الوضع المظلم
الثلاثاء ١٧ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
البيت الكوردي السوري من الداخل- تحديات ووظائف الصراع
إبراهيم بهلوي

اكتسبت تركيا خبرة طويلة في تعكير صفو شعوب المنطقة وبثّ الفتن بينها، وتحاول اليوم مجدداً نقل هذه الخبرة إلى الساحة السورية عبر إشعال الصراع الكوردي–الكوردي، بعدما بات تلاحم الكورد يتجاوز الجغرافيا المصطنعة والحدود السياسية.

لم يكن هذا المسار جديداً على أنقرة. فمن رمي جثة مقاتلة كوردية في شوارع حلب، إلى قصّ ضفائر مقاتلة أخرى على أيدي مجموعات يصفها الإعلام العربي زوراً بـ«الجيش السوري»، بينما هي امتداد لقوى ظلامية إرهابية ما زال فكرها الإقصائي ينهش العقول، ويُشرعن تصفية كل مكوّن عرقي أو ديني أو قومي مخالف.

في هذا السياق، أصبح الوجود الكوردي في سوريا على المحك، نتيجة تفاهمات إقليمية واتفاقات دولية دعمت سلطة دمشق مقابل تنازلات سياسية واقتصادية، والتخلّي عن خيار مقاومة الاحتلال، بل الترحيب به كـ«دولة ذات سيادة» على كامل الجغرافيا السورية.

في المقابل، شكّل موقف إقليم كوردستان، وعلى رأسه الزعيم مسعود بارزاني، وسياسة حزبه الداعمة لكورد سوريا، شرارة حراك قومي واسع، تُرجم بتحركات دبلوماسية لقادة الإقليم، وبروز روح كوردية رافضة للظلم. ترافقت هذه الروح مع تظاهرات في مدن الإقليم، ومدن الشمال في تركيا، وحراك شعبي متواصل في أوروبا، إضافة إلى دور إعلامي كوردي وصل إلى الكونغرس الأمريكي والبيت الأبيض، واضعاً قضية كورد سوريا أمام صانعي القرار في واشنطن.

هذا الزخم انعكس مباشرة على الداخل السوري، حيث شاهد كورد سوريا رايتهم القومية ترفرف إلى جانب أعلام وحدات الحماية، ما عزّز تمسكهم بقضيتهم واستجابتهم لنداء النفير العام، في ظل قناعة راسخة تشكّلت بعد خيانات متكررة مفادها: لا حليف للكوردي سوى الكوردي.

هذا التماسك القومي لا يروق لتركيا، التي لطالما اعتمدت سياسة «فرّق تسُد» لضرب أي مشروع كوردي جامع. فأنقرة تمتلك أدوات كثيرة لتحريك الفتن في التوقيت المناسب، وتسعى اليوم إلى استغلال أي خلاف داخلي، ولا سيما الخلاف حول الراية الكوردية، لتحويله إلى صراع سياسي وربما عسكري بين الكورد أنفسهم.

يرى كثيرون أن سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي، ولا سيما شعار «أخوة الشعوب»، فشلت عملياً، إذ تعرّض الكورد تحت هذا الشعار لخيانة ومجازر، ما أحدث شرخاً عميقاً في الشارع الكوردي. لذلك فضّل كثير من المقاتلين حماية مناطقهم ورفع العلم الكوردي في المدن ذات الغالبية الكوردية، باعتباره رمزاً للهوية والوجود.

في المقابل، لا يزال بعض قياديي حزب الاتحاد الديمقراطي يصرّون على أولوية مفهوم «أخوة الشعوب» على المفاهيم القومية، رغم إدراكهم صعوبة تطبيقه بعد الكارثة التي تعرّض لها الكورد. الأخطر من ذلك، إنكارهم لكون العلم الكوردي راية جامعة، رغم جذوره التاريخية المرتبطة بأمراء بدرخان من كورد سوريا.

هنا يكمن الخطر الأكبر: ستعمل تركيا على استغلال هذا الخلاف الرمزي لإشعال فتنة داخلية، بحيث يتبادل الطرفان الاتهامات، بينما تكون أنقرة وأدواتها المستفيد الوحيد.إذا لم يتدخل العقلاء من الجانبين، ويدركوا أن ما يجري لعبة تركية بامتياز، فإن وحدة الصف الكوردي ستنهار، وستُفرغ مؤتمرات التوافق، ككونفرانس القامشلي، من مضمونها، ليعود الكورد عقوداً إلى الوراء.

عندها، لن يبقى سوى الشارع الكوردي حكَماً فاصلاً، بعد خمسين عاماً من الاضطهاد في ظل البعث، وخيبات متكررة تحت شعارات لم تحمه من المجازر.

ليفانت: إبراهيم بهلوي

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!