الوضع المظلم
الأربعاء ١٢ / أغسطس / ٢٠٢٦
Logo
النظام الإيراني بين حرب الوجود وتضخم 83.9%
فرامرز صفا

لم تعد أزمة النظام الإيراني أزمة سياسية منفصلة عن الاقتصاد، ولا أزمة اقتصادية يمكن عزلها عن الصراع داخل السلطة. فما يجري اليوم هو تداخل غير مسبوق بين ضغط خارجي، وانهيار معيشي، وصراع أجنحة، وخوف متصاعد من انفجار اجتماعي. لذلك لم يكن غريبًا أن يخرج أحمد رضا زينيفند، المتحدث باسم وزارة الداخلية، على التلفزيون الرسمي في 22 يوليو 2026، ليقول إن النظام يواجه "حربًا وجودية شاملة". فهذه العبارة، رغم طابعها التعبوي، تكشف حقيقة عميقة: السلطة تدرك أن الأزمة لم تعد قابلة للإدارة بالأدوات القديمة.

الأرقام الاقتصادية وحدها كافية لتفسير حجم القلق. فبحسب تقارير منشورة للبنك المركزي الإيراني في أواخر يوليو 2026، بلغ التضخم النقطي 83.9%، بينما تجاوز تضخم المواد الغذائية 100%. وهذه ليست مجرد نسب في جدول اقتصادي، بل تعني أن القدرة الشرائية للأسر تتبخر، وأن ملايين الإيرانيين باتوا عاجزين عن تأمين احتياجات أساسية كانت قبل سنوات جزءًا من الحياة اليومية العادية. وحين تتحدث تقارير مرتبطة بمركز الأبحاث البرلماني عن احتمال ارتفاع معدل الفقر إلى أكثر من 45%، فإن الواقع قد يكون أكثر قتامة، خاصة في ظل غياب الشفافية المعتاد في أرقام النظام.

لكن الخطر على السلطة لا يأتي من الاقتصاد وحده. فالأزمة المعيشية تحولت إلى عامل سياسي وأمني، لأنها تضرب القاعدة الاجتماعية التي يحاول النظام إبقاءها تحت السيطرة. التضخم، البطالة، تراجع الأجور الحقيقية، وارتفاع كلفة الغذاء، كلها عوامل تجعل المجتمع أكثر استعدادًا للاحتجاج. ولهذا يتعامل النظام مع الاقتصاد لا كملف تنموي، بل كتهديد أمني قابل للانفجار في أي لحظة.

في الوقت نفسه، تكشف تصريحات المسؤولين وصراعاتهم أن مركز القرار لم يعد قادرًا على إنتاج رواية موحدة. فبعد أن تحدث وزير الخارجية عباس عراقجي عن "ثغرات" أمنية عالية المستوى سمحت باغتيالات طالت قادة عسكريين، انهالت عليه هجمات التيارات المتشددة. وكتب المحلل السياسي محمد مهاجري في صحيفة "آرمان ملي" مدافعًا عنه، متسائلًا بسخرية عما إذا كان ينبغي لعراقجي أن يُقتل مثل آخرين حتى تُعرف قيمته. هذا النوع من السجال ليس مجرد خلاف في التقدير، بل يعكس انعدام الثقة داخل مؤسسات النظام نفسها.

أما في السياسة الخارجية، فقد تحول سؤال العزلة الإقليمية والدولية إلى ميدان جديد للصراع. فقد انتقد حشمت الله فلاحت بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي، الخيارات العدوانية التي قادت إلى عزلة أوسع، موجّهًا سؤالًا مباشرًا إلى الرئيس مسعود بزشكيان: "اذكروا صديقًا واحدًا لإيران في العلاقات الدولية". هذا السؤال يلخص مأزقًا كبيرًا. فالنظام الذي أنفق موارد ضخمة على الميليشيات والحروب بالوكالة يجد نفسه اليوم محاطًا بأزمات متراكمة، بينما تتراجع قدرته على المناورة.

ولم تعد الخلافات محصورة في غرف مغلقة. فقد انفجرت داخل البرلمان سجالات حول المفاوضات ومضيق هرمز. وهاجم المتحدث باسم القوات المسلحة، العميد أبو الفضل شكارجي، دعاة الدبلوماسية، معتبرًا أن من يعلقون آمالهم على أميركا والغرب "خرجوا من جحورهم مجددًا". في المقابل، طالبت صحيفة "كيهان" باتخاذ إجراءات قضائية وأمنية ضد سياسيين يدعون إلى إعادة فتح الممرات الاستراتيجية. هنا يصبح النقاش حول السياسة الخارجية امتدادًا لصراع داخلي حول البقاء: هل يواصل النظام التصعيد، أم يبحث عن مخرج مؤقت؟

وامتدت الأزمة كذلك إلى الرقابة والإعلام والأجهزة الأمنية. ففي جلسات تشريعية عبر الإنترنت في 27 يوليو، اشتكى النائب محمود كوتشك زاده علنًا من ضغط جهاز الاستخبارات عليه بشأن التصويت على مشروع قانون مرتبط باتفاقية تسليح، متسائلًا: ما شأن الجهاز الأمني بإرسال رسائل لي كي أصوت على قانون؟ وفي الوقت نفسه، انتقدت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني التلفزيون الرسمي بسبب ممارسات رقابية تضعف التماسك الداخلي. وعندما يبدأ نواب ومسؤولون حكوميون بالشكوى علنًا من تدخل الأجهزة والإعلام الرسمي، فهذا يعني أن الصراع تجاوز الحدود التقليدية.

خلف هذه المعارك كلها يقف خوف أعمق: المجتمع. فقد تحدث علي ربيعي، الوزير السابق ومستشار الرئيس الحالي، عن تآكل الثقة الاجتماعية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية، ولا سيما بين الشباب العاطلين عن العمل. هذا الاعتراف مهم، لأن الثقة الاجتماعية هي آخر ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية للبقاء. وحين تنهار، يصبح الخوف وحده غير كافٍ لضبط الشارع.

لذلك، فإن صراعات أجنحة النظام لا تعبر عن تحول فكري أو مراجعة حقيقية، بل عن سباق داخل السلطة حول كيفية إنقاذ النظام نفسه. جناح يريد التصعيد، وجناح يبحث عن مخارج تفاوضية، لكن الطرفين يلتقيان عند هدف واحد: منع الغضب الشعبي من التحول إلى انتفاضة واسعة. فالكل يدرك أن الفشل الاقتصادي، والثغرات الأمنية، والعزلة الدولية، وتنامي نشاط وحدات المقاومة، يمكن أن تلتقي في لحظة واحدة وتفتح بابًا لا تستطيع السلطة إغلاقه.

لقد حاول النظام طويلًا تصوير أزماته كنتاج مؤامرات خارجية. لكن الحقيقة أن الخطر الأكبر يتشكل من الداخل: من أسرة لا تستطيع شراء الغذاء، وشاب لا يجد عملًا، ومجتمع فقد ثقته، وسلطة تتصارع مع نفسها وهي تطلب من الناس الصبر. وحين يقول مسؤولو النظام إنهم جميعًا "في قارب واحد"، فذلك لا يعني وحدة حقيقية، بل خوفًا مشتركًا من غرق القارب نفسه.

إن تضخم 83.9% ليس رقمًا اقتصاديًا فقط، بل عنوان مرحلة سياسية. والنظام الذي يواجه شعبًا غاضبًا، واقتصادًا منهكًا، وأجنحة متناحرة، وأجهزة تتدخل في كل شيء، يقترب من نقطة لا تعود فيها الدعاية قادرة على تغطية الواقع. فالحرب الوجودية التي يتحدث عنها مسؤولوه ليست مع الخارج وحده؛ إنها قبل كل شيء مع مجتمع إيراني لم يعد يقبل أن يدفع ثمن بقاء سلطة فقدت القدرة على الحكم إلا بالقمع والأزمات.

بقلم: فرامرز صفا

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!