-
الكورد والثورة السورية تحذير من تكرار الخطيئة الإيرانية

في عام 1980، وفي ختام كرّاسي التحليلي (الكورد وثورة الخميني)، دوّنتُ بحروف الغضب والخذلان، عن كيف سُحقت اليد الكوردية الممدودة إلى الجمهورية الإسلامية الوليدة، لا بخطاب فكري، بل بسيفٍ مشرّع باسم الدين. واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، يعود ذات المشهد – لكن على مسرحٍ سوري – بوجوهٍ مختلفة، وشعارات متغيرة، وأدوات شبيهة.
يا حكومة أحمد الشرع الانتقالية، ليس من الحكمة أن تقرأوا الثورة الإيرانية كما تُقرأ القصص السياسية العابرة، ولا نموذج حكومة أردوغان الإسلامية العنصرية، بل كما تُقرأ الكوارث التاريخية التي تحوّلت إلى دروس دامغة في كيفية تدمير وحدة الدول من الداخل، حين تستبدل العدالة السياسية بعقيدةٍ مغلقة، والدستور بالفتوى.
لقد اعتمد الخميني في بناء دولته الجديدة على الإسلام السياسي الشيعي المؤدلج، فحوّل الثورة الشعبية إلى نظام شمولي ديني، وقام بتأطير الدولة ضمن مفاهيم “الولي الفقيه” والحاكمية الإلهية، حيث يُلغى التعدد، ويُعاد تعريف المواطن وفق انتمائه المذهبي وولائه للمركز. فهل ما نشهده اليوم من خطاب ديني سلطوي سني، تسعى حكومة الشرع لتثبيته، هو إلا انعكاس معكوس لنفس التجربة الإيرانية؟ نفس الأدوات، نفس الأهداف، ونفس الكارثة المحتومة.
فرانز فانون، في نقده العميق لما بعد الاستعمار، حذّر من لحظة يتحول فيها التحرر الوطني إلى أداة للهيمنة الداخلية قائلاً:
"تتحوّل الثورة إلى قناع آخر للسلطة، حين يحتكرها طيف واحد، ويُقصى الآخرون باسم الانتماء الصحيح.
وهذا بالضبط ما حدث في طهران، وما يخشى أن يتكرر في دمشق الجديدة: الاحتكام إلى شرعية دينية ضيقة، لتبرير الهيمنة، وإقصاء الكورد، والعلويين، والدروز، والمكونات السورية الأخرى، بزعم حماية وحدة البلاد.
لكن، أية وحدة هذه التي تُبنى على أنقاض التنوع؟ وأي وطن يُبنى على مبدأ أن الشعب الكوردي مجرد قضية أمنية، لا قومية ذات حقوق تاريخية؟
الدكتور عبد الرحمن قاسملو قالها بوضوح في وجه الخميني:
"لسنا أقلية دينية نبحث عن فتوى، بل شعب يبحث عن اعتراف."
ولعلها نفس الرسالة التي يوجهها الكورد في سوريا اليوم.
إن الشعب الكوردي في سوريا ليس طارئًا ولا مستوردًا، بل هو الورقة التي كُتبت بها جغرافية هذا الوطن قبل أن تُرسم خرائطه. وإنكاره، كما أنكره الخميني، لن يؤدي إلى استقرار، بل إلى ذاكرة جريحة، ومقاومة دائمة.
فيا حكومة أحمد الشرع، إن أردتم إنقاذ سوريا من مآل إيران، فلا تكرروا خطيئتها الكبرى. لا تجعلوا من الإسلام السياسي أداة للهيمنة القومية، ولا تحكموا بأدوات الفقه ما يتطلب أدوات العدالة الدستورية. فالدولة لا تُبنى على التفسير الواحد للدين، بل على التوافق الإنساني العادل بين الشعوب والمكونات.
المصالحة الوطنية لن تتحقق إلا بإقرار الحق الكوردي الكامل، لا على الورق، بل في نص الدستور، على الأرض، في توزيع السلطات، في اللغة، في التعليم، في الثقافة، وفي الرموز.
قال لينين ذات يوم، وهو يحاول إنقاذ الثورة البلشفية من السقوط في شِباك القومية الروسية:
"ما من شيء يعيق تضامن البروليتاريا كظلم القوميات الصغيرة، حتى لو كان باسم الثورة."
وكما قال عمر بن الخطاب، في واحدة من أعدل مواقف التاريخ:
"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟"
فإن الكورد، وسائر شعوب سوريا، لم تلدهم أمهاتهم رعايا في دولة مركزية طائفية، بل أحرارًا، على أرضهم، بلغاتهم، بتاريخهم وثقافتهم.
وقال نلسون مانديلا، من على ركام السجون ونضال الكرامة:
"الحرية لا تُجزأ، وحين يُسلب أحد حقه، يُهدَّد حق الجميع."
فيا حكومة دمشق الجديدة، إذا كنتم تتحدثون عن ثورة، فاعلموا أن الثورة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بمن لم يكن يُعترف به. وإن كنتم تزعمون تمثيل سوريا الجديدة، فأبدأوا بإعادة الحقوق إلى أصحابها، وأوقفوا المجازر… لا بناء وطن على أنقاض وجعهم.
من موقع المثقف الكوردي، الذي لم يحمل السلاح، لكنه حمل الكلمة كجمر في كفه، أقول لكم بصوت الذاكرة والمستقبل:
أوقفوا المجازر التي تجري باسمكم أو بصمتكم في الساحل السوري، وفي المناطق التي تطأها أحذية التنظيمات المتطرفة الإرهابية الغارقة في الإجرام، لا يمكن لمن يريد إسقاط نظام الاستبداد أن يصمت عن مجازر طائفية، أو يبارك سحق الأقليات، مثلما يجري اليوم بحق الأقلية العلوية وبأبشع صورها، أو يهادن القتلة لأنهم يقفون في خندق سياسي واحد.
بيّنوا موقفكم – بوضوح لا لبس فيه – من أدوات الاحتلال التركي، من الجماعات التي تهاجم قوات سوريا الديمقراطية عند سد تشرين، وتستهدف المدنيين في كوباني، وتسرق عفرين من خريطة الانتماء السوري.
أوقفوا العبث بمصير الكورد في سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض). أعيدوا المهجّرين إلى بيوتهم، قبل أن تتحدثوا عن عودة اللاجئين، أعيدوا المدن إلى أهلها، قبل أن تُطالبوا بكرامة الوطن.
وتحرروا من الإملاءات التركية، التي جعلت من معركتكم الوطنية ذراعًا في مشروع أمني إقليمي.
من يحكم بوصلة قراره من أنقرة، لن يكتب مستقبلًا حرًا لدمشق.
ولا تكرّروا ما فعله الخميني باسم الدين، أو ما فعله الشاه باسم القومية.
فمن يظن أن بإمكانه بناء سوريا القادمة دون الكورد، لا يفهم معنى سوريا، ولا يعرف شيئًا عن تاريخها، ولا يمتلك الشرعية الأخلاقية لبنائها.
وإياكم أن تراهنوا على الزمن لنسيان المأساة، الدم لا ينسى، والأرض تعرف أبناءها، والشعوب التي تُقمع اليوم، تكتب في سرّها خريطة المستقبل.
فإما أن تبنوا سوريا بالتعدد والعدالة، بنظام فيدرالي لا مركزي، وإما أن تكتشفوا بعد فوات الأوان… أنكم لم تبنوا إلا نسخة أخرى من الاستبداد، بقبعة معارضة.
ليفانت د. محمود عباس
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!