصاف.

أما الاكتفاء بعبارات عامة مثل "انتهاكات" أو "تجاوزات"، من دون توصيف واضح للوقائع وآلية مستقلة للمحاسبة، فيختزل ما حدث في حالات فردية، ويطمس حجم الكارثة وآثارها الاجتماعية والإنسانية. ولا يمكن بناء ثقة حقيقية فوق صمت مفروض على الضحايا، أو بمطالبتهم بتجاوز الماضي قبل كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

ما بعد الاتفاق: السؤال السياسي الأكبر!

ولا يبدو تجاوز هذه الثغرات ممكناً من دون معالجة واضحة وضمانات ملزمة. لكن حتى لو أُدخلت التعديلات المطلوبة، فإنها لا تجيب عن السؤال الأكبر: ما مستقبل السويداء، ومن يملك القرار في شؤونها؟ فالسويداء تجاوزت مرحلة البحث عن تطمينات مؤقتة وترتيبات قابلة للنقض عند أول خلاف. وما تحتاج إليه اليوم هو حل سياسي يضمن لها، على الأقل، استقلالاً إدارياً وتشريعياً وأمنياً وتعليمياً، يمكّن أبناءها من إدارة شؤونهم وحماية مجتمعهم وهويتهم ومستقبلهم.

وهنا مربط الفرس. فكل ما عداه، على أهميته، يبقى تفاصيل قابلة للأخذ والرد. أما الإجابة عن سؤال من يملك القرار في شؤون السويداء ومستقبلها، فهي التي ستحدد ما إذا كان هذا الاتفاق خطوة نحو حل حقيقي أم مجرد هدنة مؤقتة.

ليفانت: نصري سويد

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!