-
الجامعات الإيرانية في مواجهة الدولة الأمنية: تصاعد الاحتجاج وتآكل شرعية النظام
-
الحرم الجامعي كساحة صراع سياسي مفتوح
لليوم الخامس على التوالي، تتواصل انتفاضة الجامعات الإيرانية رغم القبضة الأمنية المشددة التي فرضها نظام ولاية الفقيه. ما يجري لم يعد مجرد احتجاجات مطلبية مرتبطة بنمط التعليم أو الإجراءات الإدارية، بل تحوّل إلى مواجهة سياسية مباشرة بين جيل شاب فقد ثقته بمؤسسات الدولة، ونظام يسعى إلى إعادة ضبط المجال العام عبر أدوات الردع والإغلاق.
التحركات التي شهدتها جامعات عدة، من بينها جامعة خوارزمي في طهران، وجامعة فردوسي في مشهد، وجامعة شيراز، وجامعة الفنون، تعكس اتساع رقعة الاحتجاجات وتزايد جرأتها الرمزية والسياسية. هذه التطورات، وفق ما نشرته المواقع بالفارسية والعربية، تشير إلى أن الجامعة تحولت مجدداً إلى بؤرة اشتباك استراتيجي مع النظام، كما حدث في محطات مفصلية سابقة من تاريخ إيران الحديث.
رمزية الشعارات وتحول الخطاب
في جامعة خوارزمي، لم يكن الاعتصام الرافض لتحويل الدراسة إلى النظام الافتراضي مجرد اعتراض إداري. الهتافات مثل "حرية، حرية، حرية" و"قسماً بدماء الرفاق" تحمل دلالات سياسية واضحة، خصوصاً مع إحياء ذكرى ساغر سيفاللهي، إحدى شهيدات الانتفاضة. هنا يتداخل البعد التعليمي مع الذاكرة الثورية، بما يعزز السردية القائلة إن النظام يحاول استخدام "التعليم الافتراضي" كأداة لتفكيك الحشد ومنع التفاعل الجماعي داخل الحرم الجامعي.
وفي جامعة فردوسي في مشهد، جاء ترديد نشيد "يا إيران" كرسالة تتجاوز المطالب اليومية، ليؤكد تصاعد الخطاب الوطني المناهض للاستبداد. أما في جامعة الفنون، فقد ارتفعت شعارات مثل "الموت للديكتاتور" و"يجب إطلاق سراح السجين السياسي"، بما يعكس انتقال الحركة من الاحتجاج الدفاعي إلى المطالبة الصريحة بتغيير سياسي.
هذا التحول في الخطاب ينسجم مع ما تؤكد عليه السيدة مريم رجوي في بياناتها الأخيرة، حيث تعتبر أن الحركة الطلابية تمثل "رافعة استراتيجية" في مشروع إسقاط النظام وإقامة جمهورية ديمقراطية.
استراتيجية النظام: الردع بدل الاحتواء
في المقابل، لجأ النظام إلى تكثيف أدواته الأمنية: إغلاق بوابات الجامعات، ونشر قوات في محيطها، واستدعاء ما لا يقل عن 180 طالباً إلى لجان تأديبية، ومنع أكثر من 60 آخرين من دخول الحرم الجامعي بقرارات شفوية. هذه الإجراءات تعكس عقيدة أمنية تقليدية ترى في القمع وسيلة أولى وأخيرة لإدارة الأزمات.
لكن من منظور استراتيجي، يكشف هذا السلوك عن محدودية أدوات النظام. فاللجوء إلى التعليم الافتراضي، ومنع الدخول، والاستدعاءات الجماعية، هي محاولات لقطع شبكات التنسيق بين الجامعات. غير أن انتشار الاحتجاجات في أكثر من مدينة يوحي بأن الحركة الطلابية باتت أكثر ترابطاً وأقل قابلية للاحتواء.
تحذير طلاب خوارزمي بأن "تحويل الدراسة إلى افتراضية سيجعل شعاراتنا أكثر حدّة" يعكس إدراكاً بأن المواجهة لم تعد تقنية، بل سياسية بامتياز. النظام، بمحاولته إغلاق الفضاء المادي، قد يكون في الواقع يدفع الحركة نحو تصعيد رمزي وتنظيمي أوسع.
تآكل الشرعية ومأزق النظام البنيوي
ما يميز هذه الموجة أنها تأتي في سياق أزمة شرعية ممتدة. فبعد سنوات من العقوبات، والتدهور الاقتصادي، والاحتجاجات المتكررة، يواجه نظام الملالي تراكماً في بؤر السخط الاجتماعي. الجامعات، بوصفها فضاءً لإنتاج النخب، تشكل مؤشراً مبكراً على تحولات أعمق في المزاج العام.
الرهان الأمني قد ينجح تكتيكياً في تفكيك تجمع هنا أو اعتقال ناشط هناك، لكنه يعجز عن معالجة الجذور: فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، وغياب قنوات المشاركة السياسية الحقيقية، واستمرار نهج الحكم القائم على الإقصاء العقائدي.
في هذا السياق، تبدو الجامعات الإيرانية اليوم مختبراً مبكراً لما قد يتحول إلى موجة احتجاج أوسع، خصوصاً إذا فشل النظام في احتواء الأزمة اقتصادياً وسياسياً.
خلاصة استراتيجية: من الحرم إلى الشارع؟
المشهد الراهن يوحي بأن النظام يقف أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما تصعيد القمع بما يفاقم الغضب ويغذي السردية المعارضة، أو تقديم تنازلات محدودة قد تُفسَّر كعلامة ضعف. حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن القيادة اختارت المسار الأول.
غير أن التاريخ السياسي لإيران يُظهر أن الجامعة كانت دائماً نقطة الانطلاق للتحولات الكبرى. ومع استمرار الاحتجاجات لليوم الخامس رغم الإغلاقات والاستدعاءات، يتضح أن الخوف لم يعد الأداة الفعّالة التي كان عليها سابقاً.
الانتفاضة الطلابية الجارية ليست حدثاً عابراً، بل مؤشر على مرحلة جديدة من الاشتباك بين جيل شاب يطالب بالحرية ونظام يتمسك بسلطة متآكلة. والسؤال المفتوح لم يعد ما إذا كانت الجامعات ستستمر في الاحتجاج، بل ما إذا كان هذا الزخم سيتحول إلى حراك وطني أوسع يعيد رسم معادلة القوة داخل إيران.
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

