الوضع المظلم
السبت ١٦ / مايو / ٢٠٢٦
Logo
مام جلال الطالباني ...الإمبراطور الغائب الحاضر
سردار شريف

تمتلئ الذاكرة السياسية الكردية بشخصياتٍ تحوّلت إلى أرقامٍ صعبة في عالم السياسة، شخصيات لعبت دوراً بارزاً في الدفاع عن حقوق الشعب الكردي وإثبات وجوده أمام العالم. ومن بين ساحات السياسة والمفاوضات وميادين النضال، برز اسم جلال طالباني بوصفه أحد أهم القادة الكرد الذين تركوا أثراً عميقاً في تاريخ المنطقة.


لم يكن “مام جلال” رجلاً يعرف الاستسلام أو الركون إلى الهدوء السياسي، بل عُرف بمهارته الكبيرة في كسب الأصدقاء للقضية الكردية، وقدرته الاستثنائية على تحويل الخصوم إلى شركاء في الحوار. ومن رحم الإنكار الذي واجهه الكرد في مختلف أجزاء كردستان، وُلد ذلك العناد السياسي والتمسك بالهوية الكردية، التي كانت حاضرةً دائماً في عقل مام جلال وعلى طاولات المفاوضات التي خاضها لعقود طويلة.

ورغم الخلافات التي كانت تعصف بالبيت الكردي، فإن وجود مام جلال شكّل عامل توازن بين الأحزاب والقوى الكردية، كما مثّل نقطة التقاء بين الكرد وجميع الأطراف الرافضة لحقوقهم أو وجودهم السياسي. وبفضل ذكائه السياسي ورمزيته الخاصة، استطاع تحقيق مكاسب كبيرة في أصعب المفاوضات وأكثرها تعقيداً.

ولهذا عُرف بأنه أحد أبرز المدافعين عن القضية الكردية عبر عقود طويلة، جامعاً بين العمل السياسي والكفاح بمختلف الوسائل المتاحة، حتى أسّس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975، ليصبح لاحقاً أحد أهم الأحزاب السياسية في العراق وكردستان. وكان خصومه قبل حلفائه ينظرون إليه بوصفه “إمبراطوراً” على طاولة السياسة؛ سواء كانوا عرباً أم كرداً أم شيعةً أم من أي طرف آخر داخل العراق.

وبعد سقوط نظام صدام حسين على يد الولايات المتحدة وبريطانيا، أصبح مام جلال أول رئيس كردي للعراق، في خطوة تاريخية جسدت تحولاً كبيراً في شكل الدولة العراقية الحديثة. وخلال سنوات حكمه، واصل مام جلال بناء شبكة واسعة من العلاقات الدولية، ليصبح جسراً متيناً بين الكرد والعالمين العربي والغربي، ورمزاً سياسياً حاضراً حتى في غيابه.

ولا يزال الكرد يواجهون أقسى التحديات على الأرض ذاتها التي عانى عليها كثير من السياسيين الكرد الذين رحلوا عن عالمنا، لكن الذاكرة السياسية والمواقف الراسخة تعيدهم دائماً إلى الوقوف من جديد، لإثبات حقوقهم على أرض الأجداد.إن القاعدة القوية التي أسسها عظماء القضية الكردية، ومن بينهم مام جلال، ما تزال تحافظ على قوتها رغم المحاولات الكثيرة لتحطيمها، لأن الذين صنعوا هذه القاعدة ما زالوا حراساً لها… حتى وإن غابوا.

ليفانت: سردار شريف
 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!