-
اختلال دورة الرواتب: الموازنة الاثني عشرية.. وأزمة الحباية: كيف يتآكل الطلب الفعّال ويتباطأ رأس المال في سوريا؟
-
في المراحل الانتقالية لا تظهر الأزمات دائماً في العناوين الكبرى، بل في التفاصيل اليومية
الاقتصاد السوري في عام 2025 لا يعيش لحظة انهيار حاد، بل حالة تباطؤ ممتد. لا توجد صدمة واحدة يمكن الإشارة إليها، بل سلسلة اختلالات صغيرة تتراكم بهدوء: موازنة تُدار شهرياً بدل أن تُخطط سنوياً، رواتب ترتفع اسمياً لكنها تفقد جزءاً من قيمتها الحقيقية، وأسواق تمتلئ بسلع مستوردة أرخص من المنتج المحلي.
هذه المؤشرات لا تعني غياب الجهود الرسمية لضبط المالية العامة أو الحد من التضخم. لكنها تعكس فجوة بين أهداف الاستقرار النقدي وضرورات تحفيز الاقتصاد. ففي اقتصاد تقلصت موارده وتبدلت بنيته، يصبح التوازن أكثر حساسية. أي قرار مالي أو سعري يمتد أثره إلى شبكة واسعة من الإنتاج والاستهلاك والاستثمار.
السؤال لم يعد يتعلق بقدرة الدولة على الصمود مالياً فقط، بل بقدرتها على إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية دون أن تفقد استقرارها الهش. بين إدارة الأزمة وبناء مسار تعافٍ، تقف السياسة الاقتصادية أمام اختبار دقيق.
سوريا 2025: اقتصاد في طور إعادة التشكل بين الصدمة السياسية والتحول البنيوي
يدخل الاقتصاد السوري عام 2025 وهو يمرّ بأحد أكثر تحولاته تعقيداً منذ بداية الصراع قبل أكثر من عقد. فالتغيير السياسي الذي أنهى مرحلة النظام السابق، وأفضى إلى وصول سلطة جديدة إلى دمشق، لم يكن حدثاً سياسياً معزولاً، بل مثّل لحظة انقطاع اقتصادي عميق أعادت ترتيب مراكز القوة، وأنماط التوزيع، وهيكل السوق نفسه.
لم يكن الاقتصاد قبل هذا التحول مستقراً. بل كان يعاني أصلاً من تضخم مرتفع، تآكل في الدخول الحقيقية، عجز مزمن في الميزان التجاري، وتراجع حاد في الإنتاج الصناعي والزراعي. غير أن ما جرى بعد التغيير السياسي لم يكن مجرد استمرار للأزمة، بل انتقال إلى طور جديد منها، يمكن وصفه بمرحلة “إعادة التشكل تحت الضغط”.
أولى الإشارات ظهرت في سوق الصرف. فقد شهدت الليرة السورية تقلبات حادة، مع موجات مضاربة مدفوعة بحالة عدم اليقين السياسي، وتغير شبكات النفوذ المالي. سعر الصرف لم يعد مجرد انعكاس لمعادلة العرض والطلب التقليدية، بل أصبح مرآة لتوقعات غير مستقرة، حيث تحوّل الدولار إلى أداة تحوّط جماعي في مواجهة مستقبل غامض. في بيئة كهذه، يتسارع الدولرة الجزئية للاقتصاد، وتفقد العملة المحلية جزءاً إضافياً من دورها كمخزن للقيمة.
في موازاة ذلك، اتخذت السلطة الجديدة مساراً واضحاً نحو تحرير الأسعار. رُفع الدعم عن الخبز تدريجياً، وأعيد تسعير المحروقات وفق كلفة الاستيراد أو شبه كلفة السوق، وارتفعت تعرفة الكهرباء والمواصلات، تحت عنوان تصحيح الاختلالات وتقليص العجز. من الناحية النظرية، يمكن لتصحيح الأسعار أن يكون جزءاً من إصلاح اقتصادي أوسع. لكن في غياب شبكة أمان اجتماعي فاعلة، ومع تدني الدخل الحقيقي، تحوّل التحرير إلى صدمة معيشية مباشرة.
ارتفع التضخم بوتيرة أسرع من نمو الأجور. ومع كل موجة تعديل سعري، كانت سلة الاستهلاك الأساسية تعيد ترتيب نفسها قسرياً. الأسرة التي كانت توزّع دخلها بين الغذاء والطاقة وبعض الإنفاق الخدمي، أصبحت مضطرة إلى تركيز الجزء الأكبر من دخلها على الحد الأدنى من الاحتياجات. في اقتصاد منخفض الدخل، حيث الميل الحدي للاستهلاك مرتفع بطبيعته، يؤدي ذلك إلى انكماش تلقائي في القطاعات غير الأساسية.
لكن الصدمة لم تقتصر على جانب الأسعار. سوق العمل شهد هو الآخر تحولات عميقة. مع إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وتراجع بعض القطاعات شبه العامة، جرى تسريح أعداد من العمالة أو تجميد التوظيف، فيما لم يكن القطاع الخاص قادراً على استيعاب الفائض. البطالة المقنّعة تحوّلت إلى بطالة فعلية في بعض القطاعات، بينما انتقلت شريحة من القوى العاملة إلى الاقتصاد غير الرسمي، أو إلى أنشطة منخفضة الإنتاجية.
في الوقت ذاته، شهد الميزان التجاري تغيراً هيكلياً ملحوظاً. إذا كان العجز سمة ملازمة للاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب، فإن طبيعة هذا العجز تغيّرت. فقد تزايدت الواردات الاستهلاكية، لا سيما السلع الكمالية منخفضة السعر، في مقابل استمرار ضعف الصادرات الصناعية والزراعية. السوق امتلأت بسلع مستوردة رخيصة، في مقدمتها سلع تركية، استفادت من فروقات التكلفة وحجم الإنتاج.
هذا الإغراق لم يكن مجرد ظاهرة تجارية عابرة. بل أحدث تحوّلاً في بنية المنافسة داخل السوق المحلية. المنتجات الوطنية، التي تعاني أصلاً من ارتفاع كلفة الطاقة والتمويل، وجدت نفسها أمام سلع مستوردة أرخص ثمناً وأكثر تنوعاً. ومع تدني دخل المستهلك، لم يعد معيار الجودة هو الحاسم، بل السعر الأدنى. هنا تعمل قاعدة اقتصادية معروفة: حين ينخفض الدخل ويضيق الهامش الشرائي، تطرد السلع الرديئة السلع الجيدة من السوق، لا لأنها أفضل، بل لأنها الأرخص.
النتيجة كانت خروج تدريجي لبعض الصناعات الصغيرة والمتوسطة من دائرة المنافسة. معامل تقلّص إنتاجها، ورش أغلقت أبوابها، وحرفيون فقدوا زبائنهم. في المقابل، لم يتحول الاستيراد إلى استثمار إنتاجي، بل بقي في معظمه استيراداً استهلاكياً. وهكذا، بدلاً من أن يُعاد توجيه الاقتصاد نحو قاعدة إنتاجية جديدة، اتجه نحو اقتصاد استهلاك منخفض الجودة، ممول بتحويلات أو تدفقات قصيرة الأجل.
في ظل هذا المشهد، يتشكل ما يمكن وصفه بحالة ركود تضخمي جزئي: أسعار مرتفعة، نمو ضعيف، واستثمار متردد. رأس المال المحلي يتجنب المخاطرة في بيئة غير مستقرة، ويفضل الأنشطة السريعة الدوران على المشاريع طويلة الأجل. دورة النقود تتباطأ، والثقة تتآكل تدريجياً.
هنا تحديداً يصبح ملف الرواتب أكثر حساسية مما يبدو ظاهرياً. ففي اقتصاد يتراجع فيه الإنتاج المحلي، ويتضخم فيه الاستيراد الاستهلاكي، وتتحرر فيه الأسعار من دون موازاة في الدخل، تصبح كتلة الرواتب العامة أحد الأعمدة القليلة المتبقية التي تحافظ على حد أدنى من الطلب الداخلي. أي اختلال في انتظام هذه الكتلة، أو في قيمتها الحقيقية، لا ينعكس على مستوى المعيشة فقط، بل على بنية السوق نفسها.
إن ما يمر به الاقتصاد السوري في 2025 ليس مجرد أزمة سيولة، ولا مجرد تضخم عابر، بل إعادة تشكيل تحت ضغط سياسي ومالي وتجاري في آن واحد. التغيير السياسي فتح الباب لتحولات سريعة، لكن الاقتصاد، بطبيعته، لا يستجيب بالشعارات، بل بالتوازنات الدقيقة بين الإنتاج والاستهلاك، بين الدخل والسعر، وبين الاستيراد والقدرة التنافسية المحلية.
في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي: هل تسير البلاد نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً واستقراراً على المدى المتوسط، أم نحو نموذج استهلاكي هش، يعتمد على تحرير الأسعار من دون إعادة بناء قاعدة إنتاجية قادرة على امتصاص الصدمة؟
من هذه النقطة يبدأ فهم اختلال دورة الرواتب، والموازنة الاثني عشرية، وأزمة الحباية. فهي ليست ظواهر منفصلة، بل حلقات داخل مشهد أوسع يتشكل منذ 2025، حيث تتقاطع السياسة مع السوق، وتنعكس التحولات السلطوية مباشرة في بنية الطلب الفعّال ودورة رأس المال.
أولاً: الموازنة الاثني عشرية وأزمة الإيرادات… من التخطيط الاستراتيجي إلى إدارة السيولة تحت الضغط
منذ مطلع عام 2025، دخلت المالية العامة في سوريا مرحلة يمكن توصيفها بأنها انتقال من “إدارة موازنة” إلى “إدارة تدفقات نقدية”. فبدلاً من إقرار موازنة سنوية متكاملة تحدد أولويات الإنفاق والاستثمار، استمر العمل وفق قاعدة الاثني عشرية، أي الإنفاق شهرياً بما يعادل 1/12 من اعتمادات سابقة، في ظل غياب رؤية مالية مكتملة للسنة الجديدة.
في السياق الإداري البحت، قد تبدو الموازنة الاثني عشرية إجراءً انتقالياً مشروعاً ريثما تُنجز الحسابات الختامية أو تتضح تقديرات الإيرادات. لكن استمرار العمل بها لفترة ممتدة يعكس إشكالية أعمق: ضعف القدرة على التنبؤ بالإيرادات، وارتفاع منسوب عدم اليقين في البيئة الاقتصادية.
تآكل القاعدة الإيرادية
تشير تقديرات غير رسمية صادرة عن دوائر اقتصادية محلية إلى أن إجمالي الإيرادات العامة الفعلية خلال عام 2024 لم يتجاوز ما يعادل 25–30% من مستويات ما قبل 2011 بالقيمة الحقيقية (بعد احتساب التضخم). يعود ذلك إلى مجموعة عوامل متداخلة:
انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تراكمية تُقدّر بأكثر من 60% منذ بداية الأزمة.
تقلص القاعدة الضريبية المنظمة نتيجة توسع الاقتصاد غير الرسمي، الذي يُعتقد أنه يشكل اليوم ما بين 40–50% من النشاط الاقتصادي.
تراجع أرباح الشركات الصناعية والزراعية بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل.
انخفاض القدرة الشرائية، ما يقلّص حصيلة الضرائب على الدخل والأرباح.
في ظل هذه المعطيات، يصبح تحصيل ضرائب مباشرة تصاعدية أمراً معقداً. فالنظام الضريبي التصاعدي يفترض وجود بيانات مالية شفافة، وقطاع خاص منظم، وإدارة ضريبية قادرة على المتابعة والتدقيق. بينما الواقع الحالي يشير إلى اقتصاد يعمل بجزء كبير منه نقداً، خارج المنظومة المصرفية الرسمية، ما يقلل من فعالية أدوات التحصيل التقليدية.
التحول نحو الضرائب غير المباشرة
أمام هذا التآكل في الإيرادات المباشرة، اتجهت السياسة المالية بشكل متزايد إلى توسيع نطاق الضرائب غير المباشرة. الرسوم على السلع والخدمات، الضرائب الانتقائية، اللصاقات، ورفع الأسعار الإدارية أصبحت أدوات رئيسية لتعويض النقص.
تشير تقديرات متداولة في الأوساط الاقتصادية إلى أن الضرائب والرسوم غير المباشرة باتت تمثل ما يقارب 65–70% من إجمالي الإيرادات الضريبية، مقارنة بنحو 45–50% قبل سنوات. هذا التحول لا يعني بالضرورة خللاً في ذاته، إذ تعتمد العديد من الاقتصادات على ضرائب الاستهلاك. غير أن الإشكالية تكمن في السياق: ارتفاع الضرائب غير المباشرة في اقتصاد منخفض الدخل يضغط مباشرة على الاستهلاك.
فعلى سبيل المثال، أدى تحرير أسعار المحروقات خلال 2024–2025 إلى رفع سعر الليتر عدة أضعاف مقارنة بما كان عليه قبل سنوات قليلة. كما ارتفعت تعرفة الكهرباء والمياه والنقل العام بنسب كبيرة، في محاولة لتقليص الدعم وتخفيف العبء عن الخزينة. هذه الإجراءات ساهمت في تحسين التدفقات النقدية قصيرة الأجل، لكنها في الوقت ذاته رفعت الكلفة المعيشية على الأسر.
وفق تقديرات محلية، تجاوز معدل التضخم السنوي خلال 2024 نسبة 80% في بعض الفترات، بينما لم تتجاوز زيادات الرواتب المعلنة نسباً أقل بكثير. النتيجة كانت تراجعاً في الدخل الحقيقي، ما يعني أن أي ضريبة غير مباشرة إضافية تُقتطع فعلياً من قدرة الأسرة على الاستهلاك.
الموازنة الاثني عشرية كمرآة لعدم اليقين
استمرار العمل بقاعدة 1/12 يعكس هذا الواقع الإيرادي المتقلب. فحين لا تستطيع وزارة المالية تقدير إيراداتها بدقة لسنة كاملة، يصبح من الصعب وضع مخصصات واضحة لبرامج استثمارية أو تحفيزية طويلة الأجل. الأولوية تتحول إلى تأمين الرواتب، وتمويل النفقات الجارية الأساسية، وسداد الالتزامات العاجلة.
هذا النمط من الإدارة المالية يشبه إدارة شركة في وضع دفاعي دائم: الهدف هو البقاء والسيولة، لا التوسع أو إعادة الهيكلة. غير أن الدولة، بخلاف الشركة، تؤثر قراراتها في الاقتصاد بأكمله. فعندما يقتصر الإنفاق العام على البنود الجارية، ويتراجع الإنفاق الاستثماري، تتقلص قدرة الاقتصاد على توليد نمو مستقبلي.
تقديرات بعض الخبراء تشير إلى أن نسبة الإنفاق الاستثماري من إجمالي الإنفاق العام انخفضت إلى أقل من 10–15% في بعض السنوات الأخيرة، مقابل نسب كانت أعلى بكثير قبل الأزمة. هذا يعني أن الجزء الأكبر من الموارد يذهب إلى رواتب ونفقات تشغيلية، لا إلى مشاريع إنتاجية أو بنى تحتية.
أثر ذلك على القطاع الخاص
غياب موازنة سنوية واضحة لا يؤثر على الدولة وحدها. القطاع الخاص يحتاج إلى بيئة قابلة للتوقع. عندما لا تتضح أولويات الإنفاق العام، ولا اتجاهات الضرائب، ولا سياسات الدعم، يصبح الاستثمار أكثر مخاطرة.
المستثمر الذي يفكر في إنشاء معمل أو توسيع نشاطه يحتاج إلى تقدير كلفة الطاقة والضرائب والرسوم لسنة أو أكثر. لكن في بيئة تتغير فيها الأسعار الإدارية بشكل متكرر، ويُدار فيها الإنفاق شهرياً، يفضّل كثيرون تأجيل الاستثمار أو الاكتفاء بأنشطة تجارية سريعة الدوران.
وهنا تظهر مفارقة دقيقة: الدولة تسعى لتعويض نقص الإيرادات عبر الرسوم والضرائب غير المباشرة، لكن هذه السياسة نفسها قد تقلل من النشاط الاقتصادي المنظم الذي يُفترض أن يشكل مصدر الإيرادات على المدى المتوسط.
من إعادة التوزيع إلى الجباية
في المفهوم الكلاسيكي، تؤدي السياسة المالية دوراً مزدوجاً: إدارة الدورة الاقتصادية، وإعادة توزيع الدخل. في فترات الركود، يُفترض أن توسّع الدولة إنفاقها الاستثماري لتحفيز الطلب، وتدعم الفئات الأكثر هشاشة لتجنب انكماش حاد.
غير أن ضيق الموارد، وارتفاع الالتزامات الجارية، يدفعان السياسة المالية إلى التركيز على تحصيل الإيرادات بدلاً من توسيع الإنفاق التحفيزي. هذا التحول لا يعني بالضرورة غياب النية الإصلاحية، بل يعكس محدودية الهامش المتاح.
لكن على المستوى البنيوي، يؤدي الاعتماد المفرط على الجباية غير المباشرة إلى نقل عبء التوازن المالي من الدولة إلى المستهلك. ومع تدني الدخل الحقيقي، يتحول كل تعديل سعري أو رسم جديد إلى اقتطاع مباشر من الطلب الفعّال.
الحلقة الاقتصادية المغلقة
عندما يرتفع العبء الضريبي غير المباشر في اقتصاد يعاني من ركود، يتراجع الاستهلاك. ومع تراجع الاستهلاك، ينخفض حجم المبيعات والإنتاج. انخفاض الإنتاج يقلل من أرباح الشركات، وبالتالي من حصيلة الضرائب المباشرة. هذا التراجع في الإيرادات يدفع إلى مزيد من البحث عن رسوم إضافية، فتتكرر الحلقة.
هذه الحلقة لا تظهر فجأة، بل تتشكل تدريجياً. في البداية، قد تحقق الرسوم الإضافية إيرادات ملموسة. لكن مع مرور الوقت، ومع استمرار تآكل القدرة الشرائية، يتراجع الأثر الصافي.
الحاجة إلى رؤية متكاملة
المسألة، في جوهرها، ليست نقداً لإجراء محدد، بل تساؤلاً حول المسار العام. هل يمكن لإدارة مالية تقوم أساساً على تعويض النقص عبر الضرائب غير المباشرة أن تؤسس لاستقرار طويل الأجل؟ أم أن الاستقرار يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية أولاً، حتى لو تطلب ذلك تحمّل عجز أعلى مؤقتاً في سبيل تحفيز النمو؟
التحول السياسي الذي شهدته البلاد في 2025 فتح باب إعادة هيكلة مؤسسات الدولة. وربما يكون ملف المالية العامة أحد أهم هذه الملفات. فإعادة بناء الثقة لا ترتبط فقط بالاستقرار الأمني، بل أيضاً بوضوح الرؤية الاقتصادية.
إن الانتقال من إدارة السيولة إلى إدارة تنموية يتطلب:
موازنة سنوية شفافة ومعلنة بوضوح.
إعادة توازن بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة.
توجيه نسبة أعلى من الإنفاق نحو الاستثمار الإنتاجي.
بناء قاعدة بيانات ضريبية حديثة تقلل من الاعتماد على الرسوم الاستهلاكية.
في ظل المعطيات الحالية، تبدو المالية العامة في وضع دفاعي مفهوم، لكنه غير قابل للاستدامة على المدى الطويل. فاقتصاد يعتمد على استهلاك مضغوط، وضرائب غير مباشرة مرتفعة، وإنفاق استثماري محدود، يواجه صعوبة في توليد ديناميكية نمو ذاتية.
من هنا، فإن فهم اختلال دورة الرواتب وأثرها في الطلب الفعّال لا ينفصل عن فهم بنية الموازنة نفسها. فحين تُدار الموازنة كآلية لسد الفجوات الشهرية، يصبح الراتب بنداً يجب تأمينه، لا أداة تحفيز اقتصادي. وحين تُحصّل الإيرادات أساساً من الاستهلاك، يصبح المستهلك هو المموّل الأول للعجز.
المعادلة الدقيقة التي تواجهها المالية العامة اليوم ليست سهلة: تحقيق توازن بين الانضباط المالي والحفاظ على الطلب الداخلي. لكن تجاهل أثر الجباية على الطلب قد يؤدي إلى إضعاف القاعدة التي تستند إليها الإيرادات نفسها.
وهنا تحديداً تتقاطع الموازنة الاثني عشرية مع دورة الرواتب ودورة رأس المال. فالسياسة المالية ليست مجرد أرقام في جداول، بل شبكة تأثير تمتد من الخزينة إلى السوق، ومن السوق إلى الأسرة، ثم تعود مجدداً إلى الخزينة في صورة ضرائب وإيرادات. وإذا اختل أحد أطراف هذه الشبكة، فإن بقية الأطراف لا تبقى بمنأى عن الأثر.
ثانياً: اختلال دورة الرواتب وتحرير الأسعار… كيف يتآكل الطلب الداخلي بصمت
الراتب في أي اقتصاد هش ليس مجرد دخل فردي. هو عنصر استقرار. وحين يفقد هذا الراتب قدرته الشرائية، لا يتضرر الموظف وحده. تتباطأ السوق كلها.
خلال عامي 2024 و2025 أُقرت زيادات اسمية على رواتب القطاع العام. بعض الزيادات تجاوزت 100% مقارنة بمستويات سابقة. لكن هذه الأرقام الاسمية لا تعكس الصورة كاملة. فالتضخم التراكمي خلال الفترة نفسها كان مرتفعاً. تقديرات محلية تضع معدل التضخم السنوي في بعض الأشهر عند حدود 70 إلى 90 بالمئة. وفي ظل هذا المستوى من الأسعار، تتآكل أي زيادة نقدية بسرعة.
إذا افترضنا أن متوسط راتب موظف في القطاع العام أصبح في حدود 600 إلى 800 ألف ليرة سورية بعد الزيادات، فإن كلفة المعيشة الأساسية لأسرة صغيرة تجاوزت عدة ملايين شهرياً وفق تقديرات معيشية متداولة. الفرق بين الدخل والإنفاق لا يُغطى بالادخار، بل غالباً بالتحويلات أو العمل الإضافي أو تقليص الاستهلاك، هنا يبدأ الخلل.
تحرير الأسعار وصدمة الكلفة
سياسة تحرير أسعار الطاقة كانت نقطة مفصلية.
سعر ليتر البنزين والمازوت ارتفع عدة مرات خلال السنوات الأخيرة. الكهرباء انتقلت تدريجياً إلى تعرفة أعلى، خاصة للاستهلاك المنزلي والصناعي خارج الشريحة المدعومة. أسطوانة الغاز المنزلي قفز سعرها إلى أضعاف ما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
هذه القرارات لها منطق مالي واضح. تقليص الدعم يخفف الضغط عن الخزينة. لكن الأثر لا يقف عند بند واحد. ارتفاع سعر المحروقات ينعكس مباشرة على النقل، والزراعة، والصناعة، وأسعار الغذاء.
على سبيل المثال، أي زيادة في سعر المازوت ترفع كلفة نقل الخضار من الريف إلى المدينة. التاجر ينقل الكلفة إلى المستهلك. والمستهلك يقتطعها من بند آخر في إنفاقه. هكذا تنتقل الزيادة عبر سلسلة كاملة.
تشير تقديرات اقتصادية محلية إلى أن بند الطاقة والنقل بات يشكل نسبة متزايدة من إنفاق الأسرة. في بعض الحالات يقترب من 25 إلى 30 بالمئة من الدخل الشهري. هذا يعني أن أي ارتفاع جديد في هذا البند يضغط مباشرة على استهلاك الغذاء أو التعليم أو الصحة.
الراتب بين الاسمية والحقيقية
المشكلة لا تكمن في غياب الزيادات، بل في الفجوة بين الراتب الاسمي والراتب الحقيقي.
الراتب الاسمي ارتفع. لكن الأسعار ارتفعت بوتيرة أعلى. النتيجة أن القدرة الشرائية الفعلية بقيت منخفضة.
حين كان متوسط الراتب قبل سنوات يغطي نسبة أكبر من سلة الاستهلاك الأساسية، كان الطلب الداخلي أكثر استقراراً. اليوم، الجزء الأكبر من الراتب يذهب للسلع الضرورية فقط. الطلب على السلع غير الأساسية تراجع بوضوح.
يمكن ملاحظة ذلك في السوق. حركة البيع ترتفع في الأيام الأولى بعد صرف الرواتب. ثم تنخفض تدريجياً. بعض التجار يتحدثون عن “موسم رواتب” قصير، لا دورة شهرية مستقرة. هذا النمط لا يسمح بتخطيط إنتاج طويل الأجل.
الطلب المتقطع لا يشجع الاستثمار. المصنع يحتاج استهلاكاً منتظماً، لا موجات قصيرة. التاجر يحتاج سيولة مستمرة، لا ذروة مؤقتة.
الأثر على القطاع الخاص
ضعف الطلب لا يبقى في إطار الاستهلاك الفردي.
حين تنخفض المبيعات، تتراجع أرباح المنشآت. وعندما تتراجع الأرباح، يتردد صاحب العمل في رفع الأجور أو توسيع النشاط.
بعض التقديرات تشير إلى أن جزءاً كبيراً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة يعمل بأقل من نصف طاقته الإنتاجية. السبب ليس نقص القدرة التقنية، بل محدودية السوق. وفي ظل تكاليف طاقة مرتفعة، يصبح التوسع مخاطرة.
بهذا المعنى، تحرير الأسعار دون نمو موازٍ في الدخل الحقيقي يخلق فجوة. الكلفة ترتفع بسرعة. أما الطلب فيتحرك ببطء.
العلاقة بين الجباية والطلب
هناك مفارقة هادئة هنا.
الدولة تعتمد بدرجة متزايدة على الضرائب والرسوم غير المباشرة. وهذه الضرائب مرتبطة بحجم الاستهلاك. كلما زاد الاستهلاك زادت الإيرادات. لكن حين يُضغط الاستهلاك بسبب ارتفاع الأسعار وضعف الرواتب، يتراجع هذا المصدر تدريجياً.
قد تحقق زيادة الرسوم إيراداً فورياً. لكن إذا أدت إلى تراجع حجم المبيعات، فإن الأثر الصافي يصبح أقل مما يبدو في البداية. الاقتصاد لا يتحرك بالقرارات المنفردة، بل بالتوازن بين الدخل والكلفة.
الطلب الداخلي كركيزة تعافٍ
في اقتصاد تقلصت صادراته وتراجع فيه الاستثمار الخارجي، يبقى الطلب المحلي هو المحرك الأساسي.
إذا كان هذا الطلب ضعيفاً، يصبح التعافي أبطأ، التجارب الاقتصادية تشير إلى أن رفع الدخل الحقيقي يخلق دورة إيجابية. زيادة الدخل تعني زيادة الاستهلاك. زيادة الاستهلاك تحفز الإنتاج. ارتفاع الإنتاج يوسع القاعدة الضريبية. لكن هذه الدورة تحتاج نقطة انطلاق. اليوم، تبدو هذه النقطة غير واضحة تماماً.
الزيادات الاسمية موجودة. لكن التضخم يسبقها. تحرير الأسعار يخفف عبء الدعم عن الدولة، لكنه ينقل العبء إلى الأسرة. والأسرة، في ظل دخل محدود، تقلص إنفاقها.
أثر الثقة والسلوك الاستهلاكي
العامل النفسي لا يقل أهمية.
عندما تتكرر زيادات الأسعار، تميل الأسر إلى الحذر. أي دخل إضافي يُوجه لسداد التزامات سابقة أو لتخزين سلع أساسية، لا لشراء سلع معمرة أو استثمارات صغيرة.
هذا السلوك مفهوم. لكنه يقلل من الطلب طويل الأجل. السوق تتحول إلى سوق احتياجات فورية، لا سوق توسع.
كما أن غياب رؤية واضحة لمسار الأسعار خلال سنة كاملة يزيد هذا الحذر. التوقعات غير المستقرة تجعل المستهلك يميل إلى الانكماش، لا إلى المبادرة.
بين الاستقرار النقدي وتحفيز النمو
السياسة النقدية تسعى غالباً إلى ضبط الكتلة النقدية للحد من التضخم. وهذا هدف مشروع. لكن حين يقترن ذلك بأجور حقيقية منخفضة، يصبح التوازن دقيقاً.
رفع الأجور دون زيادة الإنتاج قد يضغط على الأسعار، لكن إبقاء الأجور منخفضة يضغط على الطلب.
المعادلة تحتاج معالجة من جانب العرض أيضاً. دعم مدخلات الإنتاج، تخفيض بعض الرسوم على الصناعات الصغيرة، أو تحسين بيئة التمويل قد يخلق هامشاً يسمح بزيادة دخل حقيقي دون انفلات تضخمي.
المشكلة ليست في قرار واحد. بل في ترابط القرارات. (أثر اختلال الدورة على رأس المال)
رأس المال يبحث عن سوق نشطة.
حين يرى أن الطلب محدود، يتجه إلى أنشطة قصيرة الأجل. تجارة سريعة، هوامش محدودة، مخاطر أقل. أما الاستثمار الصناعي أو الزراعي طويل الأجل فيتراجع.
هذا السلوك عقلاني من زاوية المستثمر. لكنه يبطئ الاقتصاد ككل. ومع بطء الاستثمار، تبقى فرص العمل محدودة. وتبقى الرواتب تحت الضغط. فتستمر الحلقة.
قراءة هادئة للمسار
لا يمكن إنكار أن المالية العامة تعمل ضمن هامش ضيق. الموارد محدودة. والضغوط كبيرة. لكن السؤال المطروح بهدوء: هل يكفي ضبط الدعم ورفع الأسعار لإعادة التوازن؟ أم أن حماية القدرة الشرائية يجب أن تكون جزءاً من المعادلة؟
الدخل الحقيقي هو صمام أمان السوق.
إذا استمر تآكله، سيبقى الطلب ضعيفاً. وإذا بقي الطلب ضعيفاً، لن تنطلق دورة استثمار قوية.
ربما يكون من المفيد التفكير في سياسات أكثر توازناً.
ليس بالضرورة عبر دعم شامل مكلف، بل عبر إجراءات تستهدف تخفيف الكلفة عن حلقات الإنتاج، أو إعادة هيكلة بعض الرسوم بحيث لا تُحمّل السلع الأساسية عبئاً مضاعفاً.
كما أن انتظام الرواتب في مواعيد دقيقة، وربما توزيعها بطريقة تقلل من الذروة والانكماش الشهري، قد يخفف من تقلبات السوق.
باختصار يمكننا القول أن: اختلال دورة الرواتب اليوم ليس مسألة اجتماعية فقط هو مؤشر على توازن اقتصادي دقيق كما أن تحرير الأسعار وإن خفف عبئاً عن الخزينة. لكنه رفع الكلفة على الأسرة.
الزيادات الاسمية حسّنت الأرقام. لكنها لم تُعد القدرة الشرائية بالكامل أضف لذلك أن الطلب الداخلي يتحرك، لكنه يتحرك بحذر. المؤكد أن المعادلة تحتاج إعادة ضبط. ليس عبر خطاب حاد، بل عبر قراءة واقعية للأرقام، فالاقتصاد لا يستعيد عافيته بقرار واحد. بل بتناسق بين الدخل والكلفة والإنتاج، وحين يعود الراتب ليغطي أكثر من الضروري فقط، ستعود السوق لتتنفس بصورة طبيعية، أما إذا بقي عند حد الكفاف، فستظل الدورة تدور ببطء، مهما تغيرت العناوين.
ثالثاً: تباطؤ رأس المال وتغيّر بنية السوق… بين فقدان الثقة وتحول الأولويات
إذا كان الراتب هو محرك الطلب، فإن رأس المال هو محرك العرض. وحين يتباطأ أحدهما، يتأثر الآخر. وبالتالي فإن الاقتصاد السوري في 2025 لا يواجه أزمة سيولة فقط، بل أزمة ثقة.
الثقة هنا لا تعني الشعور العام، بل القدرة على اتخاذ قرار استثماري طويل الأجل. المستثمر لا ينظر إلى سعر اليوم فقط، بل إلى اتجاه السنة المقبلة. وحين تكون الإشارات متقلبة، يميل القرار إلى الحذر.
الاستثمار عند الحد الأدنى
تشير تقديرات متداولة إلى أن حجم الاستثمار الخاص ما زال دون 20% من مستواه قبل 2011 بالقيمة الحقيقية. الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي الحالي يتركز في التجارة والخدمات ذات الدوران السريع، لا في الصناعة أو الزراعة الثقيلة وهذا التحول ليس عرضياً.
ارتفاع تكاليف الطاقة، تقلب سعر الصرف، وصعوبة الوصول إلى تمويل طويل الأجل، كلها عوامل تدفع رأس المال نحو أنشطة أقل مخاطرة، وفي بيئة كهذه، يصبح من الأسهل استيراد سلعة جاهزة وبيعها، بدلاً من إنتاجها محلياً. والنتيجة تظهر في بنية السوق.
اختلال الميزان التجاري وتغيّر هيكليته
العجز في الميزان التجاري ليس جديداً، لكنه اتخذ شكلاً مختلفاً في السنوات الأخيرة، فالصادرات ما تزال محدودة، بينما الواردات، خاصة من السلع الاستهلاكية، ارتفعت نسبياً.
الأسواق امتلأت بسلع مستوردة منخفضة السعر، خاصة من تركيا. هذه السلع تنافس المنتج المحلي في السعر، لكنها تضغط على هامش ربحه. ومع تدني القوة الشرائية، يميل المستهلك إلى الأرخص، حتى لو كان أقل جودة.
هنا تظهر قاعدة اقتصادية معروفة: عندما ينخفض متوسط الدخل، تتوسع حصة السلع الرديئة أو منخفضة الجودة في السوق. ليس لأنها أفضل، بل لأنها أرخص. ومع الوقت، تخرج بعض السلع المحلية الأعلى جودة من المنافسة.
هذا التحول لا يعني فقط تغيراً في ذوق المستهلك، هو مؤشر على تراجع القدرة الإنتاجية المحلية. فإذا كان المصنع المحلي لا يستطيع مجاراة سعر السلعة المستوردة بسبب كلفة الطاقة أو الرسوم أو التمويل، فإنه يقلص إنتاجه أو يغلق أبوابه. ومع كل إغلاق، تُفقد فرصة عمل، ويتراجع دخل أسرة أخرى. فتضعف القدرة الشرائية أكثر. وتتكرر الحلقة.
سعر الصرف كعامل حاسم
سعر الصرف في 2025 ما زال متقلباً. حتى مع محاولات ضبطه، يبقى الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق عاملاً مؤثراً. هذا التقلب يزيد كلفة الاستيراد، ويجعل حسابات الإنتاج المحلي أكثر تعقيداً.
عندما لا يعرف الصناعي تكلفة استيراد مادته الأولية بعد ثلاثة أشهر، يتردد في توقيع عقود طويلة. وعندما لا يعرف التاجر اتجاه السعر، يضيف هامش أمان أعلى. هذا الهامش يتحمله المستهلك في النهاية. الأكيد أن الاستقرار النقدي شرط أساسي لتحفيز الاستثمار ولكن الاستقرار لا يُقاس فقط بثبات الرقم، بل بثبات التوقعات.
تسريح العمالة وتآكل المهارات
الركود لا يظهر فقط في الأرقام، بل في سوق العمل. نظرة شاملة على السوق نرى أن بعض المنشآت خفضت عدد عمالها لتقليل التكاليف. أخرى تحولت إلى تشغيل جزئي. وهناك من يعمل دون تسجيل رسمي لتجنب الرسوم.
من البديهي أن تسريح العمالة لا يعني فقط فقدان دخل، يعني أيضاً فقدان مهارة. ومع خروج الكفاءات إلى الخارج بحثاً عن فرص أفضل، يتقلص رأس المال البشري. وهذا عنصر لا يُعوَّض بسهولة.
الاقتصاد الذي يفقد عمالته الماهرة يحتاج سنوات لاستعادتها. وإذا لم تُخلق بيئة جاذبة، سيبقى النزيف مستمراً.
الركود البطيء لا الصدمة المفاجئة
الاقتصاد لا ينهار دائماً بصوت عالٍ، أحياناً يتباطأ بصمت. الركود الحالي لا يشبه أزمة مفاجئة، هو حالة بطء مستمر؛ نمو محدود؛ استثمار حذر؛ استهلاك عند الضرورة.
هذا النوع من الركود أخطر على المدى الطويل. لأنه يتحول تدريجياً إلى وضع طبيعي. يتأقلم الجميع مع مستوى منخفض من النشاط. وتصبح الطموحات أقل.
في ظل هذا المناخ، قد تبدو القرارات قصيرة الأجل منطقية. ضبط نفقات. زيادة رسوم. تحرير أسعار. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يكفي ذلك لإعادة تحريك الدورة؟
التحول السياسي والرهان الاقتصادي
سقوط النظام السابق ووصول سلطة جديدة فتح صفحة مختلفة سياسياً، لكن الاقتصاد لا يتغير تلقائياً بتغير العناوين، يحتاج مساراً واضحاً. الرهان اليوم ليس فقط على الاستقرار الأمني، بل على استعادة الثقة الاقتصادية. المستثمر المحلي ينتظر إشارات. والمستثمر الخارجي يراقب البيئة القانونية والضريبية والنقدية.
إذا بقيت الرسالة الأساسية هي إدارة أزمة، فسيبقى رأس المال في وضع دفاعي، أما إذا ظهرت رؤية تنموية واضحة، فقد تتغير الحسابات.
ما الذي يحتاج مراجعة؟
لا أحد ينكر صعوبة المرحلة. الموارد محدودة. والضغوط كبيرة، لكن من المشروع طرح أسئلة هادئة:
هل يمكن إعادة توازن هيكل الرسوم بحيث لا تتحمل السلع الإنتاجية عبئاً مضاعفاً؟
هل يمكن حماية بعض الصناعات المحلية مرحلياً إلى أن تستعيد قدرتها التنافسية؟
هل يمكن ربط سياسات الأجور بتحفيز الإنتاج بدلاً من الاكتفاء بضبطها؟
هذه الأسئلة لا تعني رفضاً للمسار الحالي بالكامل، بل تعني أن الاستمرار في منطق الدفاع قد لا يكفي للانتقال إلى التعافي.
الرسالة الأهم
الاقتصاد يقوم على ثلاث ركائز: الثقة، الإنتاج، والطلب. فالثقة تشجع الاستثمار؛ الإنتاج يخلق الدخل؛ والدخل يغذي الطلب. واليوم في الاقتصاد السوري، هذه الركائز الثلاث ضعيفة نسبياً: للأسف: الثقة حذرة؛ الإنتاج محدود؛ والطلب مضغوط.
إذا لم يُعاد تقوية هذه الحلقة، قد يستمر التباطؤ سنوات أخرى، والتباطؤ الطويل يُكلف أكثر من الصدمة القصيرة.
ليس المطلوب قفزة غير محسوبة، بل إعادة ترتيب الأولويات بحيث يصبح تحفيز الإنتاج وحماية الدخل جزءاً أساسياً من السياسة، لا نتيجة جانبية.
الاقتصاد السوري ما زال يمتلك طاقات كامنة، لكن هذه الطاقات تحتاج بيئة تشجعها على البقاء والاستثمار، لا الاكتفاء بالحد الأدنى. وإذا كان عام 2025 يمثل بداية مرحلة سياسية مختلفة، فإن نجاحها سيُقاس بقدرتها على تحويل هذا التباطؤ إلى مسار نمو تدريجي. أما إذا بقيت الدورة تدور ببطء، فستبقى الأسئلة معلقة، مهما تغيرت العناوين.
ليفانت: د. علي مطيع عيسى
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

