الوضع المظلم
السبت ٣١ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
كيف يرى الإرهابي نفسه أخلاقيا؟
رسلان عامر

«إن الإرهاب كسلاح في التعامل مع الخصوم هو لعبة الشيطان وسلاح بدائي يفقد قيمته وينقض أخلاقياته... ويظل عملا خسيسا ضد الأخلاق!»([1]).

-الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة.

 

 

 

قد يبدو للوهلة الأولى أنه لا يمكن الحديث عن الإرهاب من وجهة نظر أخلاقية إلا بأشد نبرات الإدانة والتجريم، لكن وصف الإرهاب بأقسى وأبشع الأوصاف وفقا للمعيارية الأخلاقية التي نعترف بها.. لا يحمل بالنسبة للإرهابي أي معنى أخلاقي، لأنه ببساطة لا يعترف بالمعيارية التي ننظر إليه من خلالها، ومن المطلوب منطقيا ليس فقط إعطاء "حكم قيمة" أو "حكما قيميا" على ظاهرة كالإرهاب، بل لا العمل أيضا على تفسير هذه الحالة وتبيان ملابساتها بغية فهمها من أجل العمل الصحيح على مكافحتها.

فكيف إذن ينظر الإرهابي نفسه من الناحية الأخلاقية إلى ما يقوم به من أفعال، هي في نظر سواه ومن بينهم ضحاياه تعتبر جرائم كبرى؟

 

قبل متابعة مناقشة هذه المسألة تجدر الإشارة أن في هذه المقالة يتم استخدام صفة "إسلاموي" وليس "إسلامي" لوصف الإرهاب الذي يقوم به أشخاص يعتبرون أنفسهم مسلمين، فصفة "إسلاموي" هي صفة "نَسَبية" تعطي هؤلاء الأشخاص صفة "النسب إلى الإسلام" أما صفة "إسلامي" فهي صفة "هويوية"، وهي تعطي صاحبها صفة "الانتماء إلى الإسلام" وحمل "هوية الإسلام"، وهذا غير صحيح في حالة الإرهابيين الإسلامويين، لأنهم فعليا لا يحملون هوية الإسلام، ولكنهم يحملون هويتهم الخاصة التي ينسبونها إلى الإسلام، و"النسب" يشير إلى علاقة يتم فيها نسب المنسوب إلى المنسوب إليه من خارج المنسوب إليه، أما الانتماء والهوية فهما حالتا علاقة وارتباط داخليين بين صاحبهما وموضوع الانتماء أو الهوية.

 

ما لا شك فيه، أنه حتى ضمن الجماعة الإرهابية الواحدة، ثمة خلافات شخصية بين الأفراد ودوافعهم وقناعاتهم ومواقفهم، ما يعني أن البعض من هؤلاء يمكنه أن يقيّم ما تقوم به الجماعة من أعمال العنف المفرط كجرائم، ولكنه رغم ذلك لا يبالي بهذه الجرائم، مثل اللص الذي يسرق وهو نفسه مقتنع أن السرقة حرام وجرم وعيب، أو من يمارس البغاء ولديه مثل هذا الموقف منه، ونحن هنا أمام حالة يمكن وصفها بأنها شرخ بين القيمة والسلوك، وهذا الشرخ في حالات مثل السرقة والبغاء قد يكون سببه المصلحة، التي تكون من القوة بحيث تسقط القيمة، أو قد يكون سببه ضعف العزيمة وعدم امتلاك القوة الكافية للثبات على المبدأ القيمي، أو قد يكون هو ضعف القناعة نفسها بهذا المبدأ وتذبذبها، ومن الممكن في حالات أخرى أيضا أن يكون السبب هو النقمة، فيأتي السلوك الإجرامي كردة فعل ثأرية ضد الضحية نفسها، أو عبر تشييئها وتحويلها إلى مجرد وسيلة للانتقام من سواها.

هذه الحالة يمكننا تسميتها بحالة "الجريمة الموعاة المقبولة" أو "الجريمة المقبولة الإجرام" التي يقترفها فاعلها واعيا أنها جريمة وقابلا فعلها كجريمة.

في الحالة "الإسلاموية"، ينطبق هذا النوع من الجريمة بشكل تام فقط على من يمارس الإرهاب بدافع مصلحي، ويتخذ الإسلام وسيلة لتحقيق غايته المصلحية الخبيثة هذه، لكن ثمة أيضا نموذج آخر، وهو "جريمة الكراهية" ضد الغير، وهي من النوع "النقموي"، ولكن هذه الجريمة في الحالة الإسلاموية لا يمكن إدراجها تحت تصنيف "الجريمة الموعاة المقبولة"، ذاك أن العامل الإيماني الديني، بشكله التعصبي هنا، يلعب دوره على مستوى تشكـّل النقمة ضد الغير بدعوى الكفر، وعلى مستوى تبرير مفاعيل هذه النقمة بدعوى محاربة الكفر، كما أنه ثمة أيضا حالة ثالثة، تتداخل فيها المصلحة مع القناعة الدينية، وفيها يعتبر العنف الممارس ضد الغير الكافر"جهادا ثوابه الجنة"، وفي هاتين الحالتين، لا يعتبر العنف ضد الآخرين من قبل فاعله جريمة، ولكنه يكون مبررا، بل ومباركا، على أساس ديني إيماني، وهذا النوع من العنف يمكن تسميته بـ "الجريمة غير الموعاة" أو "الجريمة المنكرة الإجرام"، وهي تحيلنا إلى العلاقة بين العنف والمقدس، أو إلى العنف المقدس، الذي يمكن أن يكون المقدس فيه دينيا أو وضعيا، كالعنف القومي، والثوري، وما شابه...

تتشابه كلتا الحالتين من الإرهاب بكونهما حالات تسقط فيها المنظومة الأخلاقية العامة في نظر ممارس العنف.. في الحالة الأولى  يتم استبدال الأخلاق بـ "اللاأخلاق" عند مرتكب الجريمة الذي يعي ويقبل جريمته، أما في الحالة الثانية، فتحل "منظومة أخلاقية بديلة" محل المنظومة المخروقة المرفوضة، وهنا لا تعتبر الجريمة من قبل فاعلها جريمة، بل  بنظره الخاص غالبا "فضيلة"، والحالة الثانية هي طبعا الأعم والأخطر، فحتى الانتهازي ذو المصلحة الخبيثة، إذا أراد استغلال عصبية دينية أو وضعية فهو بحاجة إلى عناصر متزمتة الإيمان بمقدس ديني أو وضعي -أي عناصر متعصبة- ليستغلها.

عن هذه الحالة يقول الفيلسوف الفرنسي أندري كانت سبونفيل في مقال له بعنوان "منطق الإرهاب": «.. الأنانية، رغم أنها الأكثر انتشار، فهي لا تشكل مصدر خوف إذا ما قورنت بالتعصب. قليلون هم من يقدمون على القتل بدافع مصالح شخصية. في نهاية المطاف، ما الذي سيجنيه المرء من ارتكاب المجازر؟ لكن ارتكابها في سبيل الإله، أو الثورة، أو الأمة، يعني الشيء الكثير. لا يحتاج الإنسان أن يكون شريرا حتى يرتكب الفظائع، الحماس وحده يكفي. لنأخذ مثال الحروب الصليبية أو الجهاد، روبيسبير أو ستالين، هتلر أو بول بوت، القاعدة أو داعش. منطق المطلق، حين ندعي معرفته، هو منطق الإرهاب. لا أحد يرتكب الشر من أجل الشر. "رايخ الألف عام"، عند هتلر، كان بهدف فعل الخير، تماما كما كانت الثورة بالنسبة لروبسبيير أو ورثته المخيفين، وكما كانت العقيدة الصحيحة بالنسبة لمحاكم التفتيش. " أقتلوهم جميعا، فالإله أو الثورة سيميزون أبناءهم.."، أي وغد عادي، سيكون أقل إثارة للخوف. فباعتباره لا يتصرف إلا بدافع الأنانية، فيما سيفيده مضاعفة المجازر؟»([2]).

 

إذا أمام الإرهاب نحن غالبا لسنا إزاء حالة "أوغاد منحطي أو عديمي الأخلاق"، ولكننا أمام حالة إيمانية مفرطة في تطرفها، ولديها منظومتها الأخلاقية البديلة المقترنة بهذا التطرف الإيماني أو التعصب، ومن هم إرهابيون بنظرنا، هم ليسوا قطعا كذلك بمنظورهم الخاص، حيث يرون أنفسهم مجاهدين أو ثوارا أو وطنيين؛ أو حتى "محاربي إرهاب"، حيث تقترف أيضا أبشع الجرائم وتبرّر بذريعة "محاربة الإرهاب"، وهذا ما تؤكده الأبحاث العلمية، حيث تقول الباحثة "ليندسي هان" بناء على مشاركتها في دراسة قام بها فريق من الباحثين بجامعة "جورجيا" الأمريكية ونشرتها دورية "بوليتيكال سيكولوجي" (Political Psychology)، واستهدفت رصد "الدوافع الأخلاقية" التي تحتمي بها بعض المنظمات الإرهابية، ذات التوجهات السياسية المختلفة، لتبرير عملياتها الإرهابية:«على الرغم من أن الجماعات الإرهابية تبدو لنا جميعا في الخارج وحوشا متخلفة أخلاقيًّا، وأن عناصرها ترتكب أعمال عنف شنيعة وعشوائية، إلا أننا رأينا ضرورة البحث عن الدوافع التي تحثهم على الاقتناع والالتزام بقضية مشتركة... وأردنا التحقق مما إذا كانت دوافعهم الأخلاقية تتسق مع أقرانهم الأقل تطرفًا والذين ينتمون إلى قوى أو أحزاب سياسية، وانتهينا إلى أن الإرهابيين قد يرتكبون عنفًا شديدًا من أجل تحقيق بعض الأهداف الأخلاقية التي يؤمنون بها، ....وبشكل عام، تدل نتائج الدراسة على أن الجماعات الإرهابية لديها منظومات قيمية أخلاقية تحفزها على ارتكاب عملياتها الإرهابية، بل والاستمرار في ارتكابها وفق مبررات تتفق مع قناعاتها الأخلاقية»([3]).

 

هذه الحالة التي يمكن فيها لظاهرة الإرهاب أن تحدث، هي بلا أدنى شك حالة تدهور اجتماعي شديد وواسع، فعدا عن المفرزات الوخيمة التي يمكن لهذه الحالة أن تفرزها، فهي بنفس الوقت تصنع الضرورة الحتمية النقيضة لها المتمثلة بالحل الخلاصي منها، وهذه الحل قد يتخذ شكل الثورة أو الجهاد أو سواهما، وبقدر ما تكون الأوضاع متدهورة يصبح الحل أكثر ضرورة وصعوبة بنفس الوقت، وهذا ينتج أخلاقيات مختلفة عن الأخلاقيات السابقة، التي تصبح بنظر المتمردين على هذه الأوضاع أخلاقا تنتمي إلى المنظومة الفاشلة الفاسدة الواجب التخلص منها، وهكذا، وتحت غطاء "الشرعية الثورية" أو "الشرعية الجهادية" وما شابه يصبح الكثير من الأفعال المدانة سابقا مقبولا، وبهذا الخصوص يقول العالم والفيلسوف الداغستاني الروسي عبدالسلام غصينوف (Abdoussalam Gousseïnov)، في الفصل المعنون بـ "الإرهاب والأخلاق" من كتابه "علم الأخلاق" ": «يرتبط الإرهاب ارتباطًا جوهريا بفكرة الثورة الغامضة باعتبارها انفجارا عاطفا أو تنفيسا، والتي يمكن أن تبدأ من خلال الأعمال غير المقبولة وغير المشروعة لبعض الأفراد. ويبدو كما لو أن الإرهابيين يسعون إلى استعادة المثل العليا غير المحققة المتمثلة في الحرية والمساواة والأخوة والعدالة الاجتماعية، ولكنهم في الوقت نفسه ينتهكون المعايير الأخلاقية المقبولة عموما، ويهينون المشاعر الأخلاقية، ويرتكبون أشياء رهيبة أخلاقيا. إنهم يردون على حالة انعدام القانون، لكنهم ينتهكون المنظومة الأخلاقية، ويضعون أنفسهم في وضع استثنائي، ومن بين أمور عديدة، يتحدث ضد الإرهاب تطوره الخاص، المعبر عنه في حقيقة أن عملاءه يحررون أنفسهم بشكل متزايد من الحدود الأخلاقية التي قد تظهر في شكل قوانين أخلاقية أو غير ذلك»([4]).  

 

وهكذا يمكن القول انه إذا كان الإرهاب المصلحي من الناحية الأخلاقية عبارة عن حالة انهيار أخلاقي كبرى، ففي المقابل يكون الإرهاب الإيمانوي عبارة عن حالة عنف مفرط مقترن بإيمانية متطرفة بخير موهوم، إنه حالة زيغ ضخم في تصور الخير تـُسقط أصحابها بشدة في نقيضه، وهذه الحالة لديها منظومتها الأخلاقية المتشابكة مع هذا الزيغ الإيمانوي، لكن هذا النوع من الغلواء الإيمانية الواهمة وما يرتبط به من مفاعيل عنفية شديدة على أرض الواقع، هو ليس حالة إيمانية محضة ومنفصلة عن واقعها الاجتماعي، فحيث لا يكون هناك ظروف معيشية متدهورة وفساد منتشر، لا يمكن لأية دعوة ثورية أو جهادية أن تلقى استجابة اجتماعية عملية، حتى وإن كان محركها دينيا، فهذه الدعوة نفسها تكون في الحالة الوضعية من نتاج واقعها الوضعي وردا عليه، وفي الحالة الدينية التي يكون ثمة موروث ديني، فقراءة هذا الموروث وفهمه هي بدورها مرتبطة بالوضعين المعيشي والثقافي لواقعها، ما يعني في المحصلة أن أخلاق الإرهاب ليست شيئا ينشأ في ما فوق الواقع، بل على العكس من ذلك هي جزء عضوي جدلي في ظاهرة الإرهاب ككل التي تكون بدورها عادة نتيجة حتمية لواقع اجتماعي مستفحل الأزمة.

 

وهكذا يمكننا في الختام القول أنه عند تفسيرنا للإرهاب الإسلاموي، فعلينا ألا نعطي تفسيرا يربط هذه الظاهرة بالدين، ويجعل دين الإرهابي هو المتهم، فالتفسير الحقيقي نجده ليس في الدين بل في "التدهور الاجتماعي" الذي يجعل هذا الإرهابي، والمقصود هنا بالطبع الإرهابي الذي ينتمي إلى النوعية المتعصبة العمياء، يفهم -أي الإرهابي- دينه بهذا الشكل الفظيع ويشتق منه منظومة أخلاقية مشوهة شديدة الخطر، وعليه يكون المذنب في صنع مثل الإرهابي هو الواقع الاجتماعي البائس الذي يتسبب بمسخ عقول وضمائر أبناءه ويجعلهم يفهمون دينهم  وينتجون أخلاقهم بشكل بربري، وليس الدين الذي ينتسب إليه هؤلاء الأشخاص الذين أفسدهم ذلك الواقع الاجتماعي الفاسد.

 

 

ليفانت: رسلان عامر

 

المراجع: 

[1] - بوابة الأهرام، رئيس جامعة القاهرة الإرهاب ينجب حفار قبره.. ويظل عملا خسيسا ضد الأخلاق، ‏28‏/09‏/2019:

http://gate.ahram.org.eg/News/2286892.aspx

[2]-  أوندري كانت سبونفيل، منطق التعصب، ترجمة يوسف اسحيردة، عن :

Le monde (des religions) n°75 janvier-février 2016, Le mal au non de dieu-

المصدر العربي: موقع كوة، ‏17‏/01‏/2019:

https://couua.com/2019/01/17/منطق-الإرهاب،-ترجمة-يوسف-اسحيردة

[3] -تامر الهلالي، نظرية جديدة ترصد الدوافع الأخلاقية للسلوك الإرهابي، مجلة للعِلم، الطبعة العربية الإنترنيتية لمجلة ساينتفك أمريكان، 31 يناير 2019:

https://www.scientificamerican.com/arabic/articles/news/a-new-theory-that-monitors-ethical-motives-of-terrorist-behavior/

[4] - عبدالسلام عبدالكريموفيتش غصينوف، علم الأخلاق، الجزء الرابع: الأخلاق والعنف، الفصل 4.3: الإرهاب و الأخلاق، يوباتوريا- القرم، 2004:

-Гусейнов, Абдусалам Абдулкеримович, Этика,Раздел 4: Мораль и Насилие,4.3. Терроризм и

мораль, Евпатория 2004:

https://studfile.net/preview/5473686/page:12/

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!