-
السويداء وتقرير المصير: بين حقّ الشعوب ووحدة الدول
تمهيد
لم يعد سؤال السويداء سؤالًا محليًا يُحسم بالأساليب الأمنية، فبعد أحداث تموز/يوليو 2025 الدامية، ثم أكثر من عام من التهجير والتعبئة المسلحة والتوتر الحاد المستمر مع السلطة الراهنة، لم يعد جدلُ أهالي السويداء يدور حول أصل حقهم في تقرير المصير (Self-determination، أي حق الشعوب في تقرير وضعها السياسي)، فالإجماع عليه صار شاملا بينهم، والجدل صار ينحصر حول صيغة هذا الحق، فمنهم من بات يطالب بالاستقلال التام (Complete Independence)، ومنهم من يرى في الفيدرالية (Federalism) أو الحكم الذاتي (Autonomy) أو اللامركزية (Decentralization) سبلًا أقلّ كلفة وأكثر قابلية للتحقق.
ويصف أهالي السويداء ما تعرضوا له بأنه إبادة طائفية، بينما وصفته لجنة التحقيق الدولية المستقلة بأنه انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب؛ غير أن المفهوم القانوني أضيق من الشعار السياسي وأدقّ منه؛ وهذه الدراسة تحاول أن تفصل بين ما هو حق ثابت في القانون الدولي والتوظيفٍ السياسي لهذا الحق، وأن تقيّم ما يمكن أن يتحقق منه فعلًا، معتمدةً في الوقائع على توثيق لجنة التحقيق الدولية والمؤسسات المعلنة؛ أما ما يُنقل عن مواقف أهالي السويداء ومزاجهم العام فمصدره شهادة الكاتب نفسه بوصفه من أبناء المحافظة، ويُشار إليه في النص بعبارة «بحسب المشاهدة الميدانية»، تمييزًا له عن الوقائع الموثقة بشكل رسمي.
ويجدر التنويه، أن هذ الدراسة تقارب قضية السويداء بمنهجية "دراسة حالة قانونية" (Case study)، فتطبّق قواعد القانون الدولي في تقرير المصير على الوقائع المتاحة، وهي لا تتبني صيغة بعينها من صيغ المستقبل، سواء كانت الاستقلال أم الفيدرالية أم الحكم الذاتي أم البقاء في دولة مركزية، وإنما تختبر بشكل تقني موضوعي ما يتيحه القانون الدولي لكل منها.
وتتبع المقالة المنهج الوصفي التحليلي، فتعرض الوقائع الموثقة، ثم تحلّلها في ضوء القانون، ثم تعلن خلاصاتها بوضوح؛ وهي تعتمد في الوقائع على ما وثّقته لجنة التحقيق الدولية وما أعلنته المؤسسات الرسمية.
أولًا: التركيبة الديموغرافية لمحافظة السويداء
تتسم محافظة السويداء بأغلبية سكانية درزية واضحة، إذ تتفق معظم التقديرات الديموغرافية المتاحة على أن الموحدين الدروز يشكلون نحو 87–90% من مجموع السكان، ما يجعلهم المكوّن السكاني الغالب في المحافظة؛ وإلى جانبهم توجد نسبة مسيحية تاريخية، يُقدّر حجمها بنحو 25 إلى 30 ألف نسمة وفق تقديرات السنوات الأخيرة، أي ما يقارب 6–8% من السكان، وقد كان عدد المسيحيين أكبر قبل عام 2011، إذ تشير بيانات منقولة عن مركز الإحصاء في كنيسة الروم الأرثوذكس إلى أنه تجاوز 55 ألف نسمة، قبل أن يتراجع بفعل الهجرة والنزوح؛ أما المكوّن السني، فيتوزع أساساً بين أبناء العشائر العربية البدوية، إلى جانب سنة غير منتمين إلى التجمعات البدوية، ولا تتوافر إحصاءات موثوقة تحدد حجم الفئة الأخيرة بصورة مستقلة، وفيما يتعلق بالبدو، تشير وثيقة رسمية صادرة عن دائرة النفوس في محافظة السويداء بتاريخ 31 كانون الأول/ديسمبر 2023 إلى تسجيل 33,122 شخصاً، من أصل 569,861 شخصاً في مجموع القيود السكانية للمحافظة، أي ما يعادل نحو 5.8%، وتضع بعض التقديرات الديموغرافية نسبة السنة من ذوي الجذور البدوية عند نحو 6%، وإن كانت هذه التقديرات لا تميز بدقة بين الهوية العشائرية ونمط الاستقرار الاجتماعي؛ وينبغي التأكيد أن جميع هذه الأرقام تظل تقديرات متفاوتة من حيث تاريخها ومنهجيتها، وليست نتائج تعداد سكاني حديث وموحد، ولذلك لا يصح التعامل معها بوصفها توزيعاً إحصائياً نهائياً أو اعتبار النسب المذكورة حدوداً قطعية لكل مكوّن؛ ومع ذلك، فإنها توفر صورة تقريبية عن التعدد الاجتماعي والديني في المحافظة، وعن حقيقة وجود مكونات سكانية تاريخية متعددة، وإن كانت متفاوتة الحجم.
ثانياً: الإطار القانوني
يعدّ تقرير المصير مبدأً أصيلًا في القانون الدولي، نصّت عليه المادة 1 (الفقرة 2) من ميثاق الأمم المتحدة، وكرّسته المادة الأولى المشتركة بين العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي تُلزم الدول الأطراف بتعزيز إعمال هذا الحق واحترامه؛ وسوريا مُلزَمة بهذه الأحكام منذ انضمامها إلى العهدين عام 1969؛ وقد أكد قرار الجمعية العامة 1514 (1960) ثم «إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية» (Friendly Relations Declaration، القرار 2625 لعام 1970) هذا الحق، وأكدته أيضًا فتاوى (Advisory opinions) محكمة العدل الدولية في قضايا ناميبيا والصحراء الغربية وأرخبيل تشاغوس.
وللمبدأ وجهان:
التقرير الداخلي (Internal self-determination)، وهو حقّ الجماعة في المشاركة الفعلية في الحكم وإدارة شؤونها الثقافية والاقتصادية ضمن إطار الدولة القائمة؛ وهذا هو الوجه الغالب والمتاح لجميع الشعوب.
التقرير الخارجي (External self-determination)، ويعني الانفصال أو الاستقلال أو الانضمام إلى دولة أخرى، وهو مقيّد بالسياق الاستعماري والاحتلال الأجنبي، وبحالات استثنائية يبحثها المقطع التالي.
شرط الحماية والانفصال العلاجي
يتضمن الإعلان 2625 بندًا يُعرف بـ«شرط الحماية» (Safeguard clause)، أي "حماية وحدة أراضي الدولة"، ومعناه أنه لا يجوز تفسير حق الشعوب في تقرير مصيرها على أنه يبيح أو يشجّع أي عمل يؤدي إلى تجزئة أراضي الدول ذات السيادة أو الإخلال بوحدتها السياسية (Political unity)، بشرط أن تلتزم هذه الدول بمبدأ المساواة وتقرير المصير بين شعوبها، وأن تكون حكومتها ممثِّلة لجميع السكان دون تمييز بسبب العرق أو العقيدة أو اللون؛ أي أن الحماية التي تتمتع بها وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية (Territorial integrity) مشروطة بحسن سلوكها تجاه مواطنيها.
ومن هذا الشرط استنبط بعض الفقهاء القانونيين، بطريق "مفهوم المخالفة" (Argumentum a contrario)، أن الدولة التي لا تلتزم به، فتحرم جماعة من سكانها المساواة والتمثيل وتمارس بحقها انتهاكات جسيمة ومنهجية، يمكن أن تفقد بقدر ذلك حصانتها من الانفصال؛ وهذا ما يُعرف بـ«الانفصال العلاجي» (Remedial secession)، أي الانفصال بوصفه ملاذًا أخيرًا حين تنغلق أمام الجماعة سبل تقرير المصير الداخلي؛ ولكن هذا ما يزال اجتهادا مختلفا عليه، ولم يكرّسه حتى الآن نص قانوني صريح.
وقد تناول القضاء الدولي هذا الاجتهاد دون أن يحسمه، فالمحكمة العليا الكندية، في فتواها بشأن انفصال كيبيك (1998)، استحضرت صيغة الشرط نفسها، أي الحكومات الممثِّلة للشعب بأكمله، ورأت أن الحق في الانفصال ينشأ في حالات الاستعمار والإخضاع الأجنبي، و«ربما» في حالة الشعب المحروم من أي ممارسة فعلية لتقرير مصيره داخل دولته، لكنها لم تقرّ ذلك كقاعدةً قاطعة، وخلصت إلى أن شعب كيبيك لا يعاني هذا الحرمان، وبالتالي فهو لا يملك حقًّا في الانفصال من جانب واحد؛ أما محكمة العدل الدولية، فقد قررت في فتواها بشأن كوسوفو (2010) أن القانون الدولي العام لا يتضمن حظرًا لإعلان الاستقلال في ذاته، لكنها تجنّبت الخوض في وجود حقٍّ في الانفصال العلاجي أو نفيه.
وخلاصة ذلك أن القانون الدولي لا يمنع المطالبة بالانفصال بذاتها، غير أنه لا يمنح هذا الحق بسهولة، ولا يغني التمسك بالمبدأ عن إثبات شروطه الواقعية، المتمثلة بانتهاكات جسيمة ومنهجية، وانسداد سبل التقرير الداخلي؛ وهذا ما سنختبره لاحقا في حالة السويداء.
ثالثاً: مفهوم «الشعب» في القانون الدولي
يُعدّ مفهوم «الشعب» (People) من المفاهيم الأساسية في القانون الدولي، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها إثارة للجدل من الناحية القانونية والسياسية، فالمادة الأولى المشتركة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تقرّ بحق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، لكنها لا تقدم تعريفًا محددًا للشعب، ولا تضع شروطًا حاسمة لاكتساب جماعة ما هذه الصفة.
وقد حاولت النقاشات الدولية وضع مؤشرات تساعد في تحديد مفهوم الشعب، ومن أبرزها اجتماع خبراء اليونسكو عام 1989، الذي تناول مجموعة من الخصائص، منها: التاريخ المشترك، والهوية الإثنية أو الثقافية، والتجانس الثقافي النسبي، واللغة، والدين أو المعتقد، والارتباط الإقليمي، والحياة الاقتصادية المشتركة، كما أكدت تلك المناقشات أهمية العنصر الذاتي، أي وعي الجماعة بذاتها باعتبارها كيانًا جماعيًا متميزًا، وإرادتها في الحفاظ على هويتها والتعبير عن مصالحها ومصيرها المشترك؛ وهذه الخصائص ليست شروطًا تراكمية ملزمة، بل مؤشرات استرشادية يُنظر إليها مجتمعة وفي سياق كل حالة على حدة.
ومن المهم التمييز بين مفهوم الشعب ومفهوم الأقلية، فليس كل تجمع ديني أو أقليةً إثنية يشكل بالضرورة شعبًا، كما أن وصف جماعة بأنها أقلية لا ينفي عنها تلقائيًا إمكانية اكتساب صفة الشعب؛ كذلك، لا يشترط القانون الدولي أن يكون الشعب متجانسًا تمامًا أو أن يتفق أفراده على جميع الخيارات السياسية، لكنه يفترض وجود رابطة جماعية وهوية مشتركة ووعي بالانتماء يتجاوز مجرد الإقامة في إقليم واحد أو الخضوع لسلطة سياسية واحدة.
وقد أظهرت بعض الاجتهادات القضائية الدولية والوطنية أن مفهوم الشعب لا يقتصر بالضرورة على مجموع سكان الدولة، بل يمكن أن يشمل جماعة متميزة داخلها؛ ومن الأمثلة البارزة رأي المحكمة العليا الكندية بشأن انفصال كيبيك عام 1998، الذي تناول إمكانية اعتبار جماعة إقليمية تشكل جزءًا من سكان الدولة شعبًا، دون أن يترتب على ذلك تلقائيًا حقها في الانفصال الأحادي.
وعليه، فإن تحديد ما إذا كانت جماعة ما تشكل شعبًا لا يُحسم بمجرد تسميتها أو إعلانها ذلك، ولا بمجرد امتلاكها هوية دينية أو إثنية مشتركة؛ بل يتطلب دراسة تاريخها وروابطها الثقافية والاجتماعية والإقليمية، ومدى تبلور وعيها الجماعي وإرادتها المشتركة؛ كما ينبغي عدم الخلط بين الاعتراف بوجود شعب وبين تحديد مضمون حقه في تقرير المصير، فحق تقرير المصير قد يُمارس من خلال المشاركة السياسية والحكم الذاتي والفيدرالية واللامركزية، وقد يُطرح في ظروف معينة بصيغة تقرير المصير الخارجي؛ لكن الاعتراف بصفة الشعب لا يمنح بذاته حقًا تلقائيًا في الانفصال أو إقامة دولة مستقلة.
رابعاً: من هو الشعب في حالة السويداء؟
بعد استعراض مفهوم الشعب في القانون الدولي، يصبح السؤال في الحالة السورية: من هي الجماعة التي يمكن أن ينطبق عليها وصف الشعب في سياق المطالبة بحق تقرير المصير في السويداء؟ هل هم جميع سكان المحافظة، أم الدروز بوصفهم الجماعة التي تشكل أغلبيتها الساحقة وتتمحور حولها المواجهة السياسية الراهنة؟
إن اعتبار سكان محافظة السويداء شعبًا واحدًا لمجرد انتمائهم إلى إقليم إداري واحد يفتقر إلى أساس واقعي، فالمحافظة ليست كيانًا متجانسًا من الناحية الهوياتية والسياسية، بل تضم جماعات ذات انتماءات وروابط ومواقف متباينة، وقد بلغت التناقضات بينها حد الصدامات المسلحة الدامية بين الدروز والبدو؛ ومن ثم، فإن افتراض وجود رابطة جماعية سويدائية مشتركة، أو إرادة سياسية موحدة تشمل جميع سكان المحافظة، لا يعكس حقيقة الواقع، ولا يجوز اتخاذ الحدود الإدارية وحدها أساسًا لافتراض وجود شعب.
وهنا يبرز التمييز بين الحالة السويدائية والحالة الكردية، مثلًا، فالهوية الكردية تمثل هوية قومية جماعية واضحة تتجاوز حدود الدول، وتستند إلى تاريخ وثقافة ولغة وروابط مشتركة، رغم الإشكاليات الديموغرافية والسياسية المرتبطة بالمناطق التي يتركز فيها الأكراد؛ أما في السويداء، فلا توجد هوية جماعية مماثلة تجمع جميع سكان المحافظة، بل توجد جماعة درزية ذات هوية تاريخية ودينية وثقافية متميزة، تشكل الغالبية الكبرى من السكان، وتتركز فيها المطالبة السياسية الراهنة بتقرير المصير.
لذلك، فإن التوصيف الأكثر دقة لموضوع المطالبة ليس «حق شعب السويداء في تقرير المصير»، بل "حق دروز سوريا في تقرير المصير، الذي يتمركز عمليًا في دروز السويداء بوصفهم التجمع الإقليمي الأساسي للجماعة الدرزية السورية"؛ وهذا لا يعني بالضرورة أن دروز السويداء باتوا يشكلون شعبًا منفصلًا عن دروز سوريا في عمومهم، بل أنهم يمثلون مركز الثقل السكاني والجغرافي والسياسي للجماعة التي ينبغي بحث أهليتها لاكتساب صفة الشعب في القانون الدولي.
أما وجود سكان غير دروز في المحافظة، فلا يبرر اختلاق هوية سويدائية سياسية جامعة لا يسندها الواقع، كما لا يجوز أن يؤدي تحديد الجماعة صاحبة المطالبة إلى تجاهل حقوق هؤلاء السكان أو استبعادهم من المشاركة في تقرير شكل الحكم ومستقبل الإقليم الذي يعيشون فيه، فثمة فرق بين تحديد الجماعة التي تتمحور حولها مطالبة تقرير المصير، وبين تقرير الحقوق السياسية والمدنية لجميع المقيمين في الإقليم.
وعليه، ينبغي أن ينطلق البحث القانوني من السؤال الصحيح: هل يشكل دروز سوريا، وبصورة خاصة دروز السويداء، شعبًا بالمعنى المقصود في القانون الدولي؟ فهذا هو موضوع الاختبار القانوني الحقيقي، بدلًا من بناء المطالبة على افتراض وجود شعب سويدائي موحد لم تثبت مقوماته الهوياتية والسياسية.
خامساً: هل يشكّل دروز سوريا، ودروز السويداء خصوصًا، شعبًا بالمعنى المقصود في القانون الدولي؟
لا يقتصر تحديد صفة الشعب في القانون الدولي على الهوية الدينية أو الإثنية، بل يستند إلى مجموعة من المقومات، أبرزها التاريخ المشترك، والهوية الثقافية والاجتماعية المتميزة، والروابط الإقليمية، والوعي الذاتي بالانتماء إلى جماعة واحدة، والإرادة في الحفاظ على هويتها والتعبير عن مصالحها ومصيرها المشترك.
وبالنظر إلى حالة دروز سوريا، نجد أنهم يمتلكون عددًا من هذه المقومات: هوية دينية وثقافية متميزة، وتاريخًا جماعيًا مشتركًا، وروابط اجتماعية راسخة، ووعيًا بالانتماء إلى جماعة تتجاوز الحدود السورية، فضلًا عن ارتباط إقليمي واضح يتمركز أساسًا في محافظة السويداء، وهذه العناصر تجعل اعتبارهم شعبًا بالمعنى المقصود في القانون الدولي توصيفًا قابلًا للدفاع، وليس مجرد ادعاء سياسي.
وبناءً عليه، يمكن القول أن اعتبار دروز سوريا شعبًا هو طرح جدي يستند إلى مقومات تاريخية وثقافية واجتماعية وإقليمية، وإن كان هذا الأمر يتطلب أيضًا المزيد من التركيز على مدى تبلور الوعي الجماعي والإرادة المشتركة والتمثيل المؤسسي؛ ولكن مع ذلك وفي جميع الأحوال، يجب التمييز بين الاعتراف بصفة الشعب وبين حقه في الانفصال، فالأول لا يمنح تلقائيًا حق إقامة دولة مستقلة، بل يفتح باب البحث في أشكال ممارسة تقرير المصير، داخليًا أو خارجيًا، وفقًا لقواعد القانون الدولي.
سادساً: ما هو موقف أهالي السويداء بشأن تقرير المصير
الدروز لا يوجد بينهم خلاف على أصل الحق، بل على صيغته، فمنهم من يطالب بالاستقلال التام، ومنهم من يرى أن الاستقلال، على صعوبة تحقيقه، تترتب عليه عواقب وخيمة، فيطرح بدائل كالفيدرالية أو الحكم الذاتي، وهذا التباين في الوسيلة لا ينفي وحدة الغاية، وهي ضمان الحقوق المعترف بها دوليًا في حياة آمنة حرة كريمة، سواء تحقق ذلك تحت مسمى «تقرير المصير» أو تحت أي مسمى آخر.
وسبب أن المطالبة بتقرير المصير تبدو ظاهريا صادرة عن فئة محدودة، هو أن المجتمع في السويداء كما هو الحال في سوريا ككل خرج من عقود استبداد النظام الأسدي التي منعت العمل السياسي والمدني المنظم، ولذا، كحال عموم السوريين، لا يجيد معظم أبناء السويداء التعبير الرسمي عن إرادتهم، فتتولى ذلك فئة قليلة منهم قادرة على الصياغة المنظمة، وهي، بحسب المشاهدة الميدانية، تعبّر عن تطلعات عامة الأهالي.
وبما أن دروز السويداء على قناعة تامة بأن السلطة في دمشق وحلفاءها قد ارتكبوا إبادة طائفية، فإنهم يرونها خطرًا مصيريًا وعدوًا وجوديًا، وعليه يعتبرون من يتعاون معها منهم، وهو يعلم ما جرى، خائنًا، وفق المعيار الأخلاقي والاجتماعي المتعارف عليه تاريخيًا.
ولا يعني تباين المواقف من الزعامات المحلية انقسامًا على الحق نفسه، فبحسب المشاهدة الميدانية، ليس كل دروز السويداء راضين عن زعامة الشيخ حكمت الهجري، وبعضهم يعارضها صراحةً، غير أن هذا الخلاف لا يتحول قطعا إلى تأييد للسلطة الراهنة، إذ لا تكاد تجد بين أهل المحافظة من يوالي هذه السلطة بعد أحداث تموز 2025 إلا أفرادًا قلة، تربطهم بها مصالحهم الخاصة، وهؤلاء تنطبق عليهم نظرة الأهالي الدروز المشار إليها آنفًا؛ وبما أن الفئة التي تتولى التعبير المنظم عن المطالبة بتقرير المصير قليلة العدد نسبيا، فهذا يؤكد الحاجة إلى آلية حرة ومحايدة تتيح قياس الإرادة الجمعية فعليًا، بدلا الاكتفاء بمواقف القيادات.
أما مسيحيو السويداء، فالمواقف العلنية الصادرة عن شخصيات ومرجعيات منهم تدل على وجود تضامن واضح مع الدروز، ولاسيما في مواجهة الاعتداءات والتهجير، مع تأكيد الارتباط التاريخي بالأرض والمصير المشترك لسكان المحافظة؛ ففي يوليو/تموز 2025، أعلن مسيحيون كاثوليك في المحافظة تمسكهم بأرضهم، ورفضهم النزوح، وطالبوا بحماية دولية لسكان السويداء كافة؛ كما أكدت "مطرانية بصرى حوران وجبل العرب" تمسك المسيحيين بأرضهم وجذورهم التاريخية؛ وفي يوليو/تموز 2026، ظهرت تصريحات كنسية تؤكد وحدة الموقف والمصير بين الدروز والمسيحيين.
لكن موقف مسيحيي السويداء لا يصحّ اختزاله في التضامن الإنساني مع الدروز وحسب؛ فالمسيحيون أنفسهم تعرّضوا خلال أحداث تموز/يوليو 2025 للقتل والتهجير، وأُحرقت منازل العديد من العائلات مسيحية، وتعرّضت كنيسة مار ميخائيل في قرية الصورة للحرق والاعتداء، كما تم أيضا توثيق مقتل رجل كان يخدم راعيًا في كنيسة إنجيلية مع عدد من أفراد أسرته؛ وهذا ما يجعل المسيحيين طرفًا أصيلًا في قضية أمن السويداء ومستقبلها السياسي، لا مجرد متفرجين على صراع الآخرين؛ كما أن خشيتهم وقلقهم من النزعة الدينية السلطوية وسياسات الأسلمة، ومن عدم قيام السلطة القائمة بضمان الحريات وحماية المكوّنات السورية، تمنحهم أسبابًا مباشرة للمطالبة بنظام سياسي يحميهم ويضمن حريتهم وحقوقهم؛ ومن ثمّ، فإن تقاطع مصالحهم الوجودية والسياسية مع مصالح الدروز في تقرير مستقبل السويداء ليس افتراضًا اعتباطيًا، بل استنتاج له أساس واقعي المتين.
أما بخصوص سنة السويداء من غير البدو، فهنا الصورة أقل وضوحًا، والمعطيات المتوفرة لا تسمح بتحديد موقف سنّة السويداء غير المنتمين إلى العشائر البدوية من تقرير المصير؛ توجد بينهم شخصيات شاركت في مبادرات ومؤتمرات محلية تحدثت باسم جميع مكونات المحافظة، بما فيها السنة والمسيحيون، وطرحت تصورًا لسويداء ضمن سوريا موحدة، مع رفض الفيدرالية في ذلك الطرح، لكن لا يصح اعتبار هذه التصريحات تعبيرًا عن موقف جميع السنة أو جميع غير الدروز؛ كما أنه من الضروري ألا نخلط بين سنّة السويداء من السكان المستقرين، وبين الجماعات والعشائر البدوية التي دخلت في الصدامات المسلحة ضد الدروز، فهما ليسا بالضرورة جماعة اجتماعية أو سياسية واحدة، ولا يجوز نقل مواقف طرف إلى الآخر لمجرد الاشتراك في الانتماء المذهبي؛ ودروز السويداء يعون هذا ويلتزمون به جيدا.
سابعاً: اختبار الشروط في حالة السويداء
إذا طبّقنا سلسلة «شرط الحماية ثم الانفصال العلاجي» على السويداء، فعلينا أن نسأل عن ثلاثة شروط: جسامة الانتهاكات، وانسداد سبل تقرير المصير الداخلي، وتحقق شرط الحماية نفسه، أي أن تمثّل الحكومة جميع السكان دون تمييز بسبب العقيدة.
الشرط الأول: جسامة الانتهاكات
وثّقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة، في تقريرها الصادر في 27 آذار/مارس 2026، انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها القوات الحكومية ومقاتلو العشائر العاملون تحت سيطرتها الفعلية (Effective control) ضد المدنيين الدروز في 14–16 تموز/يوليو 2025، في غرب وشمال المحافظة وفي مدينة السويداء نفسها، منها القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب، وخلصت إلى أن مقاتلي العشائر الذين رافقوا القوات الحكومية في المرحلة الأولى كانوا يعملون تحت سيطرتها الفعلية، وأن أفعالهم تتحمل مسؤوليتها السلطة الراهنة، وإلى أن مجمل الانتهاكات قد يرقى إلى جرائم حرب؛ وقدّرت عدد القتلى بما لا يقل عن 1707 أشخاص، معظمهم مدنيون دروز، ونزح نحو 200 ألف شخص، ولا يزال نحو 155 ألفًا منهم نازحين؛ ويشمل النزوح مدنيين بدوًا هُجّروا قسرًا.
ويصف أهالي السويداء ما جرى بأنه إبادة طائفية، ولهذا الوصف أساسه الواقعي في حجم القتل والتهجير واستهداف المدنيين الدروز بصورة رئيسية؛ غير أن الإبادة في الممارسة الدولية هي جريمة محددة قانونًا، تقوم على «القصد الخاص» (Dolus specialis) لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية كليًا أو جزئيًا، وهذا التوصيف لا يرد في خلاصات اللجنة المعلنة، التي انتهت إلى القول بحدوث انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب؛ وليس في هذا الفرق تقليل من درجت الفداحة، فجرائم الحرب جرائم دولية جسيمة تستوجب المحاسبة الجنائية الفردية، وتحمّل الدولة المسؤولية عن أفعال من نُسبت إليهم؛ وإضافة إلى ذلك، فقد أشارت اللجنة إلى أن سرعة تصاعد العنف وإشراك مقاتلين غير نظاميين وعدم منع عنف كان متوقعًا، هي معطيات قد تدل على وجود توجهات أو قرارات على مستوى بعض القيادات أسهمت في تسهيل الانتهاكات التي وقعت أو في عدم منعها.
وبالمقابل وثّقت اللجنة كذلك أن جماعات درزية مسلحة ارتكبت انتهاكات بحق مدنيين بدو أدت إلى تهجيرهم القسري؛ ويقرّ أهالي السويداء بأن جماعات درزية مسلحة ارتكبت هذه الانتهاكات، وبأن تهجير البدو هو عمل لا إنساني، لكنهم يرون أن هذا لم يكن انتقامًا مجردًا، بل جاء تحت ضغط حرب وجودية، وخوفًا من أن يتحول بدو الداخل إلى طابور خامس ينضم إلى القوات المهاجمة من الخارج، فيتم الإطباق على المحافظة من الداخل والخارج، كما أنهم يؤكدون أن معظم الضحايا البدو سقطوا في مواجهات حربية مباشرة؛ غير أن القانون الدولي الإنساني لا يبيح تهجير المدنيين بسبب انتمائهم، ولا الانتقام منهم بسبب أفعال غيرهم، ولذلك فإن أي تسوية عادلة للسويداء ينبغي أن تشمل أيضا حقوق البدو وجبر ضررهم، حتى لا يتحول تقرير المصير إلى منطق إقصاء.
وبذلك يتحقق هذا الشرط من حيث جسامة الانتهاكات؛ أما صفة «المنهجية»، أي أن تكون الانتهاكات جزءًا من نمط أو سياسة لا مجرد حوادث متفرقة، فتسندها خلاصة اللجنة بشأن وجود سياسة تنظيمية على مستوى بعض القيادات، وإن لم تثبت وجود خطة مركزية؛ ولا يقتصر التوثيق على أحداث المواجهات الأولى؛ فقد وثّقت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية استمرار إغلاق الطرق وتقييد الوصول الإنساني والتجاري إلى السويداء، والاشتباكات المتقطعة وخروقات وقف إطلاق النار، فضلًا عن استمرار النزوح على نطاق واسع، وقدّرت لجنة التحقيق الدولية عدد النازحين بنحو 200 ألف شخص وأن نحو 155 ألفًا منهم ظلوا غير قادرين على العودة إلى مناطقهم حتى آذار/مارس 2026، ومعظمهم من القرى الدرزية المحروقة؛ ولم يتغير حال هؤلاء المهجرين حتى الآن؛ وبالتالي فنحن هنا لا نتحدث عن موجة عنف عابرة انتهت بانتهاء المواجهات الأولى، بل عن تداعيات أمنية وإنسانية ممتدة، تشمل استمرار التهجير وتعطيل العودة وتقييد حركة الإمدادات، وهو ما يعزز الاستدلال على وجود نمط متواصل من الانتهاكات والضغوط التي طالت سكان المحافظة.
الشرط الثاني: انسداد سبل التقرير الداخلي
لا تُقاس سبل التقرير الداخلي بوجود نصوص تتيحه شكلًا، بل بقدرة الجماعة على التأثير الفعلي في القرار؛ وفي سوريا حتى الإطار الدستوري الراهن لا يتيح هذه القدرة لأحد، لا للسويداء ولا لغيرها، فالإعلان الدستوري يركّز السلطة التنفيذية في يد الرئيس الراهن، فيعيّن الوزراء ويعفيهم منفردًا، ويتولى تعيينات قضائية وتشريعية بلا ضوابط أو رقابة، ولا يتيح الإعلان الدستوري عزله، ولا يملك البرلمان صلاحية الموافقة على الوزراء أو إقالتهم أو وضع ضوابط للسلطة التنفيذية، وتمتد هذه المرحلة خمس سنوات؛ وبرلمانها يعيّن الرئيس ثلثه بنفسه، وتختار لجنة يعيّن الرئيس نفسه أعضاءها ثلثيه عبر هيئات ناخبة تختارها هذه اللجنة؛ ولا يزال قانون الأحزاب غائبًا بعد نحو تسعة عشر شهرًا على الإعلان.
وفي هذه البنية، لا يغيّر غياب مقاعد السويداء في مجلس الشعب المعين تعيينا وتمثيلها بعضوين معيّنين من جوهر المسألة شيئًا، فلو عُيّن لها أكثر لبقيت الطبيعة نفسها.
أما "خارطة الطريق" فتقترح مجلسًا للمحافظة وقوة شرطية محلية ومسارًا للمساءلة، لكنها تسمّي الغاية «إعادة الاندماج الكلي» في مؤسسات الدولة، ولا تتناول الوضع الدستوري للمحافظة أو اللامركزية أو سواها من سبل تقرير المصير.
ويعلن أهالي السويداء، وهذا ما يمكن التحقق منه ميدانيا، أنهم لم يعودوا بعد تموز يعترفون بسلطة دمشق ولا بما يصدر عنها أو يتفرع منها، وأن مؤسساتها الانتقالية، ومنها مجلس الشعب، لا تعبّر عنهم، كما ويؤكدون أن الحصار وخروقات وقف إطلاق النار مستمران.
وفي المحصلة، وبناء على المعطيات الموضوعية المؤكدة، يمكن القول أن سبل تقرير المصير الداخلي، لا تتيح فعليًا لأي جماعة إمكانية المشاركة والتأثير في صنع واتخاذ القرار؛ ويقوم الاحتجاج بانسدادها بالنسبة للسويداء بشكل رئيس على أمرين أساسيين، وهما أن المساءلة والمحاسبة عن أحداث تموز لم تكتمل، رغم أن لجنة التحقيق الدولية نفسها دعت إلى توسيع نطاقها؛ وأن خارطة الطريق، وهي المسار الرسمي الوحيد المعروض، لا تتناول الوضع الدستوري للمحافظة ولا حقها في تقرير المصير.
الشرط الثالث: شرط الحماية، أي التمثيل دون تمييز
بعد أن تبيّن في الشرط الثاني أن البنية الدستورية لا تتيح تمثيلًا فعليًا لأي مكوّن، يبقى السؤال الخاص بشرط الحماية، فهل عوملت جماعة بعينها معاملة مختلفة بسبب عقيدتها؟ والمعطيات في هذا الاتجاه ثلاثة؛ أولها أن الإعلان الدستوري يجعل دين رئيس الدولة الإسلام والفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع، فيحصر أعلى موقع في الدولة بأتباع دين بعينه؛ وثانيها أن الانتهاكات التي وثّقتها لجنة التحقيق الدولية استهدفت بصورة رئيسية مدنيين دروزا في قرى درزية أو ذات غالبية درزية أو مختلطة، وفي أحياء من مدينة السويداء، على النحو المبيَّن في الشرط الأول؛ وثالثها هو خطاب التحريض الطائفي المستمر، فقد سبقت هجمات تموز/يوليو 2025 حملة تحريض طائفي عنيفة ضد الدروز لدى أنصار السلطة الراهنة، وواكبتها، ولا تزال مستمرة حتى اليوم؛ وقد قدّم المركز السوري للإعلام وحرية التعبير إلى لجنة التحقيق الدولية موادا موثقة هامة عن خطاب الكراهية والتحريض المرتبط بأحداث السويداء؛ ولكن مع أن اللجنة وثّقت استهداف المدنيين بصورة رئيسية في القرى الدرزية أو ذات الغالبية الدرزية أو المختلطة وفي أحياء مدينة السويداء، فإن التمييز قانوناً يبقى ضروريًا بين توثيق خطاب التحريض وتوثيق الانتهاكات من جهة، وإثبات العلاقة السببية المباشرة بينهما، وتحديد ما إذا كان الاستهداف قد جرى بسبب الانتماء الديني، من جهة أخرى.
فإذا ثبت أن الانتهاكات ضد الدروز جرت بسبب انتمائهم الديني، لا بوصفها مجرد نتيجة للمواجهات المسلحة، فإن ذلك يعني أن الدولة القائمة أخفقت في استيفاء "شرط الحماية"، الذي يقتضي أن تكون الحكومة ممثّلة لجميع السكان، وأن تكفل حقوقهم دون تمييز على أساس العقيدة؛ وعندئذ، لا يعود بإمكان هذه الدولة التذرّع بهذا الشرط للاحتجاج بحصانتها الإقليمية في مواجهة مطالب "الانفصال العلاجي".
ثامناً: الخلاصة حول حق السويداء في تقرير المصير والانفصال العلاجي
يتمتع أهالي السويداء بحق تقرير المصير الداخلي، وبحقهم في الحماية والمساءلة والمحاسبة عن الانتهاكات التي تعرّضوا لها؛ أما الانفصال العلاجي، بوصفه مخرجًا استثنائيًا من الدولة القائمة، فلا يمكن الجزم بتوافر مسوّغاته القانونية بعد في الحالة الراهنة؛ إذ يتوقف ذلك على مآلات ثلاثة مسارات مترابطة: المحاسبة الفعلية على الانتهاكات، ووقف الحصار والتهجير وتهيئة الظروف الآمنة لعودة النازحين، وضمان تمثيل سياسي ودستوري حقيقي لأهالي المحافظة وفق إرادتهم في إطار حق تقرير المصير الداخلي.
فإذا أُغلقت سبل المشاركة والتقرير الداخلي، واستمر استهداف السكان على أساس انتمائهم الديني، وعجزت الدولة عن توفير الحماية لهم، تعزّزت الحجة القائلة بأن الدولة لم تعد مستوفية لشرط الحماية الذي تستند إليه في الاحتجاج بسلامتها الإقليمية؛ أما إذا تحققت المحاسبة، وأُقرّت ضمانات دستورية فعالة، واستعادت المحافظة أمنها وقدرة سكانها على المشاركة في تقرير شؤونهم، فإن مبررات اللجوء إلى الانفصال العلاجي تضعف تبعًا لذلك.
وعليه، لا يُحسم الموقف من الانفصال العلاجي في السويداء بمجرد إعلان مبدأ قانوني أو تبنّي موقف سياسي مسبق؛ بل يتحدد بمدى التزام الدولة فعليًا بواجباتها تجاه السكان، وبما إذا كانت تتيح لهم ممارسة حقهم في تقرير مصيرهم الداخلي وتحميهم دون تمييز؛ فالوقائع المتحققة، لا الوعود ولا النصوص وحدها، هي التي ينبغي أن تحدد مدى توافر المبررات القانونية لهذا الخيار.
تاسعاً: الخيارات الممكنة
يقتضي النظر الرصين أن نميّز بين المطلب والأداة، فالمطلب، كما يعبّر عنه أهالي السويداء، هو ضمان حياة آمنة حرة كريمة، ومحاسبة من ارتكبوا انتهاكات تموز/يوليو، ومشاركة فعلية في القرار؛ أما الأداة فهي الوسيلة القانونية والسياسية لتحقيقه، وتتراوح بين الاستقلال التام، وهو أقصاها، وصيغ أخرى داخل الدولة السورية.
والمفاضلة بين الأدوات تقوم على سؤالين: أيّها يحقق المطلب فعلًا؟ وأيّ كلفة تترتب عليه؟ وكلفة الاستقلال، أي كلفة التفكك، كبيرة وغير مضمونة، فقد لا يعترف به المجتمع الدولي، وقد يفتح مواجهة عسكرية جديدة، وقد يعزل المحافظة اقتصاديًا وجغرافيًا، وقد يشجّع على انفصال مناطق أخرى في بلد منقسم؛ ولذلك فالأجدى هو البحث عن مسارات أخرى تحقق جوهر المطلب بأقل كلفة ممكنة، دون أن يسقط ذلك أي حق؛ ويمكن تصور مسارات تحقق الجوهر دون كلفة الانفصال من خلال البدائل التالية:
اللامركزية الإدارية والسياسية الموسّعة (Decentralization): إدارة محلية منتخبة بصلاحيات حقيقية في الأمن المحلي والتعليم والموارد، كما هو الحال في فرنسا التي تمثل نموذجا للامركزية داخل دولة موحّدة.
الحكم الذاتي الإقليمي أو الفيدرالية: وهي نماذج أخرى لتوزيع السلطة، كإسبانيا تمثل الحكم الذاتي الإقليمي بصلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة، بينما تمثل بلجيكا نموذج الدولة الفيدرالية التي تتوزع فيها السلطات دستوريًا بين الحكومة الاتحادية والوحدات المكوّنة لها؛ ويمكن الاستفادة من هذه النماذج في تصور صيغ مختلفة لإدارة السويداء، بضمانات دستورية واتفاق سياسي رسمي..
ضمانات دستورية للأقليات (Minority rights): تكريس حماية الهوية الثقافية والدينية، وحرية الاعتقاد وعدم الاعتقاد، وحظر التمييز، وضمان المشاركة السياسية وعدم الإقصاء من مؤسسات الدولة. ومن أمثلتها الدستور الإيطالي في حماية الأقليات اللغوية، والدستور الهندي في ضمان الحقوق الثقافية والتعليمية للأقليات الدينية واللغوية، مع إخضاع هذه الحقوق لحماية دستورية وقضائية؛ ولكن هذا يقتضي وجود دولة ديموقراطية حقيقية.
العدالة الانتقالية (Transitional justice): محاسبة مرتكبي جرائم تموز/يوليو أيًّا كانوا، من القوات الحكومية والعشائر والجماعات الدرزية المسلحة، والقادة المسؤولين عنها في أي مستوى من هرمية السلطة الراهنة في سوريا، وجبر الضرر، وعودة جميع المهجّرين من جميع الأطراف، وكشف مصير المفقودين.
استفتاء استشاري (Consultative referendum) تحت رقابة دولية: يقاس به رأي السكان جميعًا، لا رأي مرجعية واحدة، بوصفه تعبيرًا مباشرًا عن إرادتهم السياسية، ومرجعًا لتحديد الخيارات الدستورية والسياسية المطروحة، وليس بديلًا عن ضمان حقهم في تقرير مصيرهم.
أما "خارطة الطريق" التي رعتها الولايات المتحدة والأردن، بالتنسيق مع السلطة السورية الراهنة، وهي المسار الرسمي الوحيد المعروض حتى الآن، فلم تقبلها السويداء، وقد رفضتها "اللجنة القانونية" فيها؛ وهذه الخارطة تعالج جانبًا محدودًا من مطلب السويداء يضم مسارا للمساءلة، وقوة شرطية محلية، ومجلسا للمحافظة، لكنها تسمّي الغاية «إعادة الاندماج الكلي» في مؤسسات الدولة، ولا تتناول الوضع الدستوري للمحافظة ولا تقرير المصير الداخلي، ولذلك فإن أي مسار يُبنى عليها فهو لا يعالج جوهر المطلب ما لم يقترن بضمانات دستورية وإدارية تحمي حق المحافظة في إدارة شؤونها.
خاتمة
إن حقّ أهالي السويداء في تقرير مصيرهم هو حق ثابت في وجهه الداخلي بلا جدال، ويقتضي تمثيلًا فعليًا وأمنًا وكرامة ومشاركة عادلة في صياغة الدولة السورية الجديدة، أما وجهه الخارجي فمشروط بمعايير صارمة لم تكتمل بعد، وإن كانت وقائع تموز وغياب التمثيل المنتخب والضمانات الدستورية تقوّي الاحتجاج به كلما طال انسداد المسارات الداخلية، ولا يختلف أهالي السويداء في أصل هذا الحق، لكنهم قد يختلفون في اختيار صيغته، استقلالًا أو فيدرالية أو حكمًا ذاتيًا أو لامركزية، أو سواها، وهذا يقتضي قياسًا حرًّا ومحايدًا لإرادتهم جميعًا.
وفي وقت يزيد فيه تشابك المصالح الإقليمية من كلفة الاستقلال وتعقيداته، فالمخرج الأرجح ليس في الاختيار بين «الانفصال» و«الخضوع»، بل في حل وطني حقيقي يحاسب جميع المسؤولين عن مجاز تموز وسواها من الانتهاكات، أيا كانت مستوياتهم، ويقرّ ضمانات دستورية وتمثيلًا منتخبًا حقيقيا ومشاركة فعلية في القرار، ويجعل البقاء داخل سوريا خيارًا مرغوبًا لا مفروضًا؛ ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه ملف السويداء ليس هل يحق لأهلها تقرير مصيرهم، بل بأي صيغة وبأي ضمانات يُمارَس هذا الحق، ومن يضمن تنفيذها..
مسرد المصطلحات (إنكليزي – عربي)
Self-determination -
تقرير المصير
حقّ الشعوب في تحديد وضعها السياسي وتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحرية.
Internal self-determination -
تقرير المصير الداخلي
ممارسة الحق داخل إطار الدولة القائمة عبر المشاركة في الحكم وإدارة الشؤون الذاتية.
External self-determination -
تقرير المصير الخارجي
الحق في الاستقلال أو الانفصال أو الانضمام إلى دولة أخرى، ويُقيَّد بحالات الاستعمار والاحتلال والانتهاكات الجسيمة.
Friendly Relations Declaration -
إعلان العلاقات الودية
إعلان صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار 2625 (1970)، يفصّل مبادئ القانون الدولي بين الدول، ومنها المساواة وتقرير مصير الشعوب.
Advisory opinion -
الفتوى (الرأي الاستشاري)
رأي قانوني تصدره محكمة بطلب جهة مخوّلة، دون أن يكون حكمًا ملزمًا في نزاع بين خصوم.
Safeguard clause -
شرط الحماية
بند في الإعلان 2625 يحمي وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية من تفسير تقرير المصير تفسيرًا يجزّئها، بشرط أن تلتزم المساواة وتمثّل جميع سكانها دون تمييز.
Political unity -
الوحدة السياسية
تماسك الدولة ككيان سياسي واحد ذي حكومة تمثّل مجموع سكانها.
Territorial integrity -
السلامة الإقليمية
مبدأ يحمي حدود الدولة من التفكيك أو الاقتطاع بالقوة.
Argumentum a contrario -
مفهوم المخالفة
أسلوب استدلال يستنتج من شرط في النص حكمًا معاكسًا عند تخلّفه: فإذا كانت الحماية مشروطة بالتمثيل والمساواة، فغيابهما يضعف الحماية.
Remedial secession -
الانفصال العلاجي
الانفصال بوصفه ملاذًا أخيرًا لجماعة تتعرض لانتهاكات جسيمة ومنهجية دون أي سبيل آخر للإنصاف، وهو اجتهاد مختلف عليه.
People -
الشعب
جماعة تجمعها هوية وتاريخ وارتباط بإقليم وإرادة مشتركة، وهي صاحبة الحق في تقرير المصير.
Federalism -
الفيدرالية
نظام تتقاسم فيه السلطة المركزية والأقاليم الاختصاصات بموجب الدستور.
Autonomy -
الحكم الذاتي
منح إقليم صلاحيات تشريعية وإدارية واسعة ضمن وحدة الدولة.
Decentralization -
اللامركزية
نقل صلاحيات الحكم والإدارة من المركز إلى سلطات محلية منتخبة.
Minority rights -
حقوق الأقليات
الضمانات التي تحمي هوية الجماعات الأقلّ عددًا وتمثيلها ومشاركتها.
Transitional justice -
العدالة الانتقالية
منظومة المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات بعد النزاعات والانتهاكات.
Effective control -
السيطرة الفعلية
سيطرة جهة على جماعات مسلحة على نحو تُنسب معه أفعالها إليها قانونًا، فتتحمل المسؤولية عنها.
Dolus specialis -
القصد الخاص
قصد تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية كليًا أو جزئيًا، وهو الركن الذي يميّز جريمة الإبادة عن غيرها من الجرائم.
Consultative referendum -
الاستفتاء الاستشاري
استفتاء يُستطلع به رأي السكان دون أن تكون نتيجته ملزمة قانونًا بذاتها.
المراجع
الصكوك والاجتهادات القانونية: ميثاق الأمم المتحدة (المادة 1، الفقرة 2)؛ العهدان الدوليان (المادة 1 المشتركة)؛ قرار الجمعية العامة 1514 (1960)؛ قرار الجمعية العامة 2625 (1970)؛ فتوى المحكمة العليا الكندية بشأن انفصال كيبك (1998)؛ فتوى محكمة العدل الدولية بشأن كوسوفو (2010).
لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، تقرير حول أحداث السويداء، 27 آذار/مارس 2026؛ وبيان مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (ohchr.org)، آذار/مارس 2026.
أخبار الأمم المتحدة، «تقرير دولي حول أحداث السويداء: انتهاكات قد تصل إلى جرائم حرب»، 27 آذار/مارس 2026.
الجزيرة نت، «الأمم المتحدة: مصرع 1700 في أحداث يوليو الماضي بالسويداء»، 27 آذار/مارس 2026.
هيومن رايتس ووتش، «سوريا: الإعلان الدستوري يعرّض الحقوق للخطر»، 25 آذار/مارس 2025.
سويس إنفو (أ ف ب)، «سوريا تقر إعلانا دستوريا لإدارة مرحلة انتقالية من خمس سنوات»، 13 آذار/مارس 2025.
الجزيرة نت، «مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة: خريطة التمثيل وقائمة المهام»، 2 تموز/يوليو 2026.
فرانس 24 (أ ف ب)، «انتخابات في شمال شرق سوريا لتمثيل المناطق الكردية في مجلس الشعب»، 24 أيار/مايو 2026.
الجزيرة نت، «العمل الحزبي بسوريا.. غموض قانوني وحذر سياسي»، 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
سي إن إن بالعربية، «اعتماد خارطة طريق حل أزمة السويداء برعاية الأردن وأمريكا»، 17 أيلول/سبتمبر 2025؛ وقناة المملكة، «خارطة طريق أردنية سورية أميركية لحل الأزمة في السويداء».
عنب بلدي، «أمريكا تتمسك بخارطة الطريق للحل في السويداء»، أيلول/سبتمبر 2026.
● ساهمت نماذج الذكاء الصناعي ChatGPT, Claude, Gemini كمصادر للمعلومات في إعداد هذه الدراسة.
ليفانت: رسلان عامر
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

