-
ترامب وكوبا: استهداف جزيرة رمزية بين الحصار والضغط السياسي
لا يتوقف مخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإخضاع كوبا عند اعتبارها جزءًا من "الحديقة الخلفية" للاستراتيجية الأمريكية أو وسيلة لقطع نفوذ روسيا والصين في المنطقة، بل يسعى إلى إجراء تغيير جذري يشبه ما طُبق ضد النظام الفنزويلي بقيادة نيكولاس مادورو. حلم البيت الأبيض، بحسب مراقبين، يتمثل في كسر عزيمة كوبا التي صمدت أمام محاولات التأثير الأميركية منذ ستينيات القرن الماضي، ويأمل ترامب أن يُسجّل إنجازًا يتمثل في إنهاء ما وصفته الإدارة بـ"عصيان" الجزيرة بحلول عام 2026.
لكن تعدد الأولويات الأمريكية — من الملف الإيراني إلى قضايا داخلية مثل فضائح إبستين والانتخابات النصفية — قد يعيد حسابات البيت الأبيض بشأن خططه تجاه هافانا. إذ تبدو أمام واشنطن مجموعة من الخيارات المتدرجة التي قد تتراوح بين ضغوط سياسية واقتصادية إلى "حرب ناعمة" تهدف إلى إحداث تغييرات جزئية في النخبة الحاكمة أو استبدال قيادات بمناصرين أقل صلابة، على أمل تغيير سياسات النظام أو إحداث تفاوض مقبول من قبل أمريكا.
يرى الخبير في شؤون أمريكا الجنوبية علي فرحات أن كوبا تواجه تحديات جسيمة وتبدو معزولة في صراعها مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن توجه إدارة ترامب نحو تصعيد عسكري أو ضغط شامل يستهدف دولة صغيرة نسبياً يجسد استراتيجية إخضاع تهدف لكسر مقاومتها. وضمن حديثه لـ"إرم نيوز"، اعتبر فرحات أن خيارات هافانا محدودة، وأن العناد قد يدفع واشنطن إلى تنفيذ ضربات محددة تستهدف قيادات أو مرافق حيوية إذا تفاقمت المواجهة.
يشير فرحات إلى وجود تسويات محتملة تُجرى عبر وسطاء قد تُنهي جزءًا من العداء عبر صيغ تشبه جزئياً طرق احتواء النظام الفنزويلي بعد محاولات الإطاحة به، مؤكداً أن واشنطن قد تقبل ببقاء حكم يساري بشرط علاقة تقوم على خضوع واستجابة لمطالبها، وهو ما يرفضه النظام الكوبي جملةً وتفصيلاً. لذلك، تراجعت اللهجة التصعيدية الرسمية في هافانا مقارنةً بالفترة التي كان التهديد الأمريكي فيها أكثر وضوحًا.
المبادرات المطروحة تتركز حالياً على فتح قنوات حوار مباشرة بين مسؤولين كوبيين وأمريكيين لإظهار علامات ترميم شكلية في العلاقات مقابل تنازلات تعتبرها واشنطن مؤشراً على خضوع جزئي. ويرى فرحات أن تراجع نفوذ حلفاء كوبا التقليديين، لا سيما روسيا والصين، في المنطقة جعل هافانا أكثر هشاشة وأقل قدرة على المناورة، ما يدفعها نحو خيار الحوار كمدخل لحماية مكاسبها وتخفيف العقوبات.
من منظور استراتيجي ومعنوي، تسعى الولايات المتحدة إلى تجريد كوبا من رمزيّتها الثورية المرتبطة بفيدل كاسترو وتشي غيفارا. فنجاح واشنطن في طيّ هذا الملف يمثل ضربة معنوية لكثير من الحركات اليسارية في أمريكا اللاتينية ويُعد هدفًا ذا قيمة رمزية واستراتيجية عالية بحسب المراقبين.
من جانبه، يؤكد الباحث حسان الزين أن الفارق بين فنزويلا وكوبا جوهري؛ فالنظام الكوبي مبني على حزب واحد وتاريخ طويل من التكيّف مع الحصار والعقوبات، ما يجعل أدوات الضغط الأميركية أمامها مختلفة وتستلزم مقاربة مغايرة. كما أن قرب كوبا من فلوريدا يمنح واشنطن حساسية أكبر تجاه أي توتر محتمل، إذ تُقيّم واشنطن المخاطر الجغرافية واللوجستية بعينٍ مغايرة مقارنةً مع دول أخرى في المنطقة.
في الخلاصة، تبدو سياسات ترامب تجاه كوبا مزيجًا من السعي للهيمنة الاستراتيجية والبحث عن إنجاز سياسي رمزي، في حين أن محدودية البدائل لدى هافانا وتراجع الدعم الخارجي يجعلان الجزيرة أكثر عرضة للضغوط. ومع ذلك، يبقى المستقبل معتمداً على توازن الضغوط الداخلية والأولويات الإقليمية والدولية التي قد تعيد تشكيل مآلات هذا الصراع.
المصدر: ارام نيوز
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

