الوضع المظلم
الأربعاء ٠٨ / يوليو / ٢٠٢٦
Logo
كوباني من مدينة حدودية ...إلى رمز عالمي
سردار شريف

لم تكن كوباني مدينةً عالمية، وحتى على المستوى السوري والمناطقية كانت مهمشة من قبل النظام السوري السابق، بسبب أن أهلها من الكرد السوريين الذين عانوا كثيراً طيلة فترة حكم حافظ الأسد ومن ثم ابنه بشار. كانت الاستخبارات السورية تضييق الخناق على هذه المدينة، من جميع النواحي وخاصة من الناحية السياسية، كونها كانت ساحة انطلاق كبيرة للأجيال التي التحقت بالأحزاب السياسية والجامعات السورية والدولية للوصول إلى أعلى درجة لنيل حقوق الشعب الكردي في كوباني وكل سوريا.

بدأت الثورة السورية في عام 2011 فانضم أهالي المدينة إلى صفوف المطالبين بحقوق الشعب السوري وبالاخص الحقوق الكردية، اضطر النظام إلى الخروج من مدينة كوباني  في عام 2012، بعد ضغوطات كبيرة من الأهالي، وتأسست قوات حماية الشعب واستلمت جميع مؤسسات الدولة ، ومنذ تموز من نفس العام لم يعد للنظام السوري أي وجود عسكري أو إداري.


وبدأت المدينة وعن طريق حزب الاتحاد الديموقراطي ووحدات حماية الشعب بتنظيم حياة الناس والبدء بحياة خالية من الديكتاتورية البعثية التي كانت تقمع الشعب وتمنعه من ممارسة أبسط حقوقه. ولكن في عام 2014 
وبعد سيطرة تنظيم داعش على المنطقة وأكدت أن الرقة عاصمة لها في بلاد العراق والشام، توجهت عناصرها للسيطرة على كوباني.  لم تكن المعركة سهلة بالنسبة للطرفين. حيث بقيت تدور المعارك لحوالي لأكثر من أربعة أشهر متواصلة. انضمت الفتيات الكرديات إلى معركة المقاومة لحماية كوباني وعدم السماح لتنظيم داعش بدخولها.

سمع العالم كله بهذه المقاومة الشرسة وتم الإعلان العالمي أن الاول من تشرين الثاني هو يوم عالمي الوقوف مع مقاومة كوباني، ليتم تسميتها بعاصمة المقاومة العالمية. قرر التحالف الدولي بمساندة القوات الكردية جواً بموافقة عالمية، بعد أن دخلت قوات البيشمركة إلى الأراضي السورية. ووصلت إلى كوباني لمساندة وحدات حماية الشعب. تزامن هذا مع خروج مظاهرات في كل دول العالم ومن قبل كل شعوب الأرض دعماً للمقاومة الشرسة التي تشنها آلاف من عناصر تنظيم داعش. وفي 26 من شهر كانون الثاني عام 2015 أعلنت وحدات حماية الشعب السيطرة الكاملة على كوباني. كانت خسارة التنظيم كبيرة جداً، وخسر أهالي كوباني المئات من أبناءها من الرجال والفتيات في هذه المقاومة العالمي.

كانت المدينة التي لم يستطع التنظيم السيطرة عليها. ومن ثم عاد الأهالي إلى المدينة وجعلوا ساحة المعركة العالمية في كوباني متحفاً يشهد مقاومة شعبية ضد أخطر تنظيم ارهابي في العالم.  وعاد أبناءها  وتم البناء المدينة بسواعد أبناءها، واليوم يعود أبناءها يؤكدون للعالم مجدداً أن هذه المدينة اسمها كوباني ولا يريدون ويسمحون بتغيير اسمها مهما حدث.

كوباني... من مدينة مهمشة إلى رمز عالمي للمقاومة

لم تكن مدينة كوباني، الواقعة في شمال سوريا على الحدود مع تركيا، تحظى باهتمام واسع على المستويين الإقليمي والدولي قبل اندلاع الحرب السورية. وحتى داخل سوريا، بقيت المدينة لسنوات طويلة بعيدة عن دائرة الاهتمام السياسي والإعلامي، في ظل سياسات اتبعها النظام السوري السابق تجاه المناطق ذات الغالبية الكردية. ويرى كثير من أبناء المدينة أن الكرد السوريين عانوا خلال عقود من قيود سياسية وثقافية وإدارية، انعكست على مختلف جوانب الحياة العامة، بما في ذلك العمل السياسي والحقوق الثقافية.

وعلى الرغم من هذه الظروف، برزت كوباني كإحدى المدن التي نشط فيها الشباب والطلبة والمثقفون المنتمون إلى مختلف التيارات السياسية الكردية، وسعى كثير منهم إلى المطالبة بالحقوق القومية والثقافية للكرد ضمن سوريا، سواء من خلال النشاط السياسي أو العمل الأكاديمي أو منظمات المجتمع المدني.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، شارك عدد كبير من أبناء كوباني في الاحتجاجات التي طالبت بالحرية والإصلاح السياسي، إلى جانب المطالب المتعلقة بحقوق الكرد في سوريا. وفي تموز/يوليو 2012 انسحبت قوات النظام السوري من المدينة بعد إعادة انتشار قواته في عدة مناطق من البلاد، بعد ضغوط كبيرة من الأهالي، لينتهي بذلك وجوده العسكري والإداري المباشر داخل كوباني.

وفي أعقاب هذا الانسحاب، تولت قوات حماية الشعب (YPG) إدارة الملف الأمني والعسكري في المدينة، بينما بدأت مؤسسات الإدارة المحلية، التي قادها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، بتنظيم شؤون الحياة اليومية وإدارة المؤسسات المدنية والخدمية، في محاولة للحفاظ على الاستقرار في ظل اتساع رقعة الصراع السوري.

 وبعد التوسع السريع لتنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من سوريا والعراق، أصبحت كوباني هدفاً رئيسياً للتنظيم بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية على الحدود السورية التركية. في 16 أيلول/سبتمبر 2014 بدأ التنظيم هجوماً واسعاً على المدينة، مستخدماً آلاف المقاتلين والأسلحة الثقيلة التي استولى عليها في العراق وسوريا. وسرعان ما تمكن من السيطرة على عشرات القرى المحيطة بكوباني، قبل أن يدخل أطراف المدينة، لتبدأ واحدة من أعنف معارك الحرب السورية.

لم تكن المواجهة سهلة على أي من الطرفين. فقد استمرت المعارك أكثر من أربعة أشهر متواصلة، وشهدت قتالاً عنيفاً من شارع إلى شارع ومن منزل إلى منزل، وسط دمار واسع طال معظم أحياء المدينة. أصبحت مقاومة كوباني حدثاً تابعته وسائل الإعلام العالمية على مدار الساعة. وبرز الدور الكبير للمقاتلات الكرديات اللواتي شاركن إلى جانب المقاتلين في الدفاع عن المدينة، الأمر الذي جذب اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام الدولية، وأصبحت صورهن رمزاً للمقاومة في مواجهة تنظيم داعش.
وخلال تلك الفترة، أعلن ناشطون ومنظمات وحركات تضامن حول العالم الأول من تشرين الثاني/نوفمبر يوماً عالمياً للتضامن مع كوباني، ونُظمت مئات المظاهرات والفعاليات في مدن أوروبية وأمريكية وآسيوية، إضافة إلى العديد من دول الشرق الأوسط، دعماً للمدينة وسكانها.

ومع استمرار المعارك، قرر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة تقديم الإسناد الجوي للقوات المدافعة عن المدينة، حيث استهدفت الغارات مواقع تنظيم داعش بشكل مكثف. كما دخلت قوة من قوات البيشمركة القادمة من إقليم كردستان العراق إلى كوباني عبر الأراضي التركية للمشاركة في الدفاع عنها، إلى جانب وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة. وقد شكل هذا التعاون العسكري نقطة تحول مهمة في سير المعركة، إذ بدأ التنظيم يفقد تدريجياً المناطق التي سيطر عليها داخل المدينة.

في السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2015 أعلنت وحدات حماية الشعب السيطرة الكاملة على مدينة كوباني بعد طرد تنظيم داعش منها، لتنتهي بذلك واحدة من أبرز المعارك ضد التنظيم في سوريا. تكبد تنظيم داعش خسائر كبيرة في المقاتلين والعتاد، بينما دفعت المدينة ثمناً باهظاً، إذ دُمرت أجزاء واسعة منها، واستشهد مئات المقاتلين والمدنيين خلال أشهر القتال، كما اضطر معظم سكانها إلى النزوح نحو الحدود التركية قبل أن يعود كثير منهم بعد انتهاء المعركة.

بعد انتهاء المعركة، عاد آلاف السكان تدريجياً إلى مدينتهم رغم حجم الدمار الكبير. وبدأت جهود إعادة الإعمار بقدرات محلية، حيث أُعيد فتح المدارس والمؤسسات الخدمية والأسواق، وساهم أبناء المدينة في إزالة آثار الحرب وإعادة بناء منازلهم وأحيائهم.
كما تحولت بعض مواقع المعارك إلى أماكن تذكارية تستحضر أحداث المقاومة، وأصبحت معركة كوباني تُذكر في كثير من الدراسات العسكرية بوصفها إحدى المعارك التي شكلت نقطة تحول في الحرب ضد تنظيم داعش، إذ اعتبرها عدد من المراقبين بداية التراجع العسكري للتنظيم في سوريا.

بالنسبة لأبناء المدينة، لا تمثل كوباني مجرد مكان أو رقعة جغرافية، بل أصبحت رمزاً للهوية والصمود والإرادة. ولذلك يؤكد سكانها باستمرار تمسكهم باسم مدينتهم وتاريخها، ويرون أن كوباني أصبحت عنواناً لمرحلة تاريخية تركت أثراً في سوريا والمنطقة والعالم.
ورغم استمرار التحديات السياسية والعسكرية التي تواجه المنطقة حتى اليوم، ما زالت كوباني تحتفظ بمكانة خاصة في الذاكرة الجماعية للكرد والسوريين وكل العالم، كما أصبحت معركة الدفاع عنها جزءاً من التاريخ الحديث للحرب ضد تنظيم داعش، ورمزاً للمقاومة التي جذبت اهتماماً وتضامناً دولياً غير مسبوق.

ليفانت: سردار شريف

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!