-
"يمكن ويجب": استعراض دراجات نارية في طهران يكشف تصدّع هيبة النظام وأزمة احتواء متفاقمة
-
تحرّك رمزي في قلب القبضة الأمنية
في 20 فبراير 2026، وفي سياق إحياء أربعينية شهداء انتفاضة يناير 2026، نفّذت وحدتان من راكبي الدراجات النارية التابعين لوحدات المقاومة تحركاً استعراضياً في شوارع متفرقة من طهران. جرى التحرك في ظل مراقبة أمنية مشددة وانتشار واسع لكاميرات الرصد وقوات القمع، ما يضفي عليه بعداً سياسياً يتجاوز حجمه الميداني.
رفع المشاركون أعلاماً تحمل شعار جيش التحرير الوطني الإيراني، فيما كُتبت على بعضها عبارة "يمكن ويجب"، وهو الشعار الذي تتبناه السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية. وبحسب ما تم نشره باللغتين الفارسية والعربية، فإن هذا التحرك يأتي في إطار كسر احتكار النظام للفضاء العام وإعادة تثبيت حضور المقاومة في قلب العاصمة.
من الاستعراض إلى الرسالة: كسر معادلة الخوف
أهمية الحدث لا تكمن في عدده، بل في مكانه وتوقيته. فطهران تمثل مركز الثقل السياسي والأمني للنظام، وأي نشاط معارض منظم داخلها يُعد تحدياً مباشراً لهيبة الدولة الأمنية.
التحرك، وإن كان سريعاً وخاطفاً، حمل رسالة مزدوجة: أولاً، أن شبكة المقاومة لا تزال قادرة على العمل تحت أعين الأجهزة؛ وثانياً، أن سياسة الردع الشامل لم تعد تنتج الصمت ذاته. في أنظمة تقوم على الردع الاستباقي، يصبح الظهور العلني— حتى لو كان محدوداً — مؤشراً على تصدّع في معادلة التخويف.
"يمكن ويجب": من شعار تعبوي إلى معادلة سياسية
يحمل شعار "يمكن ويجب" بعداً يتجاوز التعبئة المعنوية. فهو يجمع بين عنصر الإمكان العملي وعنصر الواجب الأخلاقي، أي بين القدرة على التغيير وشرعيته. هذا الدمج يهدف إلى نقل الخطاب من دائرة الاحتجاج إلى أفق البديل السياسي.
وفي بيانات منشورة، تم التأكيد على أن إسقاط النظام ليس فرضية خطابية، بل نتيجة متوقعة لمسار الأزمات المتراكمة. الرسالة المضمَرة هنا موجهة إلى الداخل والخارج معاً: البديل موجود، والإرادة السياسية تتشكل.
فائض القمع وعجز الاحتواء
من منظور تحليل السياسات، يكشف هذا الحدث عن مفارقة هيكلية داخل نظام الملالي: يمتلك أدوات قمع واسعة، لكنه يعاني من عجز متنامٍ في احتواء المجال العام سياسياً. الانتشار الأمني المكثف لا يمنع ظهور تحركات رمزية، بل أحياناً يضخّم أثرها.
تعتمد السلطة على تفكيك أي نشاط احتجاجي ومنعه من التحول إلى سردية وطنية جامعة. غير أن تكرار هذه الأنشطة — حتى المحدودة — يرسّخ صورة مغايرة: صورة مجتمع لم يُخضع بالكامل. وهنا تكمن الحساسية؛ فالدول السلطوية لا تخشى فقط الحشود، بل تخشى تآكل صورة السيطرة المطلقة.
تكتيك الحركة الخاطفة: مرونة مقابل ثقل أمني
يعكس استخدام الدراجات النارية تكتيكاً قائماً على السرعة واللامركزية. فالحركة الخاطفة تقلّص زمن التعرض للاعتقال، وتحوّل الشارع إلى مساحة مباغتة يصعب ضبطها بالكامل. هذا النمط من العمل يدخل ضمن استراتيجية تقوم على وحدات صغيرة مرنة يصعب استهدافها مركزياً.
في المقابل، يُجبر النظام على نشر موارد أمنية وتقنية ضخمة لمواجهة نشاطات قصيرة زمنياً، ما يخلق استنزافاً دائماً في بيئة تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة.
الخلاصة: الشرعية المتآكلة أخطر من خسارة الشارع
لا يغيّر استعراض محدود ميزان القوى فوراً، لكنه يمسّ عنصراً أكثر حساسية: سردية الإمكان. حين يُرفع شعار "يمكن ويجب" في قلب العاصمة، فالمقصود ليس إعلان انتصار آني، بل تثبيت فكرة أن التغيير لم يُقصَ من المجال العام.
المعضلة التي يواجهها النظام لا تكمن في حدث واحد، بل في تراكم الإشارات. كل ظهور علني— حتى المحدود منه — يضيف طبقة إلى رواية مضادة تقول إن السيطرة ليست مطلقة، وإن القمع مهما اشتد لا يصنع شرعية.
في المحصلة، الصراع الجاري في طهران اليوم هو صراع على تعريف المستقبل: هل يبقى المجال العام رهينة هندسة القمع، أم يتحول تدريجياً إلى مساحة يتقدم فيها منطق أن التغيير ممكن وواجب؟
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

