الوضع المظلم
الإثنين ٢٦ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
  • الشارع الإيراني كفاعل استراتيجي: نهاية الدولة المغلقة

  • مشهد الميدان: مدن تتحوّل إلى جبهات مفتوحة
الشارع الإيراني كفاعل استراتيجي: نهاية الدولة المغلقة
سامي خاطر

تشهد مدن إيرانية كبرى، من طهران إلى مشهد ورشت وكرمانشاه وزاهدان، نمطًا متصاعدًا من المواجهات المتحركة بين الشباب الثائر وقوات القمع. لم تعد الاحتجاجات مجرد تجمعات رمزية، بل باتت أقرب إلى حرب استنزاف حضرية قائمة على الكرّ والفرّ، تُربك أجهزة الأمن وتكشف حدود قدرتها على السيطرة. هذا التحوّل الميداني يعكس انتقال الحراك من طور الغضب العفوي إلى دينامية مقاومة نشطة تتعلم، وتتكيّف، وتعيد الانتشار.

طهران كساحة حرب: قراءة في توصيف فوكس نيوز

توصيف فوكس نيوز لطهران بأنها تحولت إلى "ساحة حرب" ليس توصيفًا إعلاميًا مبالغًا فيه، بل توصيفًا أمنيًا دقيقًا. انتشار الميليشيات المدججة بالسلاح الثقيل، واستخدام العربات المدرعة، وإغلاق الأحياء، كلها مؤشرات على أن النظام يتعامل مع شعبه بوصفه عدوًا داخليًا.  هذا الخيار الأمني يعكس قناعة راسخة لدى النظام بأن الأزمة وجودية، وأن أي تراجع تكتيكي قد يفتح باب الانهيار الاستراتيجي.

قوات الحرس: من أداة قمع إلى عبء سياسي دولي

لم تعد قوات الحرس مجرد جهاز أمني داخلي، بل أصبحت مشكلة سياسية دولية.  مطالبة نائب بريطاني صريحة باستهداف آلة القتل التابعة للحرس لمنع تكرار السيناريو السوري تمثل تحولًا نوعيًا في الخطاب الغربي:  من إدارة الأزمة إلى التفكير في كبح أدوات القمع ذاتها. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن ترك الحرس دون محاسبة يعني السماح بانزلاق إيران نحو حرب أهلية مُدارة بالقوة الغاشمة.

لوكسمبورغ وكسر المحرّم الأوروبي

قرار برلمان لوكسمبورغ بتصنيف قوات الحرس منظمة إرهابية يحمل دلالات تتجاوز حجمه الجغرافي. إنه كسر لمحرم سياسي أوروبي طالما أُجل تحت ذريعة "الحوار" و"الانخراط البنّاء". هذه الخطوة تفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة مع النظام الإيراني على أساس المساءلة لا الاسترضاء، وتضع دول الاتحاد الأوروبي أمام اختبار أخلاقي وسياسي حقيقي.

الانتفاضة كمسار لا رجعة فيه

تصريح باتريك كينيدي بأن انتفاضة إيران هي "طوفان لا رجعة فيه" يعكس قراءة استراتيجية لا تعتمد على عدد المتظاهرين فقط، بل على تآكل شرعية النظام وانهيار قدرته على إنتاج أي سردية جامعة. الطوفان هنا ليس لحظة انفجار، بل مسار تراكمي يستمد قوته من استمراريته وتجدده، ومن اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة.

من ثورة الدستور إلى انتفاضة يناير 2026: صراع الاستراتيجيات

السؤال المركزي لم يعد: هل سيسقط النظام؟ بل:  كيف؟ تاريخ إيران الحديث يعرض نماذج متعددة، من ثورة الدستور إلى الانتفاضات المتقطعة. لكن انتفاضة يناير 2026 –  بما تحمله من تنظيم، وامتداد جغرافي، وربط بين الداخل والخارج – تمثل نقلة نوعية في الصراع. إنها ليست مجرد احتجاج، بل مشروع تغيير في مواجهة مشروع بقاء سلطوي.

لا حرب ولا استرضاء: مأزق الخيارات التقليدية

الخيارات المطروحة دوليًا – الحرب أو الاسترضاء –  أثبتت فشلها. الحرب تمنح النظام ذريعة القمع وتوحيد الصفوف بالقوة، والاسترضاء يطيل عمر آلة القتل. هذا المأزق يفرض البحث عن خيار ثالث يركز على تفكيك بنية القمع لا تعزيزها.

المقاومة المنظَّمة: الطريق الوحيد القابل للحياة

في هذا السياق، تبرز المقاومة المنظَّمة بوصفها الخيار الوحيد القادر على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة تغيير مستدامة.  تنظيم قادر على الصمود، ويمتلك رؤية سياسية، ويستند إلى شبكة داخلية وخارجية، هو الشرط الضروري لتجنب سيناريوهات الفوضى أو إعادة إنتاج الاستبداد. من دون ذلك، يبقى التغيير عرضة للاختطاف.

خلاصة استراتيجية

إيران تقف اليوم عند مفترق تاريخي.  نظام الملالي اختار العسكرة الشاملة، والمجتمع اختار التمرد المستمر. ما بينهما، يتشكل صراع استراتيجيات لن يُحسم بالبيانات ولا بالمسكنات الدبلوماسية.  الرهان الحقيقي هو على تمكين الشعب الإيراني من أدوات التغيير المنظم، وكبح آلة القمع، وقطع الطريق على تكرار مآسي المنطقة. دون ذلك، لن يكون السؤال متى يسقط النظام، بل كم ستكون كلفة تأخر سقوطه.

إلى المتظاهرين الأحرار في شوارع إيران، إنّ صمودكم هو المعنى الحقيقي للقوة، واستمراركم هو الرسالة التي لا تستطيع آلة القمع إسكاتها. لقد أثبتم أن الإرادة الشعبية، حين تتجذر في الوعي وتتحول إلى فعل جماعي، أقوى من السلاح وأبقى من الخوف. كل يوم تخرجون فيه إلى الميادين، وأنتم متمسكون بحقكم في الكرامة والحرية، تُوسّعون الشرخ في جدار الاستبداد وتُقرّبون لحظة التغيير. إنّ التاريخ لا يتقدم بالقفزات، بل بتراكم الشجاعة، وأنتم اليوم تصنعون هذا التراكم بإصراركم وسلميتكم ووحدتكم.  واصلوا الثورة بثبات، واحموا قيمها، فالمستقبل يُبنى على أكتاف الذين لم يتراجعوا حين اشتد الظلام.

د. سامي خاطر 

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!