-
حين يفشل الردع: لماذا يلجأ النظام الإيراني إلى تصفية معارضيه؟
مقدمة: تصعيد دموي في لحظة حرجة
في فجر 31 مارس 2026، أقدم نظام الملالي على إعدام السجينين السياسيين بابك علي بور وبويا قبادي داخل سجن قزل حصار، في خطوة تعكس تصعيدًا نوعيًا في أدوات القمع الداخلي. هذه الإعدامات لم تأتِ بمعزل عن سياق متسارع من التوترات الداخلية والضغوط الإقليمية، بل تمثل مؤشرًا واضحًا على انتقال النظام من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع الدموي المفتوح، في مواجهة ما يراه تهديدًا متصاعدًا من الداخل.
السياق الأمني: من الاحتجاج إلى المواجهة المنظمة
تُظهر الرواية الرسمية للسلطة القضائية، التي وصفت المعدومين بأنهم عناصر "مسلحة" نفّذت عمليات ضد أهداف حكومية، تحولًا في خطاب النظام من توصيف المعارضين كـ "محتجين" إلى اعتبارهم بنية تهديد أمني منظم. هذا التحول ليس لغويًا فحسب، بل يعكس إدراكًا متزايدًا داخل دوائر القرار بأن المعارضة، خصوصًا المرتبطة بـ "مجاهدي خلق"، باتت تمتلك قدرة عملياتية تتجاوز الاحتجاجات التقليدية.
غير أن هذا الاعتراف الضمني يحمل في طياته تناقضًا استراتيجيًا: فكلما سعى النظام إلى تضخيم الطابع "الإرهابي" لخصومه، فإنه يعزز في المقابل صورة نزاع داخلي مفتوح بين سلطة مأزومة ومعارضة متجذرة.
ديناميات القمع: الإعدام كأداة إدارة أزمة
الإعدامات الأخيرة، التي طالت أيضًا محمد تقوي وأكبر دانشور كار، بعد محاكمات وصفتها المعارضة بأنها جرت تحت التعذيب، تكشف اعتماد النظام على القضاء كذراع أمنية لإدارة الأزمة السياسية. إن توظيف تهم مثل "البغي" و"الإرهاب" لا يهدف فقط إلى تبرير الإعدام، بل إلى إعادة تعريف المجال السياسي برمته كـ ساحة أمنية مغلقة.
هذا النمط من القمع يشير إلى أن النظام لم يعد يراهن على الشرعية الاجتماعية، بل على احتكار العنف كوسيلة وحيدة للبقاء، وهو ما يعكس مرحلة متقدمة من التآكل البنيوي.
قراءة في موقف مريم رجوي: خطاب تعبوي أم تشخيص واقعي؟
وصفت مريم رجوي هذه الإعدامات بأنها تعبير عن "ذعر ويأس" النظام، معتبرة أن الدماء المسفوكة ستؤدي إلى طي سجلّه. ورغم الطابع التعبوي لهذا الخطاب، إلا أنه يتقاطع مع مؤشرات ميدانية تشير إلى اتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
الأهم في موقف رجوي هو دعوتها إلى تدخل دولي عبر جلسة خاصة للأمم المتحدة، وهو ما يعكس محاولة لنقل الملف من كونه شأنًا داخليًا إلى قضية مساءلة دولية، في ظل تزايد التقارير عن الإعدامات السياسية.
البعد الاستراتيجي: لماذا الآن؟
توقيت هذه الإعدامات يحمل دلالات عميقة. فهي تأتي في ظل بيئة إقليمية متوترة، ما يمنح النظام هامشًا لتمرير سياسات قمعية تحت غطاء "الأمن القومي". لكن في الوقت ذاته، فإن تنفيذها يشير إلى أن التهديد الداخلي بات يُنظر إليه كـ أولوية تفوق التحديات الخارجية.
بعبارة أخرى، يقر النظام، عبر سلوكه، بأن مركز الخطر الحقيقي لم يعد خارج الحدود، بل داخلها، وهو تحول بالغ الأهمية في العقيدة الأمنية الإيرانية.
التداعيات المحتملة: بين الردع والانفجار
على المدى القصير، قد تحقق هذه الإعدامات هدفها في بث الخوف وردع بعض أشكال النشاط المعارض. لكن على المدى المتوسط، من المرجح أن تؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تغذية مشاعر الغضب وتوسيع قاعدة التعاطف مع الضحايا.
التجارب المقارنة تشير إلى أن الإفراط في استخدام الإعدام كأداة سياسية غالبًا ما يؤدي إلى تسريع ديناميات عدم الاستقرار، بدلًا من احتوائها.
الخاتمة: القمع كعلامة ضعف لا قوة
تكشف إعدامات قزل حصار عن حقيقة استراتيجية مفادها أن النظام الإيراني دخل مرحلة الدفاع الوجودي، حيث يصبح القمع المكثف ليس دليل قوة، بل مؤشرًا على هشاشة متزايدة. وبينما يسعى النظام إلى فرض معادلة الخوف، فإنه يواجه معضلة بنيوية: كلما صعّد القمع، زادت كلفة بقائه، واقترب من لحظة الانكشاف.
في هذا السياق، لا تبدو هذه الإعدامات مجرد حدث أمني عابر، بل إشارة تحذيرية على مسار تصادمي مفتوح بين سلطة تفقد السيطرة ومجتمع يزداد استعدادًا للمواجهة.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

