-
التهديدات النووية والقمع الداخلي: قراءة استراتيجية لأزمة النظام الإيراني
-
أزمة شرعية بنيوية وسياسات بديلة فاشلة
في خضم تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، يواجه النظام الإيراني أزمة شرعية وجودية تتعمّق يومًا بعد يوم. تكشف التطورات الأخيرة عن استراتيجية مزدوجة اختارها النظام للعودة إلى محور الصراع: الابتزاز النووي على الساحة الدولية وتكثيف الإرهاب الداخلي ضد مواطنيه. هذا التوجه لا يمثل فقط رد فعل على الضغوط، بل يعكس انعدام رؤية استراتيجية حقيقية لدى النظام، الذي بات عاجزًا عن تقديم أي بديل إصلاحي أو سياسات تنمية اقتصادية مستقرة.
سياسات طهران الأخيرة تؤكد ضغطًا متزايدًا من انهيار الدعم الشعبي، وفقدان الثقة في القدرة على الاستجابة لمطالب الاحتجاجات الاجتماعية، التي بلغت ذروتها بعد قمع انتفاضة يناير 2026. وأمام هذه الخلفية، سعى النظام للاستفادة من الملف النووي كأداة ضغط تفاوضي، في حين فشل في معالجة الركود الاقتصادي والبطالة المتفشية.
الابتزاز النووي كتكتيك استراتيجي يائِ
في محاولة واضحة لزج المجتمع الدولي في دائرة التوتر، أُعيد تقديم مشروع قانون في البرلمان لانسحاب إيران من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) تحت ذريعة حماية "الحقوق النووية". يدعو هذا المشروع، الذي يدعمه النائب مالك شريعتي، إلى التخلص الكامل من الالتزامات الدولية المتعلقة بالملف النووي وتحويل الانتباه إلى تحالفات مع منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس. لكن هذا التحول ليس أكثر من مناورة سياسية لتأخير العقوبات أو الحصول على تنازلات من القوى الكبرى.
اللافت أن البرلمان الذي طرح هذا المشروع ظل صوريًا منذ بدء الضربات العسكرية في 28 فبراير 2026، ولم يعقد جلسة فعلية بفعل ما يُسوَّق له كـ ذريعة حرب. هذا يؤكد أن القرار السياسي في إيران لا يصدر عن مؤسسة تشريعية مستقلة، بل يخضع لإملاءات عليا في هياكل السلطة الأمنية.
وقد استخدمت وسائل الإعلام الحكومية، مثل وكالة تسنيم للأنباء، روايات مفادها أن عضوية المعاهدة تمثل "بابًا للتجسس على إيران"، بينما ينفي المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أي نية لامتلاك سلاح نووي، تاركًا وراءه تناقضات واضحة في الخطاب الرسمي. هذا النمط من الدبلوماسية الاستعراضية كان دائمًا جزءًا من استراتيجية النظام في الضغط للتخفيف من العقوبات، لكنه اليوم يتكشف كأداة ابتزازية فارغة في مواجهة تحالفات ومعادلات دولية أكثر تعقيدًا.
تهديدات خارجية مقابل واقع داخلي متدهور
على الرغم من الضجيج المحيط بالملف النووي، تظل المعادلة الداخلية أكثر خطورة بالنسبة لطهران. فبينما تُستنزف موارد البلاد في سباق مع الزمن لإعادة صياغة موقعها النووي، يعيش الإيرانيون واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا قاسياً. اختار النظام الاستثمار في أجهزة الطرد المركزي بدل البنية التحتية الحيوية والرعاية الصحية، مما أدى إلى تدهور شبه كامل في مستوى المعيشة ودفع المجتمع نحو حافة الاستياء.
هذا الاستياء تجسّد بوضوح في الحراك الشعبي بعد يناير 2026، الذي قابلته السلطات بقمع غير مسبوق يتضمن اعتقالات جماعية، وتنفيذ أحكام الإعدام، ومداهمات عشوائية دون أوامر قضائية. وقد طال هذا القمع فئات متنوعة من المجتمع: من ناشطين في التعليم استخدموا تطبيقات VPN، إلى مواطنين في سقز لمجرد امتلاك معدات اتصال حديثة، وصولاً إلى أفراد من الأقلية البهائية في شيراز. إن هذه السياسة القمعية لا تسهم في ترميم الشرعية المفقودة، بل تعمّق الانقسام بين الدولة والمجتمع.
التكلفة البشرية والسياسية ليأس النظام
تترجم سياسات النظام ثمنًا بشريًا وماديًا باهظًا، وقد تجسّد ذلك في مقتل طفل يبلغ 11 عامًا في غارة بطائرة مسيرة بالقرب من طهران. وغالبًا ما يعزو النظام هذه الأحداث إلى ما يسميه "أعداء خارجيين"، في محاولة لتحويل الفشل الداخلي إلى سردية مقاومة. لكن هذه الرواية لا تقنع جمهورًا يعاني من واقع اقتصادي متدهور ويشهد تصاعدًا في منسوب العنف داخل المجتمع.
سياسات تعزيز صفوف شبه عسكرية بين الشباب في محاولة لتعويض الفاقد في نفوذ الأجهزة الأمنية تشير إلى نقص حقيقي في الموارد البشرية والسياسية. وفي الوقت الذي يكافح فيه النظام للحفاظ على قبضته، يزداد عزلة على الساحة الدولية، ويبدو أكثر ضعفًا في مواجهة التحديات المتشابكة.
الخاتمة: من الانهيار إلى التغيير
يُظهر المشهد الراهن أن النظام الإيراني فشل في إنتاج أي استراتيجية ناجعة للخروج من أزماته المتعددة. من الابتزاز النووي إلى قمع المجتمع، كل مؤشر يعكس عجزًا متصاعدًا في السياسات، وعدم توافق مع التحولات الدولية. إن الاستجابة المستدامة لا تكمن في مزيد من تصعيد التهديدات، بل في دعم التحول الديمقراطي الذي يعبر عنه الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
في نهاية المطاف، يتحتم على المجتمع الدولي، وفي مقدمتهم القوى الديمقراطية، أن يعيد توجيه تركيزه من سياسات الاسترضاء والحرب إلى دعم بدائل سياسية مدنية تضمن انتقالًا سلسًا نحو مستقبل أكثر حرية واستقرارًا للشعب الإيراني.
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

