الوضع المظلم
الأحد ١١ / أكتوبر / ٢٠٢٦
Logo
  • المرأة وجسدها بين الحرية والوصاية

  • كيف نرفض التشييء الجنسي والتمييز بين الجنسين من دون فرض وصاية على جسد المرأة؟
المرأة وجسدها بين الحرية والوصاية
المرأة وجسدها بين الحرية والوصاية

مقالة فلسفية في الاستقلالية والمساواة وحرية الاختيار

رسلان عامر

مقدمة: سؤال التحرر وحدود الوصاية

أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الانطلاق من مبدأ فلسفي أساسي: جسد المرأة هو جسد إنسان، وليس ملكًا للرجل، ولا ملكًا للأسرة، ولا ملكًا للدين، ولا ملكًا للدولة؛ والمرأة نفسها هي صاحبة الحق الأول في تقرير كيفية التعامل معه، ضمن الحدود العامة التي تحمي حقوق الآخرين.

لكن هذه العبارة، على أهميتها، لا تحل المشكلة وحدها؛ إذ يبقى السؤال: كيف نميّز بين الاختيار الحر وبين الاختيار الذي تشكّله علاقات السلطة والضغط الاجتماعي؟ وكيف نمنع التشييء من دون أن نفرض على المرأة تعريفًا مسبقًا للتحرر؟

سأبني الإجابة على خمسة مبادئ مترابطة.

أولًا: نقل مركز الاهتمام من الجسد إلى الشخص

تبدأ مشكلة التشييء عندما يتراجع الإنسان بوصفه ذاتًا عاقلة مستقلة، ويُختزل إلى خاصية واحدة فيه: جسده، أو جنسه، أو مظهره، أو قدرته على إثارة الرغبة.

في بعض المنظومات المحافظة، يُنظر إلى جسد المرأة باعتباره مصدرًا للفتنة ينبغي ضبطه وتغطيته. وفي بعض البيئات الاستهلاكية، يُنظر إليه باعتباره مصدرًا للجاذبية يمكن توظيفه تجاريًا وتسويقه لتحقيق الربح.

تختلف الغايات والآليات، لكن كلا النموذجين قد يجعل جسد المرأة محورًا لتحديد قيمتها الاجتماعية، بدلًا من التعامل معها بوصفها شخصًا كاملًا له إرادته وعقله وقدراته وحقوقه.

ومع ذلك، ينبغي أن نكون دقيقين: ليس كل احتشام تشييئًا، وليس كل كشف للجسد تشييئًا. فالمرأة قد تختار التغطية أو عدمها من دون أن تختزل ذاتها إلى جسدها، وقد تتعرض للتشييء في الحالتين.

إذن، لا يكون معيار التحرر هو مقدار الجسد المكشوف أو المستور، وإنما ألا تُختزل قيمة المرأة الإنسانية إلى جسدها، وألا تُختزل حقوقها في تصورات الآخرين عن ذلك الجسد.

وهذا يقتضي تغييرًا ثقافيًا عميقًا: أن نتوقف عن التعامل مع جسد المرأة بوصفه شأنًا أخلاقيًا عامًا يحق للمجتمع التدخل فيه وضبطه باستمرار؛ فلا يُفرض عليها إخفاء جسدها باسم الفضيلة، ولا تُختزل قيمتها في جاذبيته وقدرته على استقطاب الأنظار والرغبات باسم الحرية أو التسويق.

ثانيًا: اعتماد الاستقلالية معيارًا، لا شكل اللباس

إذا كانت المرأة شخصًا مستقلًا، فإن حقها في تقرير كيفية لباسها ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق، لا مكافأة تمنحها لها الدولة أو الأسرة بعد التأكد من أن اختيارها يوافق تصورًا معينًا للتحرر.

وهذا يعني الاعتراف المتساوي بحق المرأة البالغة في أن ترتدي الحجاب، أو تخلعه، أو تختار لباسًا محتشمًا أو غير محتشم (بالمعايير التقليدية)، من دون أن يصبح أي من هذه الخيارات دليلًا تلقائيًا على فضيلتها أو خضوعها أو تحررها.

لكن هل يكفي أن تقول المرأة إنها اختارت بحرية؟ ليس بالضرورة، فالاختيار الإنساني يتشكل دائمًا داخل بيئة اجتماعية وثقافية، وقد تختار المرأة لباسًا معينًا تحت ضغط الأسرة، أو الخوف من النبذ، أو التهديد، أو توقع العقوبة، وقد تتعرض لضغوط مختلفة كي تكشف جسدها أو تتبنى معايير جمالية لا تريدها.

لذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور:

وجود الاختيار: أن تكون المرأة قادرة فعليًا على اختيار لباسها.

استقلال الاختيار: أن تتمكن من اتخاذ القرار ورفض البدائل من دون إكراه أو تهديد أو عقوبة غير مشروعة.

تقييم الاختيار: أن نرى نحن أن قرارها حكيم أو خاطئ، متحرر أو محافظ، من دون أن يعني ذلك أن لنا حق فرض بديل عليه.

وقد ننتقد المعتقد الذي تستند إليه امرأة في اختيارها، وقد نرى أن بعض آثار ذلك المعتقد تعزز علاقات غير متساوية بين الجنسين، لكن هذا النقد لا يمنحنا تلقائيًا حق إلغاء اختيارها.

فالاستقلالية لا تعني أن تختار المرأة ما نراه نحن صحيحًا؛ بل أن تمتلك القدرة على الاختيار والرفض وإعادة النظر في قرارها.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: إذا منعنا المرأة من الحجاب لأننا نعتقد أن الحجاب ينتقص من كرامتها، فقد نفرض عليها تصورنا نحن للكرامة بالطريقة نفسها التي بها فرض تصور ديني عليها ننتقده بدورنا، وإذا أجبرناها على الحجاب باسم الدين، فقد سلبناها حقها في تقرير لباسها باسم حماية الفضيلة.

وفي كلتا الحالتين، يصبح جسد المرأة ساحة تتنافس عليها سلطتان، بينما تُهمّش إرادتها.

ثالثًا: التمييز بين حرية الاعتقاد وحق فرض الاعتقاد

هذه النقطة أساسية في مجتمع علماني وديمقراطي.

من حق الإنسان أن يعتنق معتقدًا دينيًا أو فلسفيًا، حتى لو رأى الآخرون أن بعض مضامينه غير عقلانية أو غير مساواتية، لكن هذا الحق لا يمنحه حق فرض معتقده على الآخرين، أو تحويله إلى أساس لحرمانهم من حقوقهم.

لذلك ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

المستوى الأول — الاعتقاد: من حق الشخص أن يؤمن بأن الحجاب واجب ديني، أو أن يرفضه، أو أن يتبنى تصورًا محافظًا لأدوار الجنسين، ولا ينبغي أن يكون مجرد الاعتقاد سببًا للعقاب القانوني.

المستوى الثاني — الممارسة الشخصية: من حق المرأة البالغة أن تختار لباسها وفق معتقداتها وقناعاتها، حتى لو رأى الآخرون أن هذه القناعات خاطئة، ولا يجوز تحويل الاختلاف الفكري وحده إلى مبرر لمنعها من الممارسة.

المستوى الثالث — الإكراه والتمييز: إذا استخدم شخص أو مؤسسة القوة أو التهديد أو التمييز لفرض اللباس على المرأة أو منعها منه، فهنا يجوز تدخل القانون لحماية استقلالها وحقوقها، وفق قواعد واضحة ومتساوية.

وبهذا المعنى، لا يتطلب احترام حرية المرأة الموافقة على كل تبرير ديني للحجاب، كما لا يتطلب احترام حرية الاعتقاد التسامح مع الإكراه باسم الدين.

بل إن العلمانية القائمة على استقلال المجال العام عن المرجعيات الدينية تستطيع أن توفر إطارًا لهذا التمييز: فلا يُفرض الحجاب على المرأة باسم الدين، ولا يُمنع عنها لمجرد أنه ديني.

وهذا لا يعني أن جميع القيود المتعلقة باللباس غير مشروعة في كل الظروف؛ فقد تقتضي بعض الوظائف أو متطلبات السلامة أو قواعد التحقق من الهوية ضوابط محددة، لكن ينبغي تبريرها بمصلحة مشروعة ومحددة، وأن تكون ضرورية ومتناسبة، لا أن تتحول إلى وسيلة لفرض عقيدة الدولة أو تصورها الأخلاقي على الأفراد.

رابعًا: حماية المرأة من الإكراه، لا من خياراتها الشخصية

هنا نصل إلى التمييز العملي الأهم.

إذا أرادت امرأة ارتداء الحجاب، فلا ينبغي إجبارها على خلعه، وإذا أرادت خلعه، فلا ينبغي إجبارها على ارتدائه.

قد تبدو هذه القاعدة بسيطة، لكنها تفرض على المجتمع مواجهة أشكال متعددة من السلطة:

السلطة الدينية أو الأسرية: حين تُهدَّد المرأة أو تُعاقب أو تُحرم من التعليم والعمل لأنها ترفض الحجاب.

السلطة السياسية: حين تحظر الدولة الحجاب على امرأة بالغة لمجرد أنها ترى أن اختيارها غير متحرر أو غير منسجم مع تصور رسمي للعلمانية.

السلطة الاستهلاكية والاجتماعية: حين تتعرض المرأة لضغوط تسويقية أو مهنية أو اجتماعية تدفعها إلى كشف جسدها أو تغيير مظهرها وفق معايير لا تريدها.

ولا يعني وضع هذه الضغوط في إطار تحليلي واحد أنها متساوية في طبيعتها أو شدتها أو نتائجها؛ بل يعني أن المعيار الحقوقي يجب أن يسأل في كل حالة: من يملك سلطة القرار؟ وما مدى حرية المرأة؟ وما الأضرار التي تتعرض لها إن رفضت الامتثال؟

لنتصور الحالات التالية:

امرأة بالغة تختار الحجاب بحرية: يجب احترام اختيارها.

امرأة بالغة تُجبر على الحجاب: يحب حمايتها من الإكراه.

امرأة بالغة تختار خلعه وتُهدد بسبب ذلك: يجب حمايتها من الإكراه.

امرأة تُستبعد من العمل لمجرد مظهرها، من دون مبرر مشروع: يجب فحص التمييز الواقع عليها.

امرأة تتعرض لضغط تجاري أو اجتماعي لتغيير مظهر جسدها: يجب حماية استقلالها ومواجهة الممارسات التمييزية أو الاستغلالية حيث تنطبق القواعد القانونية.

لاحظ أن هذا المعيار لا يسأل أولًا: هل الحجاب جيد أم سيئ؟ بل يسأل: هل المرأة حرة؟ وهل تُحترم حقوقها؟ وهل تُطبَّق عليها وعلى الرجل معايير متكافئة؟

وهذا لا يجعل نقد الحجاب بوصفه ظاهرة ثقافية أمرًا ممنوعًا؛ بل يفصل بين حرية نقد الأفكار وحرية الأفراد في الاختيار.

فحرية المرأة لا تعني تحصين معتقداتها من النقد، كما أن نقد معتقداتها لا يمنحنا سلطة الوصاية عليها.

ومن ثم.. يمكننا أن نكتب نقدًا فلسفيًا جذريًا لمفهوم العورة، وللتصورات التي تربط جسد المرأة بفتنة الرجل، وللأحكام التي تفرض عليها قيودًا غير متكافئة، لكن هذا النقد يختلف بقوة عن مطالبة الدولة بمعاقبة المرأة التي ترتدي الحجاب.

خامسًا: هل تكفي حرية الاختيار وحدها لتحقيق المساواة؟

لا. وهذه نقطة لا ينبغي أن تضيع وسط الدفاع عن الحرية الفردية.

قد تكون المرأة حرة قانونيًا في اختيار لباسها، لكنها تعيش في مجتمع يحمّلها وحدها مسؤولية الشرف العائلي، أو يربط سمعتها الجنسية بمظهرها، أو يفرض على الرجل والمرأة معايير أخلاقية مختلفة.

وقد تكون حرة قانونيًا في خلع الحجاب، لكن أسرتها أو محيطها الاجتماعي يجعلان هذا الخيار مكلفًا للغاية، وقد تكون حرة قانونيًا في ارتدائه، لكن المؤسسة التي تعمل فيها تعاقبها عليه من دون مبرر كافٍ.

لذلك فإن احترام الاختيار لا يعفينا من نقد البنى الاجتماعية التي تجعل بعض الاختيارات أسهل من غيرها، أو تجعل المرأة تدفع ثمنًا أكبر من الرجل بسبب جسدها.

وهنا ينبغي التمييز بين مستويين من الحرية: الحرية السلبية، التي تعني ألّا يتعرض الفرد للإكراه أو التدخل القسري الذي يمنعه من الاختيار؛ والحرية الفعلية، التي تعني أن يمتلك الفرد الإمكانات والموارد اللازمة لتحويل اختياراته إلى واقع وممارسة حقوقه عمليًا، فعدم منع الإنسان من ممارسة حقٍّ ما لا يعني بالضرورة أنه قادر على ممارسته؛ إذ قد تحول ظروفه الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها دون ذلك، حتى في غياب أي إكراه مباشر.

لا يكفي أن نقول للمرأة إنها حرة إذا كانت لا تستطيع رفض الحجاب من دون خوف، أو ارتداءه من دون خسارة عملها، أو المشاركة في الحياة العامة من دون التعرض للتحرش أو التمييز.

ولهذا تحتاج المساواة إلى مؤسسات وقوانين وسياسات تحمي المرأة من العنف والإكراه والتمييز، وتكفل فرصًا متكافئة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.

كما تحتاج إلى ثقافة اجتماعية لا تجعل لباس المرأة مقياسًا لشرف الأسرة، ولا تجعل جسدها أداة لتسويق المنتجات، ولا تفترض أن الرجل عاجز عن ضبط سلوكه الجنسي ما لم تتولى المرأة إخفاء جسدها.

سادسًا: ما المعيار الأخلاقي الذي يحسم المسألة؟

أقترح اعتماد مبدأ يمكن تسميته «مبدأ السيادة الشخصية المتساوية على الجسد».

ومضمونه أن كل إنسان يتمتع بحق متساوٍ في تقرير كيفية التعامل مع جسده، وألا يخضع هذا الحق لسلطة اعتباطية من الأسرة أو المؤسسة الدينية أو الدولة أو السوق أو أي شخص آخر.

ويقوم هذا المبدأ على أربعة شروط:

الاستقلالية: أن يكون الفرد قادرًا على اتخاذ قراراته المتعلقة بجسده من دون إكراه أو تهديد.

المساواة: ألا تُفرض على المرأة قيود لمجرد كونها امرأة، بينما يُعفى الرجل من القيود المناظرة.

عدم الإضرار بالآخرين: أن تكون ممارسة الحرية متوافقة مع حقوق الآخرين، لا أن يُفترض وجود ضرر لمجرد أن الممارسة تخالف معتقداتهم.

الحماية من الاستغلال: ضمان ألّا تكون الموافقة الظاهرية غطاءً لإكراه أو ضغط أو استغلال يستفيد من حاجة الشخص الاقتصادية أو تبعيته الاجتماعية أو حالة ضعفه، بما يقوّض قدرته الفعلية على الرفض والاختيار الحر.

ولا يعني هذا المبدأ أن الفرد يستطيع فعل أي شيء بجسده بلا حدود، أو أن كل اختيار يصدر عنه سليم أخلاقيًا، بل يعني أن التدخل في قراراته يحتاج إلى مبرر يتجاوز مجرد عدم موافقة الآخرين عليها.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين الأخلاق والقانون، فقد نرى سلوكًا ما غير حكيم أو متأثرًا بأفكار ننتقدها، لكننا لا نستنتج من ذلك مباشرة وجوب تجريمه أو منعه.

سابعًا: هل يحل هذا المبدأ التناقض بين الحرية والمساواة؟

ليس بصورة آلية، لكنه يوفر معيارًا أفضل لحل التعارضات.

لنفترض أن امرأة ترتدي الحجاب لأنها تؤمن بأنه واجب ديني، وأنها ترى في هذا الالتزام تعبيرًا عن قناعتها الأخلاقية؛ قد نعتقد، انطلاقًا من فلسفة المساواة، أن بعض التبريرات التقليدية للحجاب تنطوي على تصور غير عادل لجسد المرأة، ومن حقنا نقد هذه التبريرات ومناقشة آثارها الثقافية.

لكن ما دام قرار المرأة حرًا، فلا يجوز أن نستنتج من نقد الفكرة أن علينا إجبارها على خلع الحجاب.

ولنفترض، في المقابل، أن امرأة أخرى ترى أن الحجاب يقيدها، وتريد خلعه، لكن أسرتها تهددها إذا فعلت، هنا لا يكون احترام حرية الاعتقاد مبررًا للامتناع عن التدخل؛ لأن حرية الأسرة في اعتناق معتقد ديني لا تشمل حقها في فرضه بالإكراه على شخص آخر.

في الحالة الأولى، حماية الحرية تقتضي عدم منع المرأة من الحجاب؛ وفي الحالة الثانية، حماية الحرية قد تقتضي التدخل لمنع الإكراه.

وهذا ليس تناقضًا، بل تطبيق لمعيار واحد على حالتين مختلفتين.

لكن ثمة نقطة مهمة ينبغي مراعاتها: ليس كل ضغط اجتماعي يُعدّ إكراهًا بالمعنى القانوني. فقد تتعرض امرأة، مثلًا، لانتقادات أسرتها أو استنكارها إذا رفضت ارتداء الحجاب؛ وهذا ضغط قد يقيّد استقلالها، لكنه لا يشكّل بالضرورة إكراهًا يعترف به القانون. أما إذا اقترن الرفض بالتهديد بالعنف أو الحبس أو بأذى جسيم، فقد تتوافر شروط الإكراه القانوني، بحسب التشريع وظروف الحالة. وفي المقابل، لا يعني تأثر الاختيارات بالعوامل الثقافية والاجتماعية أنها غير حرة بالضرورة. لذلك، ينبغي أن يراعي أي تدخل طبيعة الضرر وشدته، ودرجة الإكراه، والحقوق المتعارضة، وألّا يتحول إلى وصاية تجعل الدولة تقرر نيابة عن البالغين نمط الحياة الذي ينبغي لهم اتباعه.

 

الخلاصة الفلسفية

بعدما ما تقدم من شرح، نعود إلى السؤال الأصلي: كيف نرفض التشييء الجنسي والتمييز بين الجنسين من دون أن نستبدل الوصاية الدينية بوصاية سياسية أو ثقافية؟

الجواب،  بتقديرنا هو أن نغيّر موضوع الحماية نفسه.

ليس في أن نحمي المرأة من جسدها، ولا أن نحمي المجتمع من جسد المرأة، ولا أن نحميها من خياراتها لمجرد أننا نختلف معها، بل أن نحمي حقها في أن تكون ذاتًا إنسانية مستقلة، لا موضوعًا تتحكم فيه إرادة الآخرين.

وبناءً على ذلك:

نرفض أن تكون المرأة عورة بالمعنى الذي يجعل جسدها عبئًا أخلاقيًا استثنائيًا، أو يجعلها مسؤولة عن ضبط رغبات الرجل.

نرفض أن تكون المرأة سلعة تسويقية، أو أن تتحدد قيمتها الاجتماعية بقدرتها على إثارة الرغبة أو مطابقة معايير الجمال التجارية.

نرفض فرض الحجاب عليها باسم الدين، كما نرفض فرض خلعه عليها باسم التحرر.

ننتقد المعتقدات والممارسات التي تنتقص من المساواة، من دون أن نحول كل اعتقاد مخالف إلى جريمة.

نواجه الإكراه والتمييز والعنف، ونضمن للمرأة القدرة الفعلية على اختيار لباسها ومراجعته وتغييره.

وهنا لابد من التشديد على نقطة تتصل مباشرة بالتحليل السابق: ليس المطلوب أن نثبت أن الحجاب ممارسة تحررية حتى نحترم حق المرأة في ارتدائه؛ وليس المطلوب أن نثبت أن كل حجاب تشييء حتى ننتقد التصورات التي تختزل المرأة إلى عورة وفتنة.

يمكن أن يكون لنا موقف فلسفي نقدي جذري من مفهوم العورة ومن البنية الذكورية التي أنتجت بعض تبريراته، وفي الوقت نفسه ندافع عن حق المرأة البالغة في ارتداء الحجاب بإرادتها الحرة.

فهذا الدفاع لا يمنح المنظومة الدينية حصانة من النقد، بل يمنعنا من تحويل نقد المنظومة إلى سلطة على المرأة التي تتبناها.

والمعيار النهائي ليس أن ترتدي المرأة ما نعتقد أنه يحررها، بل أن نضمن ألا يُفرض عليها ما ترتديه أو ما تخلعه، وأن تمتلك الحقوق والقدرة الواقعية على أن تقرر بنفسها.

وهذا، في تقديرنا، هو الفارق الجوهري بين تحرير المرأة وبين إعادة إخضاعها باسم تحريرها.

 

—

إعداد رسلان عامر

بالتعاون مع تشات جي بي تي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!