الوضع المظلم
الأحد ١٦ / أغسطس / ٢٠٢٦
Logo
  • “لي صديق من كوردستان”.. سميح شقير من كوردستان يغنّي

“لي صديق من كوردستان”.. سميح شقير من كوردستان يغنّي
شيار خليل

في الكثير من الأحيان تبدو قيمة الأشياء ومكانتها مرتبطة بالزمن الذي جاءت منه، لا بمعناها فحسب؛ هكذا بالضبط يبدو وقع أغنية “لي صديق من كوردستان”، التي يغنّيها اليوم سميح شقير من بوابة قناة شمس، في أربيل، من كوردستان نفسها جغرافياً، لا الحلم والقضية فقط.

والحال أن الموقف السياسي/ الأخلاقي من هذه الأغنية يرتبط بزمن الأغنية؛ ففي الوقت الذي كانت فيه كلمة كوردستان تؤدي بصاحبها إلى السجن، وكل شيء كوردي مباحاً للقتل والسلب والنهب، ويعيش الكورد وقضيتهم تحت وطأة أنظمة القمع والاستبداد، وتبدع الدكتاتوريات في سحق الوجود الكوردي، ظهر سميح شقير وقال: “لي صديق من كوردستان”. كان هذا بداية اعتراف الذاكرة الجمعية بالأرض المسلوبة بفوهة البندقية، دون أن يهابها سميح!

بهذا المستوى نفسه، يعيدني سميح شقير إلى التفكير بالمكان، وبالفكرة التي يمكن أن تنتج عنها، وعلى إثرها وإرثها وأثرها؛ فالوقت الماضي الذي أحاله سميح شقير إلى المستقبل الذي ظهرت فيه كوردستان كياناً يخلق فرص السلام للآخرين، والملاذ للفارين من بطش الأنظمة، كان هذه المرة ذاته الزمن الذي أحالني مع سميح إلى الحاضر الذي نعيشه في بيئة عكسية: من الفن والذاكرة والعلاقة مع الكورد وقضيتهم، عبر بودكاست “أثر مع أيمن زيدان” على شاشة شمس، إلى ذاكرة القسوة الراهنة، إلى سوريا، جغرافيا الخوف من القادم، وخيبة أمله، كفنان أمضى جانباً كبيراً من حياته يغني للحرية والأمل والناس، ثم وجد نفسه هذه المرة يطلب من الناس أن يعيدوا إليه الأمل. ذاته أمل كوردستان الذي يولد من المستحيل كل حين.

كان “لي صديق من كوردستان” صاحبة الوقع على الوعي الثقافي العربي، وعلى وجه الخصوص السوري منه؛ صاحبة الوقع لأن ذلك الحين كان الكورد يرغبون في أن يقولوا: “لي صديق من سوريا”، أو من ذاكرة المثقف العربي. في اللحظة التي عانى فيها الكورد في سوريا من سياسات الإنكار والتهميش، وفي مطلق الأحوال، وقتئذ، لم تكن المشكلة محصورة في ممارسات السلطة الاستبدادية فحسب؛ إذ انعكس جزء من ذلك الإنكار على الثقافة والسياسة والخطاب العام، حتى بدا الاعتراف بالخصوصية الكوردية لدى بعض الأوساط وكأنه ينتقص من سوريا، بدلاً من أن يكون اعترافاً بتنوعها التاريخي والاجتماعي. في مثل ذلك المناخ، لم يكن عادياً أن يأتي صوت عربي ليقول ببساطة: “لي صديق من كوردستان”. حتى ردّد له الكورد: لنا صديق اسمه سميح، وغنّى الكورد في العراق وتركيا من أجله للثورة السورية، ليكون هو وجه الثورة الذي يقول: لا مكان للإقصاء مجدداً!

هذا الصديق، في حديثه مع أيمن زيدان، عاد إلى علاقته بالكورد والقضية الكوردية من بوابة الهم المشترك ذاته. لم يقدم نفسه مدافعاً عن قضية تستحق الدفاع أو التضامن، بقدر ما تحدث عن مسؤولية الإنسان تجاه أي قضية يراها محقة. فالموقف الأخلاقي لا يكتمل بأن تقول إنك لست ضد حقوق الآخرين؛ لكنه يبدأ حين تستخدم المساحة التي تملكها كي يصل صوت من لا يملك المساحة نفسها.

من نافل القول أن يقودنا هذا الحديث إلى الاختبارات التي ستحدد معنى أي سوريا جديدة تلك التي نصبو إليها وعيننا ترنو إليها؛ تلك البلاد القادرة على تجاوز مفهوم “الأكثرية التي تمنح الحقوق للأقليات” إلى مفهوم أكثر حضوراً في ذاكرة الألم والواقع: مواطنون وشعوب ومكونات أصيلة لا تستمد حقوقها من أحد، ولا تحتاج في كل مرحلة سياسية إلى إثبات استحقاقها للوجود أو اللغة أو الهوية أو المشاركة، ولا يفرض عليها أحد تعريف حقوقها ومكانتها في البلاد؛ فالأصل هو أن يحدد الإنسان هدف ومعنى انتمائه، لا أن يُفرض عليه.

لا يمكن للسوري الذي رفض الاستبداد لأنه صادر حريته أن يقبل بمنطق المصادرة نفسه عندما يتعلق الأمر بحرية غيره. ولا يمكن بناء دولة جديدة مع الاحتفاظ بالمفاهيم التي ساهمت في صناعة الدولة القديمة: احتكار تعريف الوطنية، والخوف من الاختلاف، والنظر إلى التنوع بوصفه تهديداً، ومطالبة الآخر دائماً بأن يقدم تنازلاً عن جزء من ذاته كي يُقبل شريكاً في الوطن.

وعليه، تحديداً من هذه الزاوية، يصبح الانتقال في لقاء سميح من الحديث عن الكورد إلى الحديث عن خيبته مما يحدث في سوريا انتقالاً منطقياً، لا موضوعين منفصلين. ذاك أن المسألة في الحالتين واحدة: ماذا نفعل عندما تصبح هوية الإنسان سبباً في خوفه؟

إنما الرد الذي جاء به سميح كان أكثر قسوة عندما وصل إلى هذا المكان؛ فتحدث عن ملامح طائفية ظهرت في المجتمع، وعن أحقاد ووحشية صدمته، لكنه لم يعتبر ذلك مصدر خيبته الأكبر. ما آلمه أكثر، كما قال، كان صمت أولئك الذين ما زال يعتقد أنهم يشكلون الأكثرية. لخّص بما لم يتوقعه كثيرون، لخصه بصمت يقتله. كأنه يقول إنه على مشنقة عديمة الأمل، يقتله صوته المدفون حول حبل؛ إن قتله، مات الآخرون، ومات البلد.

وربما تكون هذه العبارة أهم من توصيف الحدث نفسه، لأنها تطرح سؤال المسؤولية خارج الدائرة التقليدية المتوقّعة والمعادة عن الذي فعل الانتهاك والذي وقع عليه هذا الانتهاك. أما ما يجب أن يسأل ماذا عن الذين لا يشاركون في الكراهية لكنهم لا يعترضون عليها؟ ماذا عن الذين يرفضون الطائفية في منازلهم، لكنهم يتركون الشارع والمنابر العامة لمن يرفع خطابها وفي بعض الأحيان يدعمها؟ وماذا يحدث لمجتمع حين تصبح أصوات الاعتدال خافتة، بينما يتصرف المتطرفون كما لو أنهم يتحدثون باسمه كله؟

الصمت في اللحظات العادية قد يكون موقفاً شخصياً وهو حقه المكفول، لكنه في لحظات الحرب وبالضد من السلم الأهلي يتحول إلى مساحة سياسية داعمة للحرب. وكل مساحة ينسحب منها أصحاب الخطاب الجامع يملؤها، بالضرورة، أصحاب الخطابات الأكثر حدة وهو الخطاب الطائفي أو العنصري الذي بات أكثر شيوعاً.

لهذا لم يكن سميح يطلب كلمة تضامن، إنما يحاول أن يقرأ المشهد مختلفاً في الشارع؛ إذ يقول وضوحاً إنه يحتاج إلى رؤية الناس وهم يقولون كلاماً آخر، ويشدّون على يد كل جريح، ويرفعون خطاباً جامعاً يتجاوز المنطق الضيق الذي يأخذ البلاد إلى حرب يكون فيها القاتل مقتولاً في إنسانيته أولاً.

في هذه اللحظة مفارقة مؤلمة؛ صاحب الأغاني التي منحت كثيرين شيئاً من القدرة على الاحتمال في أكثر سنوات سوريا قسوة سنوات الثورة والهجرة والمعتقل، يطلب هذه المرة من جمهوره أن يقوم بالدور نفسه أن يكون مساحة للحرية. الفنان الذي خاطب الناس طويلاً باعتبارهم مصدر التغيير، يقف أمامهم الآن ويسألهم أن يثبتوا له أن الرهان عليهم لم يكن وهماً وأن التغيير ممكن عبرهم.

لكن خيبة سميح لا ينبغي اختزالها في الحالة النفسية لفنان أصابه الحزن مما يرى في مدينته أو بلاده. إنها تعكس سؤالاً سياسياً أكبر: هل يكفي تغيير السلطة كي يتغير المجتمع؟ هل نحن نغير السلطة لجلب سلطة أخرى؟

وحين يحدث ذلك، يصبح الخطر أن تتغير أسماء الضحايا والفاعلين، بينما تبقى القاعدة نفسها. لهذا تبدو “لي صديق من كوردستان” و”أعطوني أمل” بالنسبة إليّ عبارتين تنتميان إلى الفكرة ذاتها، رغم السنوات الطويلة التي تفصل بينهما.

الأولى تقول إن عليك أن ترى مظلومية الآخر حتى عندما لا تكون أنت ضحيتها أو كنت تنتمي قسراً لجماعات أهلية تدعم ذلك، والثانية تقول إن عليك أن ترفض الظلم بصوت مسموع حتى عندما لا تكون أنت المستهدف به. وبين الفكرتين يقع الامتحان الحقيقي لأي حديث عن سوريا المستقبل.

فالحرية التي لا تشمل الكوردي لأنه كوردي، أو العلوي لأنه علوي، أو الدرزي لأنه درزي، أو المسيحي لأنه مسيحي، أو العربي لأنه عربي، ليست حرية؛ إنها مجرد انتقال للسلطة بين جماعات قادرة على فرض تعريفها الخاص للوطن.

وسوريا التي يخشى فيها شخص أن يسير في شارع بسبب هويته، كما قال سميح، لم تحل أزمتها بعد، مهما تغيرت حكومتها أو أعلامها أو شعاراتها.

ربما لهذا بدت لحظة غنائه “لي صديق من كوردستان” في نهاية اللقاء ذات دلالة تتجاوز الحنين؛ فالرجل الذي يطلب اليوم من المجتمع أن يطمئنه على سوريا هو نفسه الذي فهم منذ سنوات أن الاطمئنان إلى الوطن يبدأ عندما يطمئن المختلف إلى مكانه فيه.

ما يطلبه أصعب من ذلك بكثير؛ إنه يريد دليلاً. دليلاً على أن السوريين الذين غنّى لأحلامهم قادرون على الدفاع عن أحلام الآخرين أيضاً؛ وأن الذين رفضوا الظلم حين وقع عليهم سيرفضونه عندما يقع على غيرهم؛ وأن الدم لا يكتسب قيمته من هوية صاحبه؛ وأن سوريا يمكن أن تكون وطناً لا يضطر فيه أحد إلى إخفاء جزء من هويته كي يشعر بالأمان.

عندها فقط يمكن أن نجد جواباً حقيقياً لصرخة سميح شقير، وعندها أيضاً لن تكون “لي صديق من كوردستان” مجرد أغنية جميلة من زمن مضى، بل واحدة من أبسط القواعد التي كان ينبغي أن نبدأ منها منذ البداية: أن ترى في قضية الآخر شيئاً من قضيتك، وفي خوفه شيئاً يهدد حريتك أنت أيضاً.

ليفانت: شيار خليل

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!