الوضع المظلم
الخميس ٠٢ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • أحلاف أم أوهام؟

  • معيار التمييز بين ورقة الضغط والخيار الوجودي
أحلاف أم أوهام؟
نايف أيوب شعبان
  • نايف أيوب شعبان
  • منتدى الاستقلال للدراسات السياسية والاستراتيجية
  • بالتعاون مع مركز ليفانت للدراسات والبحوث — لندن
  • نيسان / أبريل 2026

في نيسان/ أبريل 1949 , وقّع اثنا عشر وزير خارجية على وثيقة في واشنطن أسست لحلف الناتو , في اليوم التالي , نشرت صحيفة نيويورك تايمز خبر التوقيع في الصفحة الثالثة , لأن محررها الأول رأى أن خبر انتخابات بلدية في شيكاغو أهم .

اليوم , بعد سبعة وسبعين عاما , لا يتذكر أحد تلك الانتخابات , لكن الناتو لا يزال يُحدد مصائر الدول وحدود التحالفات وخرائط الحروب , الفارق بين وثيقة نُسيت في أسبوع ووثيقة غيرت التاريخ لم يكن في النص , كان في الإجابة عن سؤال واحد : هل كان الموقعون يعرفون لماذا يتحالفون ؟

هذا السؤال - لماذا نتحالف؟  - هو السؤال الذي تفشل في الإجابة عنه معظم الأحلاف المطروحة في منطقتنا اليوم , القوس الأوراسي والناتو الإسلامي العربي وكل صيغة تحالف إقليمي تُطرح في السياق الراهن تواجه اختبارا واحدا قبل كل شيء , هل هي ورقة ضغط تُلوح بها في التفاوض , أم خيار وجودي يُبنى عليه المصير ؟ الخلط بين الاثنتين لا يُنتج سياسة خارجية ,  ينتج أوهاما تنهار في أول اختبار جدّي .

التمييز بين النوعين ليس فلسفيا , هو إجرائي ودقيق ، الخيار الوجودي هو الحلف الذي تدفع الدولة ثمنا حقيقيا وفوريا حين تخرج منه أو تهدد بالخروج , حين أعلنت تركيا في أكثر من مناسبة تشكيكها في عضوية الناتو , اهتزت العواصم الغربية وعُقدت اجتماعات طارئة وقُدمت تنازلات , الثمن كان فوريا لأن الحلف حقيقي , أما ورقة الضغط فهي الحلف الذي تُلوِّح به دولة ما لتحسين موقعها التفاوضي , لكن إن فعلت ذلك فعلا لم يحدث شيء يُذكر . 

الدول التي خرجت من تجمعات إقليمية عربية متعددة في العقود الماضية لا تزال تعمل وتتنفس وتتفاوض كما كانت , الحلف الذي لا يُكلِّف الخروج منه شيئا ليس حلفا , هو إعلان نوايا .

ولفهم أين تقع الأحلاف المطروحة اليوم على هذا المحور , لا بد من ثلاثة معايير تُطبَّق بلا مجاملة .

المعيار الأول : هل يملك الحلف قرارا عسكريا مستقلا حين تنشأ الأزمة ؟ أي  هل تستطيع الدول الأعضاء أن تتحرك معا دون انتظار إذن من خارج الحلف ؟ الناتو الغربي نعم , وإن كان هذا يعني عمليا إذنا أمريكيا , القوس الأوراسي في ذروته كان يقترب من نعم , وإن كان يعني في الغالب إذنا صينيا أو روسيا , أي تجمع إسلامي عربي مقترح اليوم , لا ، لأن السعودية والإمارات وتركيا وباكستان لا يتفقون على تعريف التهديد المشترك , فكيف يتفقون على القرار المشترك ؟ 

المعيار الثاني : هل للحلف عدو مشترك موحِّد يُشعر كل عضو بأنه يحتاج الآخرين لمواجهته ؟ الناتو وُلد من رحم الخوف السوفيتي , والقوس الأوراسي يجمع أعضاءه الخوفُ من الهيمنة الأمريكية , لكن “ الناتو الإسلامي “  يُفترض أن يجمع دولا ترى في إيران خطرا وجوديا مع دول ترى في إسرائيل خطرا وجوديا , وهذان التعريفان المتعارضان لا يبنيان حلفا , بل يضمنان شلله .

المعيار الثالث : هل الحلف منتج للأمن أم مستهلك له؟ الحلف الحقيقي يُنتج أمنا لأعضائه يفوق ما يُنفقونه , أما الحلف الذي يستنزف موارد أعضائه في صراعات تخدم أجندات خارجية  فهو أداة توظيف , لا ضمان وجود  , الحلف الذي لا يُكلِّف الخروج منه شيئا ليس حلفا , هو إعلان نوايا .

بتطبيق هذه المعايير الثلاثة على القوس الأوراسي في لحظته الراهنة - مارس 2026 -  تظهر الصورة على حقيقتها , القوس كان في ذروته حلفا وظيفيا يجمع ثلاث قوى تشترك في معارضة النظام الغربي الأحادي : روسيا وإيران والصين.

روسيا تُقدم القوة العسكرية وعمق الجغرافيا الاستراتيجية , وإيران تُقدم الامتداد الإقليمي في الشرق الأوسط والقدرة على زعزعة الاستقرار كورقة ضغط , والصين تُقدم العمق الاقتصادي والقدرة التكنولوجية , هذا التوازن الوظيفي بين الثلاثة كان يجعل القوس أكثر من مجرد تحالف سياسي , كان نظاما متكاملا للردع.

 اليوم , بعد سقوط إيران عسكريا وتقليص نفوذها الإقليمي إلى حدّه الأدنى , و روسيا منشغلة في أوكرانيا , يبقى القوس قائما على ساق واحدة هي الصين , والصين - وهذا ما يُغفله كثير من التحليل - لا تريد أن تُقاتل , تريد أن تتجارى , تريد طرقا تجارية لا حروبا , وهذا يحوّل القوس الأوراسي من نظام ردع إلى شراكة اقتصادية استراتيجية , مهمة جدا , لكنها ليست الخيار الوجودي الذي كان.

الصين لن تدفع ثمنا عسكريا من أجل إيران أو روسيا ما دامت مصالحها التجارية تُمكِّنها من إدارة الأزمة بأدوات أخرى .

أما " الناتو الإسلامي " بصيغه المتعددة المطروحة , من قوة التدخل السريع السعودية إلى تحالف إسلامي أشمل , فهو يعاني من خلل بنيوي أعمق مما تكشفه الخلافات السياسية الظاهرة , الخلل ليس في غياب الإرادة السياسية ,  هو في غياب ما يسمّيه ابن خلدون " العصبية الجامعة " , العصبية عند ابن خلدون ليست مجرد انتماء مشترك , هي شعور جماعي بأن المصير واحد وأن الهزيمة مشتركة وأن النصر لا يتجزأ.

السعودية التي لا ترفض المشروع الإبراهيمي علنا , و الإمارات التي وقعت إتفاقيات إبراهيمية مع إسرائيل , لا تملكان العصبية ذاتها مع تركيا التي ترى في إسرائيل تهديدا حتى لو كان لديها سفارة , وباكستان التي تواجه الهند وجوديا لا تملك العصبية ذاتها مع دول الخليج التي تعيش تحت مظلة أمريكية , حلف بلا عصبية جامعة هو هيكل بلا روح , يقوم شكلا ويسقط في أول اختبار .

لكن - وهنا ما يُغفله التحليل المتشائم - غياب الخيار الوجودي لا يعني عدم جدوى ورقة الضغط , ورقة الضغط الجيدة لها قيمة استراتيجية حقيقية إن أُديرت بوعي .

تركيا نموذج يستحق الدراسة : هي تستخدم تهديد الخروج من الناتو ورقة ضغط - دون أن تنوي الخروج فعلا - لانتزاع تنازلات في ملفات السوريين والأكراد والتسليح , هذه اللعبة تعمل لأن تركيا تعرف قيمة ورقتها ولا تبالغ في لعبها حتى لا تفقد مصداقيتها , الخطأ الذي يقع فيه كثير من الدول الصغيرة هو أنها تلوِّح بالورقة دون أن تملك ثمن تنفيذها , فلا أحد يصدقها , وتخسر ورقتها دون أن تربح شيئا .

ما الذي يعنيه هذا كله لدول المنطقة التي تبحث عن موقع في هذا العالم المتحول ؟ الإجابة الصادقة هي أن لا أحد من الأحلاف المطروحة اليوم يقدم خيارا وجوديا حقيقيا لدول المنطقة , لأن الخيار الوجودي لا يأتي من الخارج , يأتي من الداخل .

مالك بن نبي كان يقول إن المجتمع الذي يبحث عن منقذ خارجي يكشف بذلك أنه فقد القدرة على إنقاذ نفسه , الحلف الخارجي يُضيف إلى القوة الموجودة , لكنه لا يعوِض عن القوة المفقودة , وقطعة الشطرنج التي لا تملك قيمة في ذاتها لا ينقذها وقوفها إلى جانب الملكة .

وهنا تعود نظرية التوظيف الجيوسياسي لتقول شيئا لم تقله الأوراق السابقة بهذه الصراحة : الأحلاف التي تُطرح على الدول الضعيفة ليست دائما خيارات حقيقية - هي أحيانا مسارح للتوظيف - حين تعرض على دولة عضوية في " الناتو الإسلامي " مقابل شروط معينة , أو حين تُغرى بالانضمام إلى القوس الأوراسي مقابل منافع اقتصادية , فالسؤال الذي ينبغي طرحه قبل القبول ليس (هل هذا الحلف قوي ؟ )  , بل ( لمن تخدم عضويتي فيه أكثر مما تخدمني ؟ ) , الحلف الذي تحتاجه أكثر مما يحتاجك لا يمنحك أمنا , يمنحك تبعية بعلامة تجارية مختلفة .

الشاطبي في " الموافقات " يُرسي قاعدة تبدو بعيدة عن الجيوسياسة حتى تُقرأ في سياقها الصحيح : " الوسائل تأخذ أحكام المقاصد " , الحلف وسيلة  قيمته من قيمة ما يخدمه , إن كان يخدم الاستقلال والسيادة والتنمية فهو أداة مشروعة تُستخدم بقدر ما تُفيد , وإن كان يخدم التبعية والتوظيف والاستنزاف فهو ضرر حتى حين يلبس ثوب الضرورة , والمشكلة أن الدول - كالأفراد - تميل إلى تبرير ما تحتاجه لا إلى تقييمه , وهذا الميل هو بالضبط ما تستغله القوى الهيمنية حين تُصمم أحلافها : تجعلها تبدو ضرورية لمن يحتاج إلى الشعور بالانتماء , حتى حين يكون الانتماء هو الفخ .

وتبقى مفارقة واحدة تستحق أن نختم بها هذه الورقة , الحلف الوحيد الذي يصمد تاريخيا أمام اختبار الزمن هو الحلف الذي لا يحتاجه أعضاؤه , بل يختارونه , الحلف الذي ينشأ من الحاجة يبقى رهينا بها , حين تنتهي الحاجة ينتهي الحلف , والحلف الذي ينشأ من القوة المشتركة والمصير المشترك والرؤية المشتركة يصنع تاريخا , الدول التي تبني قوتها الداخلية أولا , اقتصادا مستقلا , ومؤسسات راسخة , وشرعية شعبية حقيقية , هي التي تجلس إلى طاولة التحالف من موقع الشريك لا موقع المحتاج , وهذا الفارق - بين الشريك والمحتاج - هو الفارق بين الخيار الوجودي الحقيقي وورقة الضغط المؤقتة .

الأحلاف المطروحة اليوم في المنطقة - القوس الأوراسي المنقوص , والناتو الإسلامي المتعثِّر - ليست خيارات وجودية لأحد أعضائها الأضعف , هي أوراق ضغط بيد الأقوى فيها , وأن تعرف هذا التمييز قبل أن تُقرر , هو الحد الأدنى من الاستقلال المعرفي الذي يجعل السياسة الخارجية شيئا يتم اختياره , لا شيئا يفرض بعلامة تجارية جذابة .

 

ـــ المراجع ـــ

 

ابن خلدون , عبد الرحمن (808هـ). المقدمة - فصول العصبية وأطوار الدولة والتحالفات .

الشاطبي , إبراهيم بن موسى (790هـ). الموافقات في أصول الشريعة - قاعدة الوسائل والمقاصد .

بن نبي , مالك. شروط النهضة. دمشق: دار الفكر, 2000 .

شعبان , نايف. نظرية التوظيف الجيوسياسي - المقدمة النظرية الجامعة. منتدى الاستقلال , فبراير 2026.

شعبان , نايف. اللعبة الكبرى: كيف تتداخل أحداث فنزويلا وإيران وسوريا وهرمز في نظرية واحدة. منتدى الاستقلال , مارس 2026.

 

Waltz, Kenneth. Theory of International Politics. McGraw-Hill, 1979. [يُستخدم للمقارنة النقدية - نظرية التوازن والاستقرار الهيكلي].

Mearsheimer, John. The Tragedy of Great Power Politics. Norton, 2001. [يُستخدم للمقارنة - حدود نظرية الواقعية الهجومية في تفسير أحلاف الأطراف].

Crisis Group. "Turkey and NATO: The Art of Managed Tension". March 2025 .

IISS. "The Military Balance 2026". London: International Institute for Strategic Studies, 2026 .

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!