الوضع المظلم
الجمعة ٢٧ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
  • عهد الهندي في حوار عن المؤتمر العام لمسيحيي سوريا:

  • أجدادنا كانوا من آباء سوريا المؤسسين
عهد الهندي في حوار عن المؤتمر العام لمسيحيي سوريا:
ميرنا الرشيد

إعداد وحوار: ميرنا الرشيد- صحافية ومترجمة سوريّة

ليس المسيحيون في سوريا تفصيلًا عابرًا في تاريخ هذا البلد الطويل والمليء بالأحداث الهامة والمفصلية، التي سطرتها ممالك وإمبراطوريات كبيرة منذ قرون بعيدة قبل الميلاد، وبسطت أنظمة حكمها، وتفاعل معها سُكان تلك الحقب ثقافيًا وفكريًا واجتماعيًا. لكنّ الحدث الفاصل الذي أسس لتاريخ جديد، كان ميلاد السيد المسيح في بيت لحم اليهودية. بمجيئه قُسم تاريخ العالم إلى ما قبل ميلاده وما بعده. إذ إنّ أثره محوري وتحولي في وجدان الإنسانية برمتها.

وفي دمشق التي قُدّر لها أن تكون مسرى المسيحية إلى أوروبا، ومركز أقدم الكنائس والأديرة في العالم، وحيث ما تزال الآرامية محكية في بعض بلدات جبال القلمون، تحول أهلها إلى العهد الجديد بفعل تبشير الرسل والقديسين الأوائل على أرضهم الطبيعية، فأكمل المسيحيون مسيرة الفكر واللاهوت والأدب والفلسفة والقانون، وكتابة التاريخ ونحت الآثار، معبرين عنها بثقافاتهم الآرامية والهلنستية والسريانية والبيزنطية والعربية.

لكنّ اليوم، تُدق أجراس الإنذار. الوجود المسيحي في المشرق عامة، وفي سوريا خاصة، على وشك أن ينتهي. تقدر الإحصائيات الأخيرة أنّ أعداد المسيحيين السوريين لا يتجاوز 400 ألف نسمة. هذا العدد المتدني جدًا كان قرابة المليون ونصف المليون قبل بدء الحرب السورية. لقد بقيت سوريا مسيحية بالخالص لقرون عديدة إلى أن حلّ الغزو الإسلامي على بلاد الشام، وتحمل مسيحيّوها من ويلات الاضطهاد والمجازر والتهجير وتدمير الكنائس وسلب الأراضي، ما لا يتسع ذكره في هذه السطور القليلة، ومع ذلك ما يزالون رواد المشروع الوطني الجامع، ودعاة التعايش والعطاء الإنساني والثقافي والفكري.

أحاور في الأسئلة التالية عهد الهندي، الكاتب والصحفي السوري، المقيم في أمريكا، وأحد منسقي المؤتمر العام لمسيحيي سوريا، لأستفهم منه عن ماهية ما يسعون إليه، والأسباب التي دفعتهم إلى الإعلان عن التحضير لهذا المؤتمر، وما هي رؤيتهم لهذه المرحلة التي تعيشها سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

 

قبل السؤال عن المؤتمر العام لمسيحيي سوريا الذي تعملون على إنجازه، قد يتساءل كثيرون أو قليلون عن مدى أحقيتكم بالإعلان عن التحضير لمؤمر كهذا. لذلك، من أنتم؟ وهل يكفي أن تكون مسيحيًا حتى تشارك بتنظيم المؤتمر، وتعلن عن انتهاء لجنته التحضيرية من اجتماعها الأول؟

لا يمكن أن نبدأ أي عمل عام بانتظار موافقة الجميع. هذه ليست طريقة ولادة الأفكار في التاريخ. الأفكار تبدأ من مجموعة صغيرة تتحمل مسؤولية المبادرة، تجسّ النبض العام، وتختبر الفكرة في الواقع ثم توسّعها.

نحن لسنا سلطة منزّلة، ولسنا جهة وصاية، ولسنا حزبًا مغلقًا. نحن أبناء هذه الكنائس التي تعمّدنا فيها، على أيدي كهنتها، وتعلمنا في مدارسها، وحملنا إيمانها في بيوتنا. نحن أبناء هذا التاريخ الذي يبدأ من أنطاكية، حيث دُعي التلاميذ أولاً “مسيحيين”. هذا الاسم ليس تفصيلاً لغويًا، بل لحظة تأسيس لهوية حضارية كاملة خرجت من هذه الجغرافيا إلى العالم.

اللجنة التحضيرية، ومن اسمها، لجنة تحضير لا لجنة تمثيل نهائي. مهمتها ضمان مشاركة الكمّ والنوع في كل دول الاغتراب، والتأكد من أن المشاركين قادرون على العمل والمساهمة، لا مجرد حضور رمزي. لا يوجد إجماع 100% على أي فكرة في مجتمع حر، إلا في الأنظمة الشمولية التي تعتقد أن لها حقًا إلهيًا بالحكم.

هناك ضمير مسيحي عام قلق، مُهمّش، يشعر بأنّ وطنه الأم يتحول تدريجيًا إلى فضاء طارد له. نحن نحاول تنظيم هذا القلق قبل أن يتحول إلى صمت أو هجرة نهائية. بدأنا كعدد صغير اجتمع حول فكرة، ثم تواصلنا مع مسيحيين في الداخل وفي كل المهاجر. في الولايات المتحدة وحدها هناك مئات الكنائس لمسيحيي المشرق. هذا ليس هامشًا، بل شعب منتشر لم يُنظّم بعد.

 

ما الذي يُقصد بالمؤتمر العام لمسيحيي سوريا؟ ما هي الأسس والأهداف؟

المؤتمر ليس مهرجانًا ولا بيانًا عاطفيًا. هو مسار تنظيمي طويل النفس. بدأ بلقاءات مع مسيحيي الداخل في مناطق متعددة، بالاستماع إلى التحديات الفعلية: الأمن، الهجرة، التمثيل، التهميش السياسي.

الخطوة التالية هي عقد اجتماعات في المهاجر: ألمانيا، الولايات المتحدة، أستراليا، هولندا، السويد، ودول أميركا اللاتينية والكاريبي. في كل بلد تُنظَّم الجاليات على رؤية مشتركة، وتنتخب ممثلين عنها. الممثلون المنتخبون يشكّلون المؤتمر العام، والمؤتمر ينتخب هيئة تنفيذية لفترة محددة، لتنفيذ السياسات التي يقرّها المجتمعون. هذه الهيئة ستكون مدعومة بمؤسسات جالية يتم تأسيسها في كل بلد.

الهدف مزدوج: أولاً، تنظيم الصوت المسيحي السوري المنتشر عالميًا. ثانيًا، تحويل هذا الانتشار إلى لوبيات ضغط فاعلة في الغرب.

اليوم، جزء كبير من شرعية السلطة الانتقالية مستمد من تصريحات واعترافات مسؤولين غربيين. إذًا ساحة التأثير ليست محصورة في الداخل فقط، بل في العواصم التي تمنح الشرعية أو تحجبها. المسيحيون في المهاجر قادرون على المساهمة بقوة في إعادة الإعمار إذا كانت سوريا بلدًا جاذبًا لا طاردًا لهم. أجدادنا كانوا من آباء سوريا المؤسسين. من غير المقبول أن نُعامل اليوم كجالية في وطننا الأم.

 

في شهر آب الماضي، شكّلت مجموعة من الشخصيات العلوية المجلس السياسي لغرب ووسط سوريا، وقبله في شهر شباط تشكّل المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، وكان من أهدافهما التمثيل السياسي والديني للطائفة العلوية، لكن أصبح معروفاً أنّ التمثيلين لم يحققا شيئاً ملموساً، ولم يتمكنا من إيقاف الانتهاكات بحق الطائفة، هل من الممكن أن يواجه التمثيل المسيحي المصير نفسه، ويبقى حبيس عبارات النعي والإدانة والاستنكار؟

نحن لا نعرض أنفسنا كسلطة حكم، ولا نبني كيانًا مناطقيًا. نحن لا نربط أنفسنا بجغرافيا محددة، لأن وجودنا في المهجر قديم وكبير ومؤثر. موضوعنا هو المسيحيون وحقهم في الوجود والمساواة، لكن تصورنا هو لسوريا كلها، لسوريا التي يمكن للمسيحي أن يعيش فيها بندّية كاملة. 

إذا بقي العمل في حدود بيانات الإدانة، فسيكون بلا قيمة. لكن إذا تحول الانتشار المسيحي إلى قوة ضغط منظمة، تؤثر في شروط الدعم الدولي، في معايير إعادة الإعمار، في صياغة القوانين، فهنا ينتقل العمل من العاطفة إلى الفعل السياسي. نحن لا نريد أن نكون طائفة تشتكي، بل مكوّنًا يشارك في صياغة المستقبل.

 هل تحمل الدعوة لتنظيم المؤتمر إقرارًا بعجز الكنيسة في سوريا عبر تاريخها الطويل، وبكافة تمثيلاتها، عن حماية المسيحيين، وجعلهم بمكانة تليق بوجودهم التاريخي على أرضهم، خاصة وأنّ الأصوات المسيحية التي تلوم الكنيسة على هذا العجز لم يعد بالإمكان تجاهلها؟

الكنائس ليست عاجزة. كنائسنا حافظت على نفسها منذ السيطرة الإسلامية على المشرق، وحملت معها حضارات أقدم من المسيحية نفسها. في طقوسنا آثار بيزنطية، وسريانية، وآشورية. هذا ليس تفصيلاً فولكلوريًا، بل امتداد تاريخي حيّ. لكنّ الكنيسة ليست حزبًا سياسيًا. لقد وُضعت في موقع اضُطرت فيه إلى القيام بأدوار رعوية وخيرية واجتماعية وسياسية في آن واحد. هذا حمل يفوق طاقة أي مؤسسة روحية. 

المسيحية ليست الإكليروس فقط، بل جماعة المؤمنين. نحن تعمّدنا في هذه الكنائس، وتعلمنا فيها، ونحمل احترامًا عميقًا لآبائنا الذين يصلّون ليلهم ونهارهم. لكن من غير العادل أن نحمّلهم وحدهم مسؤولية الصراع السياسي. ما نقوم به ليس انتزاع تمثيل من الكنيسة، بل تحمّل دور مدني علماني، مع الحفاظ على الاحترام الكامل لها.

 

قد تخرج عليكم الكنيسة وتقول: لا أحد يمثل مسيحيي سوريا غيرنا، ولا مؤتمر عام يُعبّر عنهم ويتحدث باسمهم إلاّ بتنظيم ودعوة منّا، ماذا ستردون حينها؟  

نردّ بوضوح: نحن لا نمثل الكنيسة روحيًا، ولا نزاحمها على دورها. نحن نعمل في المجال المدني السياسي. الكنيسة أمّنا الروحية، وليست جهازًا انتخابيًا. تاريخ مسيحيي سوريا لم يكن يومًا خطًا سياسيًا واحدًا. كان هناك دائمًا تيارات متعددة بين العلمانيين، ولم تخرج الكنيسة لتُكذبهم أو تلغيهم. الكنيسة تردّ على من يدّعي الكهنوت زورًا، لكنها لا تصادر حق العلمانيين في التنظيم. نحن أبناء هذه الكنائس ولسنا غرباء عنها، لكننا أيضًا مواطنون مسؤولون عن دورنا المدني.

 

يحمل المسيحيون على أرضهم التاريخية في بلاد الشام، وخاصة في سوريا، ذاكرة الشرق وحضارته وغناه الفكري والروحي، لكنّ حضورهم المتجذر فيها شارف على الأفول، ماذا يعني ذلك؟

سوريا هي تفاعل تاريخي بين المسيحيين والمسلمين بكل طوائفهم وأعراقهم. إذا تم تسييد مكوّن واحد أو تيار واحد، خاصة تيار سلفي جهادي، فلن تبقى سوريا كما عرفناها. ما هي دمشق دون باب توما والقصاع والدويلعة؟ ما هي حلب دون السليمانية والعزيزية؟ ما هي الجزيرة دون أحياء المسيحيين في القامشلي والحسكة؟ ما هي حوران دون خبب وبصير؟ ما هي حمص دون وادي النصارى وأحيائها المسيحية؟

لا أقول إن الحياة متوقفة على المسيحيين، لكن أقول إن الحياة ستكون مختلفة جذريًا. سوريا التي خسرت ما يقارب 250 مليار دولار بسبب الحرب قد تخسر أكثر، وقد تتحول إلى كيان مختلف تمامًا. يوغوسلافيا كانت دولة، ثم اختفت. التعدد إذا لم يُحمَ سياسيًا يتحول إلى خط صدع.

 

 يُنتَقد المسيحيون في سوريا لأنهم لم يدافعوا عن وجودهم، وأنّ إذعانهم لموجات الاضطهاد التي تعرضوا لها منذ مئات السنين وحتى الآن، جعلهم يخسرون أرضهم وتاريخهم، هل يتحمل المسيحيون هذا الخطأ برأيك؟

المسيحيون في سوريا لم يكونوا شعب ميليشيات. ثقافتهم مدنية، حرفية، تجارية، علمية، زراعية. عبر قرون طويلة حُرموا من حمل السلاح وامتطاء الخيل. تخيّل مجتمعًا لا يُسمح له بالسلاح، قبل زمن الدول الحديثة ومنظمات حقوق الإنسان. هل يُلام لأنه لم يقاتل؟

رغم المجازر المتكررة، استمروا. قاموا في كل مرة كما قام السيد في اليوم الثالث. هذا ليس شعارًا بل وصف لمسار تاريخي طويل من البقاء.

الموارنة في لبنان، الذين ذهبوا إلى الجبال، كان وضعهم مختلفًا. قاوموا وقاتلوا وأسسوا لبنان الحديث الذي كان نقطة ضوء في العالم العربي. ثم تكالب عليه الجميع: شعارات الوحدة العربية، القضية الفلسطينية، مشاريع إقليمية، أنظمة سلطوية. ومع ذلك لا يزال الوجود المسيحي هناك قويًا.

نحن لم نرضخ. نحن عشنا في عالم صعب وقاسٍ. وبقاؤنا حتى اليوم، بعد كل ما مرّ، ليس دليل ضعف بل دليل قدرة استثنائية على الاستمرار. المؤتمر ليس إعلان خوف. هو إعلان أن هذا الوجود، الذي بدأ في أنطاكية، وحمل البيزنطي والسرياني والآشوري، وتعمّد في هذه الكنائس، ونجا من قرون من التحولات، لن يتحول إلى هامش في كتاب التاريخ.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!