-
مصر… وأول صحيفة كردية
عندما كنا نسمع أن مصر "أم الدنيا"، لم نكن ندرك حقاً عمق هذه العبارة القصيرة. لكن كلما تعمّق الإنسان في تاريخ هذه الأرض، يكتشف أنها لم تكن يوماً مجرد وطن لأبنائها فحسب، بل كانت ولا تزال حاضنةً لشعوب وثقافات متعددة، احتضنتهم في لحظات مفصلية من تاريخهم.
ومن بين هذه الشعوب، كان للكرد نصيبٌ من هذه الحاضنة، حين اضطرت عائلة بدرخان، وهي من أبرز العائلات الأميرية الكردية، إلى مغادرة موطنها تحت وطأة الضغوط التي فرضتها الدولة العثمانية على النشاط الثقافي والقومي الكردي. لم يكن ذلك التهجير مجرد انتقال جغرافي، بل كان بداية لمرحلة جديدة من النضال الثقافي خارج حدود كردستان.
ولم تكن عائلة بدرخان عائلة عادية؛ فقد عُرفت باهتمامها العميق بالعلوم واللغات والفكر، وكان لها حضور مبكر في مجالات الثقافة والإدارة والصحافة. ومع وصولها إلى القاهرة، وجدت في هذه المدينة فضاءً أرحب للتعبير والعمل، فبدأت من هناك واحدة من أهم المبادرات الثقافية في التاريخ الكردي الحديث.
في عام 1898، انطلقت من القاهرة أول صحيفة كردية في التاريخ تحت اسم "كردستان"، على يد الأمير مقداد مدحت بدرخان. لم تكن هذه الصحيفة مجرد مطبوعة دورية، بل كانت مشروعاً فكرياً يهدف إلى إحياء اللغة الكردية، وتعزيز الوعي القومي، وربط أبناء الشعب الكردي بثقافتهم وهويتهم.
ورغم محدودية الإمكانيات، كانت الصحيفة تُطبع بأعداد متواضعة نسبياً، وتُوزّع بطرق شبه سرية. فقد كانت تُرسل عبر شبكات من التجار والمثقفين إلى داخل المناطق الكردية الخاضعة للحكم العثماني، حيث كان تداولها يُعد مخاطرة. ولم يقتصر انتشارها على الشرق، بل وصلت أعداد منها إلى مدن أوروبية مثل جنيف وباريس، ما منحها بُعداً دولياً مبكراً.
عملت عائلة بدرخان في مصر على تطوير هذه الصحيفة، حيث كانت تجمع المقالات وتحرر المواد الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تعكس واقع الشعب الكردي وتطلعاته. وقد تميزت الصحيفة بطرحها لقضايا اللغة، والتعليم، والهوية، إضافة إلى نقدها للأوضاع السياسية التي كان يعيشها الكرد آنذاك.
ومع مرور الوقت، لم تظل "كردستان" مجرد صحيفة، بل تحولت إلى منصة فكرية أسهمت في تشكيل وعي جيل كامل من المثقفين الكرد. كما مهدت الطريق لظهور تجارب صحفية وثقافية لاحقة، كان من أبرزها ما قدمه لاحقاً جلادت بدرخان، الذي واصل المسيرة من خلال تطوير اللغة الكردية وإصدار مجلات مهمة مثل "هاوار".
لقد أثبتت تجربة صحيفة "كردستان" أن الكلمة يمكن أن تتجاوز الحدود، وأن الثقافة قادرة على مقاومة القمع والنسيان. كما تؤكد هذه التجربة الدور التاريخي الذي لعبته مصر في احتضان المبادرات الفكرية لشعوب المنطقة، وفتح أبوابها أمام مشاريع كان من الصعب أن ترى النور في أماكن أخرى.
وفي النهاية، لم تكن "كردستان" مجرد صحيفة وُلدت في المنفى، بل كانت صوت أمة تبحث عن ذاتها، ورسالة ثقافية انطلقت من القاهرة لتصل إلى كل مكان يمكن أن تُقرأ فيه الكلمة الحرة.
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

