الوضع المظلم
الثلاثاء ٠٧ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • عودة الإله: الدين كقوة إنتاج استراتيجية في الحروب الحديثة

عودة الإله: الدين كقوة إنتاج استراتيجية في الحروب الحديثة
د.علي مطيع عيسى

د. علي مطيع عيسى

دكتوراة علوم اقتصادية وسياسية  

 

في عالم يُفترض فيه أن العقلانية والسياسة الواقعية هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية، يظهر الدين بقوة غير مسبوقة، ليس كمكوّن ثانوي أو أداة تزيين، بل كعنصر محوري في إدارة الصراعات المعاصرة. نشهد اليوم تحولًا نوعيًا: من مجرد تسييس الدين إلى تديين الاستراتيجية نفسها. السرديات الدينية لم تعد مجرد غطاء أيديولوجي، بل أصبحت بنية لإنتاج معنى ومبررات ومشروعية، تُوجَّه من خلالها السياسات والقرارات الاقتصادية والعسكرية، فتخلق دائرة مغلقة بين الدين، السياسة، والاقتصاد يصعب كسرها.

الدين كمحرك للمعنى والقرار

الدين اليوم يعمل كرأسمال رمزي يمكن تحويله إلى سلطة سياسية وعسكرية ومالية. في إسرائيل، استخدمت النخب السياسية المرجعيات التوراتية لتحديد سياسات التوسع، وترجيح القرارات العسكرية، بل وحتى رسم الأولويات الاقتصادية المرتبطة بالأمن القومي. في إيران، تحوّلت المهدوية إلى إطار استراتيجي شامل، يحدد أولويات السياسة الخارجية ويوجه التمويل والعمليات العسكرية، ويؤثر على الشبكات الاجتماعية والدينية داخليًا وخارجيًا.

في الولايات المتحدة، تلعب الحركات الإنجيلية دورًا مؤثرًا في توجيه السياسات الخارجية والعسكرية، من خلال سرديات معنوية تخلق التزامًا داخليًا تجاه القرارات الاستراتيجية، ما يظهر بوضوح القوة المعنوية للدين في إعادة إنتاج السلطة والسياسة.

في الفضاء العربي، غياب المشاريع الوطنية المستدامة سمح بتغلغل الحركات الجهادية السلفية كقوى بديلة، توفر السرديات الدينية معنى للمتطوعين والمقاتلين، وتعيد إنتاج السلطة في مناطق الفراغ السياسي مثل العراق وسوريا. هذه التحولات تؤكد أن الدين أصبح محركًا بنيويًا للقرار الاستراتيجي والمعنوي، وليس مجرد أداة تزيين للأحداث.

 

الحرب الحديثة: من القوة الصلبة إلى الحرب السردية

الحروب اليوم لم تعد مقتصرة على الجيوش والعتاد، بل انتقلت إلى الحرب النفسية والرمزية. السيطرة على السرديات، سواء عبر الإعلام، التعليم الديني، أو المنصات الاجتماعية، تعني السيطرة على ميدان المعركة الفعلي. من يسيطر على الرواية، يسيطر على النتيجة. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الحرب التقليدية المبنية على الحسابات العقلانية والحروب الحديثة المبنية على الإيمان.

في العراق وسوريا، تم استثمار السرديات السلفية لإضفاء شرعية معنوية على العمليات العسكرية، وتحفيز التضحية الذاتية، وتأمين التمويل والموارد البشرية المستدامة، حتى في ظل خسائر مادية أو انسحابات خارجية. بينما في إسرائيل، تُستثمر السرديات الدينية والهوية التاريخية لتوجيه الاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية، وخلق التزام مجتمعي مستمر نحو أهداف الدولة.

 

الثالوث المغلق: الدين والسياسة والاقتصاد

ما يجمع هذه الحالات هو نموذج الدائرة المغلقة بين الدين، السياسة، والاقتصاد:

 

الدين يشرعن السياسة ويحوّل السرديات المقدسة إلى قواعد لإنتاج القرار الاستراتيجي.

السياسة توفر حماية وإطارًا مؤسساتيًا لاستدامة الدين والاقتصاد المرتبطين بالحرب.

الاقتصاد يموّل الصراع ويعيد إنتاج البنية الدينية والسياسية، من خلال تمويل شبكات التعبئة، والإنتاج الرمزي، والحفاظ على استدامة الموارد.

هذا الثالوث يجعل الصراع أكثر صعوبة في الحل، لأنه لا يعتمد على الحسابات المادية فقط، بل على الالتزام المعنوي والاجتماعي، وعلى قدرة كل طرف في إنتاج السردية وإعادة إنتاج السلطة.

 

الانتقال من عقلانية الحرب إلى الإيمان كقاعدة

في الماضي، كانت الحروب تعتمد على تحليل القوى والموارد والتكتيكات. اليوم، أصبح الإيمان والمعتقدات السردية المحرك الأول للقرارات، حيث يحدد الدين العدّو الحقيقي ويميز بين الخير والشر ويعطي معنى لكل فعل عسكري أو اقتصادي. هذا التحول يجعل الصراعات أكثر استدامة وعمقًا، وأكثر عنفًا، وأقل قابلية للحل عبر الوسائل التقليدية.

في العراق وسوريا، تحوّلت السرديات الجهادية إلى معيار للالتزام والتضحية، حيث يرى المقاتلون أن مشاركتهم ليست مجرد خيار سياسي، بل تحقيق لمهمة معنوية كونية. في إسرائيل وإيران، يعطي الدين الإطار المعنوي الذي يبرر التوسع ويحمي الموارد ويوجه السياسات الخارجية بطريقة متماسكة وفعالة.

 

التحدي المستقبلي: عقلنة الصراع

أمام هذا الواقع، يطرح السؤال المركزي: كيف يمكن إعادة عقلنة الصراع في عالم يُدار بالإيمان؟ الحلول التقليدية لن تكون كافية، إذ أن الدين أصبح جزءًا من بنية إنتاج القوة والمعنى. المطلوب هو:

1. تطوير مشاريع مدنية بديلة توفر سرديات مشتركة يمكن أن تحل محل التوظيف السياسي للدين.

2. إدارة السرديات الإعلامية والثقافية لإعادة إنتاج معنى السلام والأمن دون التناقض مع الهويات الدينية.

3. إعادة النظر في دور السياسة والاقتصاد بحيث يتم توجيه الدين بشكل استراتيجي بدل أن يكون هو المسيطر على القرار.

إعادة عقلنة الصراع تعني فهم الدين كعنصر من عناصر القوة الاستراتيجية، وليس مجرد عنصر أخلاقي أو ثقافي. التعامل مع الدين بهذه الطريقة يسمح ببناء حلول مستدامة، استراتيجية، ومتماسكة للصراعات المعقدة، خصوصًا في مناطق الفراغ السياسي مثل العراق وسوريا والفضاء العربي.

 

خلاصة الرؤية

الحروب الحديثة أصبحت حربًا للإيمان والمعنى أكثر من كونها مجرد نزاع على الأرض أو الموارد. الدين أصبح البنية التي تُعيد إنتاج السياسة والاقتصاد، وتضمن استدامة الصراع عبر خلق التزام معنوي مستمر لدى المجتمعات. هذا التحول يجعل الحروب الحالية والمستقبلية أكثر عنفًا، أطول، وأقل قابلية للحل، ويضع الباحث والمحلل أمام تحدي كبير: فهم الدين والسياسة والاقتصاد كحلقة متشابكة، وابتكار استراتيجيات تتيح التحكم في السرديات وإعادة إنتاج السلام بشكل مستدام.

الرؤية النهائية تؤكد أن العودة إلى فهم الدين كعامل إنتاجي ومعنوي واستراتيجي هي الطريقة الوحيدة لفهم الصراعات الحديثة والتعامل معها بشكل واقعي خارج نطاق التحليلات التقليدية، التي لم تعد كافية في عصر تتداخل فيه العقيدة، السياسة، والثروة في دائرة مغلقة تقود الأحداث وفق قوانين معنوية لا تقل قوة عن قوانين الجغرافيا والاقتصاد.

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!