الوضع المظلم
الأحد ١١ / يناير / ٢٠٢٦
Logo
  • من القدر المتجلي (Manifest Destiny) إلى مادورو قرنان من الغرب المتوحش الأمريكي

  • كيف تواصل الأساطير التأسيسية الأمريكية تبرير العنف الإمبريالي
من القدر المتجلي (Manifest Destiny)  إلى مادورو قرنان من الغرب المتوحش الأمريكي
برنامج تلفزيوني في البيت الأبيض

مقال تحليلي

 

برنامج تلفزيوني في البيت الأبيض

الثالث من يناير 2026 , جلس دونالد ترامب في البيت الأبيض يشاهد ما وصفه بـ"برنامج تلفزيوني" .

لم يكن مسلسلا دراميا , ولا مباراة كرة قدم , بل كان بثا حيا مباشرا- نقلا لحظيا - لقوات عسكرية أمريكية تقتحم القصر الرئاسي في كاراكاس , فنزويلا .

طائرات أوسبري تحلق فوق العاصمة , قوات دلتا تخترق أبوابا فولاذية محصّنة , ضربات جوية دقيقة تعطّل منظومات الدفاع , حرب إلكترونية شاملة تُشلّ شبكات الاتصالات , وفي غضون ساعات- ساعات قليلة فحسب -الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في قبضة الأمريكيين, في طريقهما إلى نيويورك لمحاكمتهما كـ"مجرمين" .

ردّ فعل ترامب ؟ وصف المشهد بأنه "أشبه ببرنامج تلفزيوني", قال إن العملية كانت "الأروع في التاريخ", ثم بصراحة نادرة حتى بمعاييره هو, أضاف : "سننخرط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي" .

معادلة بسيطة :
 قوة عسكرية ساحقة + اعتقال "خارج على القانون" + الاستيلاء على الموارد = الغرب المتوحش

هل يبدو هذا مألوفا ؟ لابد أن يكون كذلك .

السؤال الذي لا يزول

أليس الغرب المتوحش (Wild West) حقبة تاريخية انتهت في القرن التاسع عشر ؟ ذاك العصر الذي ساد فيه رعاة البقر والمستوطنون والشعوب الأصلية منذ أكثر من قرن مضى ؟

كلا, الجواب : كلا , الغرب المتوحش لم ينته قط, تحوّل, تطوّر, ارتدى أقنعة مختلفة طوال القرن العشرين .

الديمقراطية, حقوق الإنسان, مكافحة الإرهاب, اختر قناعك المفضل, لكن في القرن الحادي والعشرين سقط القناع .

دونالد ترامب لا يُمثل " انحرافا " عن التقاليد الأمريكية , إنه عودة إلى الأصول , إلى اللحظة التأسيسية للإمبراطورية الأمريكية , حيث القوة هي الحق, والموارد غنائم, و"البطل الوحيد" يُنفّذ العدالة بمسدسه, لا اعتذارات, لا ادعاءات, سلطان القوة فحسب .

ترامب, بخطابه الفجّ وسياساته العدوانية وأسلوبه المسرحي, يبدو كأنه هرب من فيلم غربي قديم ليحكم أمريكا .وربما - فقط ربما - ليست هذه مقارنة أدبية على الإطلاق , ربما هي تشخيص دقيق , أمريكا تعود إلى منطقها الأصلي , منطق الغرب المتوحش .

الباب الأول: الغرب المتوحش التاريخي - حين التقت الأسطورة بالواقع (وخسر الواقع )

1847:  لحظة تأسيسية لا يتذكرها أحد

تصوّر المشهد : 1847 , القوات الأمريكية تغزو المكسيك , تقترب من العاصمة, دماء, نيران, المعتاد, وفي آيوا تنشر صحيفة The Gate City رسالة من "مزارع عجوز" يُحذّر من التوسع .

استمع إلى هذا :

" هل نحتاج حقا إلى أي أراض مكسيكية ؟ بالتأكيد لا, ستكون عبئا علينا لو امتلكناها , الأربعون ألف رجل الذين أرسلناهم إلى المكسيك, لو بقوا في ديارهم يعملون في مزارعهم وورشاتهم, أو لو استُخدموا في بناء القنوات والسكك الحديدية وتحسين الموانئ وبناء المدن, لكان ناتج عملهم في بضع سنوات كافيا لشراء كل المكسيك ! "

منطق سليم , أليس كذلك ؟ عقلانية اقتصادية , البناء في الداخل بدلا من الغزو في الخارج , فكرة جديدة .

لكن هذا الصوت العاقل غرق تماما في ضجيج القدر المتجلي (Manifest Destiny)- ذلك المبدأ الجميل المرعب الذي يعلن أن أمريكا مُقدّر لها إلهيا أن تتوسع " من البحر إلى البحر اللامع ", الله أرادها لهم, على ما يبدو , ومن هم ليجادلوا في إرادة الله ؟!

في نفس العدد من الصحيفة, هناك مقال نقدي طويل عن القدر المتجلي, لكن حتى هو لا يستطيع الفكاك من الأيديولوجيا :

" قد يكون من 'القدر المتجلي' للعرق الأنجلو-ساكسوني أن يمتلك أراضي المكسيك, لكن إذا سعينا وراء هذا 'القدر المتجلي' بغزو أراضيها دون داعٍ, ومضايقة شعبها, وتدمير مؤسساتها المدنية, وقتل الرجال والنساء والأطفال, فإن 'قدرنا المتجلي' حتما سيكون أن نُعاقَب على جرائمنا  .

وهنا المفارقة , حتى الصوت الناقد يعترف بأن "العرق الأنجلو-ساكسوني" له "قدر" في امتلاك المكسيك! النقد ليس للفكرة نفسها بل للطريقة "الوحشية" في تنفيذها , فكّر في هذا , السؤال لم يكن هل نتوسع, بل كيف. ,هل نكون مُهذّبين أثناء الغزو .

نفس العدد أورد أخبار الحرب بلا مبالاة , " الجنرال سكوت خاض معركة مع المكسيكيين وخسر 300 رجل , وبعدها دخل مدينة المكسيك  " .

معادلة بسيطة. معركة , خسائر , دخول العاصمة , سيطرة , انتهى الأمر .

هل بدأ يبدو مألوفا لك الآن ؟ , ربما شاهدته سابقا في أحد أفلام الكاوبوي .

1899 :  حين تعولم الغرب المتوحش (لأن أمريكا ملّت )

سنقفز نصف قرن إلى الأمام , الخامس من أغسطس 1899, صحيفة The Caldwell Tribune في إقليم آيداهو – الذي لا يزال في قلب بلاد الغرب المتوحش آنذاك - تنشر هذه الدرة بعنوان " واترسون عن التوسع " :

" السيد واترسون ينظر إلى المحيط الهادئ الشاسع كحقل جديد للمشروع التجاري - إلى الصين واليابان وأستراليا والجزر المتعددة كـ "عالم جديد " , مع ملايينها التي يجب أن تُكسى وتُطعَم، وتُعلَّم الاحتياجات , وتُثقَّف في الفنون , وتُرفع إلى مستوى الحضارة .

"عالم جديد" , ها هو غرب متوحش جديد , لكن عبر المحيط الهادئ , " تُكسى وتُطعَم " - الآسيويون يُصوَّرون كأطفال يحتاجون "رعاية" أمريكية , " تُرفع إلى مستوى الحضارة "- نفس الخطاب المستخدم عن الشعوب الأصلية البرابرة الذين يحتاجون عبء الرجل الأبيض , (كانوا يقولون فعلا " عبء الرجل الأبيض " و هذا ليس سخرية , هل تستطيع أن تتخيل؟ ) .

المقال في الصحيفة يزداد روعة - أو سوءا , حسب منظورك :

" ماذا كنا سنظن بجيفرسون لو أنه متجاهلا الميزة العملية المتاحة له , بحجج الدستور أو تردد أخلاقي آخر , فقد فرصة شراء لويزيانا من نابليون ؟"

هكذا أقرأ النص : لا تدع " الدستور "  أو  " الأخلاق " تمنع التوسع , لويزيانا كانت صفقة رائعة, الفلبين؟ فرصة مماثلة , اقتنصها قبل أن يأخذها أحد آخر .

ثم يأتي اقتباسي المفضل من هذا المشروع البحثي كله :

" القرن العشرون سيُكرَّس لمعركة تجارية عظيمة بين الأمم , وقانون الكون سيقرأ البقاء للأصلح " .

ها هو ذا , داروينية اجتماعية صريحة مطبوعة في صحيفة 1899 كأنها نشرة الأحوال الجوية " البقاء للأصلح " = منطق الغرب المتوحش في أنقى صوره , الأقوى يأخذ كل شيء , " معركة تجارية "  = طريقة لطيفة لقول "حرب اقتصادية"  = نهب الموارد بعلاقات عامة أفضل .

1899:   الفلبين وكوبا (أو : كيف تبني إمبراطورية متظاهرا بأنك لا تفعل ذلك )

صحيفة Daily Inter Mountain  من مونتانا أوردت في 13 مارس 1899 : " باسيغ ( في الفلبين ) سقطت , لواء ويتون يستولي على المدينة " .

" الجنرال ويتون استولى على مدينة باسيغ ( الفلبين ) بعد ظهر اليوم , الخسائر الأمريكية كانت ستة جرحى فقط , المتمردون أُجبروا على الفرار " .

أنظر , " المتمردون " , فكر في هذه الكلمة للحظة , " المتمردون " = فلبينيون يدافعون عن أرضهم من غزو أجنبي , لكنهم " متمردون ", أما الأمريكيون الذين يغزون بلدهم, فهم الطيبون , الفلبينيون الذين يحاولون البقاء مستقلين متمردو ,. مجرمون, عوائق تمت إزالتها .

" ستة جرحى فقط "  تفوق عسكري ساحق , تماما كفنزويلا 2026 , نفس الدليل , قرن مختلف , أسلحة أحدث .

نفس الصحيفة أوردت عن كوبا :

" الجمعية الكوبية لم تحصل قط على اعتراف رسمي من الولايات المتحدة , الجنرال بروك يتصرف ( بدلا منها ) ,  الولايات المتحدة لن تعترف بها " .

أمريكا تقرر من يمثل كوبا , ليس الكوبيون أنفسهم , الجنرال الأمريكي هو من يتخذ القرار .

هل هذا يبدو مألوفا لك ولو قليلا ؟ , ترامب في 2026 يُعلن إدموندو غونزاليس " الرئيس الشرعي " لفنزويلا , وليس مادورو , نفس الدليل بالضبط , مجرد تبديل الأسماء والتواريخ .

إليك اقتباسا آخر وجدته , و ربما ستضطر لقراءته مرتين لتصدق أنه حقيقي :

" الأمريكيون أساتذة فن صناعة الدول , ظلوا يقيمون حكومات في البرية منذ قرن وثلث , من قرى صغيرة محصنة في هولستون وكمبرلاند , وصولا إلى خلق أمة عظيمة تضم الآن 75 مليون نسمة " .

" أساتذة صناعة الدول " , ربما أساتذة فرض الهيمنة أقرب إلى الحقيقة , أساتذة تقرير من يحكم ومن لا يحكم .

" قرن وثلث " تعني استمرارية من الغرب المتوحش (1769) إلى 1899 , نفس المنطق , نفس الأساليب , إنما أكبر فحسب .

ثم وجدت هذه الجملة , هذه الجملة فعليا مطبوعة في صحيفة , محفوظة في مكتبة الكونغرس :

" الحكومة الإقليمية على الأرجح ستُمَد إلى بورتوريكو قريبا , هاواي ستحصل على هذا النظام لاحقا , بسبب غلبة الآسيويين والشعوب الدونية الأخرى في سكانه , كوبا , بعد الضم الرسمي , ستُناسب نفسها قريبا للتمتع بكل امتيازات المواطنة الأمريكية " .

" الشعوب الدونية " , مطبوعة في صحيفة عام 1899 .

ليست مخفية , ليست مُرمّزة , بل هناك مباشرة , الآسيويون في هاواي شعوب دونية لا تستحق الحكم الذاتي , هذا نفس خطاب الغرب المتوحش عن الشعوب الأصلية كـ " برابرة " , الآن مُصدّر إلى المحيط الهادئ , العنصرية ليست نصا ضمنيا , إنها النص نفسه ! .

وهي موجودة في مكتبة الكونغرس , رقمية , متاحة مجانا لأي أحد للتحقق , لهذا أُضمّن الروابط في نهاية هذا المقال , لأنني لو لم أفعل فقد تظن أنني أبالغ  .

الباب الثاني: ترامب—الكاوبوي الذي توقف عن التظاهر

حين التقى تلفزيون الواقع بالواقع

ترامب ليس سياسيا تقليديا , . إنه رجل أعمال وشخصية تلفزيونية تعثّر - أو بالأحرى تدحرج - في السياسة كالكاوبوي السكران عندما يدخل حانة , ربما شاهدت هذا سابقا .

برنامج The Apprentice (2004-2015)  بنى صورته العامة حجرا حجرا  الرجل القوي الذي يطرد الضعفاء , تلك العبارة , " أنت مفصول " - ليست مجرد عبارة جذابة , إنها فلسفة سياسية كاملة مضغوطة في كلمتين , قوة , تراتب , إقصاء , في \افلام الغرب المتوحش , الكاوبوي الأقوى يقرر من يبقى في البلدة ومن يطرد .

كتابه Crippled America (2015)  وذاك الشعار الذي سمعناه كثيرا  -  اجعل أمريكا عظيمة مجددا - ,  هذه العبارة ليست مجرد تسويق , إنها دعوة لاستعادة شيء ما , لكن أي " عظمة " ؟ .

عظمة القرن التاسع عشر, بوضوح , حين توسعت أمريكا دون حدود , حين لم يكن الغرب المتوحش استعارة بل سياسة فعلية , حين كان أخذ ما تريد لا يُستجوَب- بل يُحتفى به , حين كان الرجال رجالا , والبنادق تحسم النزاعات , والضعفاء يُفسحون المجال للأقوياء .

الخطاب : رجل الكاوبوي تماما .

أعظم ضربات ترامب في خطاباته تنبؤك بكل شيء :

" نار وغضب " ضد كوريا الشمالية ( 2017 )

 "دول قذرة " واصفا دولا أفريقية وهايتي ( 2018 )

 "سنأخذ النفط " من سوريا ( 2019 )

 "سننخرط بقوة في النفط الفنزويلي " ( 2026 )

لا قناع دبلوماسي , العنف بكل وضوح و مباشرة , المصلحة عارية وبلا خجل .

وترامب نفسه سمّى هذا " مبدأ دونرو " - تلاعب  بـ" مبدأ مونرو " 1823 الذي أعلن أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكية , بدأها بـ " دون " اختصار دونالد , نرجسية خالصة , لكن المرجع التاريخي يكشف شيئا , ترامب - أو على الأرجح مستشاروه - يعرفون أن هذا ليس جديدا , و ليس مبتكرا أو ليس ثوريا , إنها عودة صريحة وبلا خجل إلى الإمبريالية في القرن التاسع عشر .

في السياسة أحرق كل شيء ( عدا النفط )

ترامب انسحب من :

اتفاقية باريس للمناخ

الاتفاق النووي مع إيران

منظمة الصحة العالمية

اليونسكو

الرسالة لا يمكن أن تكون أوضح , أمريكا لا تحتاج أحدا , لا تُقيدها أي معاهدات دولية , لا التزامات تجاه أحد سوى نفسها  , هذا منطق الغرب المتوحش في أنقى صوره , لا قانون فوق قانون البندقية , الفرد القوي- أو الدولة القوية - لا يخضع لأي سلطة , يضع قوانينه الخاصة , يأخذ ما يريد .

فنزويلا 2026: منتصف النهار في كاراكاس

دعنا نعيد مشاهدة ما حدث فعلا , فبعض التفاصيل مهمة  .

السادسة صباحاً بتوقيت فنزويلا :

قوات دلتا الأمريكية تقترب من القصر الرئاسي , طائرات أوسبري V-22 تحلق فوق كاراكاس كمفترسات آلية , حرب إلكترونية شاملة تعطل الرادارات , الدفاعات الجوية , الاتصالات , كل شيء يغرق في الظلام , ضربات جوية دقيقة تُدمر نقاط دفاع محددة مسبقا , الحرس الرئاسي يحاول المقاومة كمن يرمي الحجارة على دبابة .

التفوق الأمريكي ليس ساحقا فحسب , إنه مطلق .

بعد ساعتين : مادورو وزوجته في الأصفاد , يُحمّلان على طائرة متجهة إلى نيويورك .

الثامنة صباحا بتوقيت واشنطن :

ترامب يجلس في البيت الأبيض يشاهد البث المباشر , لاحقا يخبر فوكس نيوز : " كنت قادرا على مشاهدتها في الوقت الفعلي , شاهدتها حرفيا كأنني أشاهد برنامجا تلفزيونيا , ولو كنت رأيت السرعة , العنف... كان مذهلا " .

" كبرنامج تلفزيوني " , هذا سيترسّخ , رئيس الولايات المتحدة يشاهد عملية عسكرية – عمل حربي –حقيقي – كأنها سهرة ليلة الأحد الترفيهية , ويصفها بأنها " مذهلة" , لم يقل " ضرورية " أو " مؤسفة لكن مطلوبة " بل مذهلة , استعراض تلفزيوني رائع .

هذه ليست " حربا "  بأي معنى حديث نعرفه , إنها شيء مختلف , هذه مداهمة , غرب متوحش خالص , بنادق مشتعلة , لا اعتذارات و لا ادعاء بـ" بناء أمم " أو " نشر ديمقراطية " , فقط : أردناه فأخذناه , شاهدونا نفعلها مباشرة .

دعنا نقارن هذا المشهد بمشهد هوليوودي :

الغرب المتوحش (القرن التاسع عشر )  :  شريف يطارد " خارجا على القانون " , مبارزة عند الظهيرة , مسدسات وخيول , " أنت محاصر , استسلم " , نقل المجرم للمحاكمة .

فنزويلا 2026  : ترامب يطارد " مجرم مخدرات  " , مداهمة عند الفجر , طائرات أوسبري وقوات دلتا , " أنت محاصر , استسلم " , نقل مادورو إلى نيويورك .

الفرق الحقيقي الوحيد : التقنية , أما المنطق متطابق , البنية نفسها , النتيجة محددة مسبقا .

احتضان ترامب للعنف الاستعراضي لم يبدأ هنا بالمناسبة , بدأ مبكرا في ولايته الأولى بـ" أم القنابل جميعا " التي ألقيت على أفغانستان في ( أبريل 2017 ) , تصاعد باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني ( يناير  2020) الذي كان يعتبر نفسه محصنا ضد الخطر , بالضبط ستة أعوام قبل اعتقال مادورو , والآن يبلغ العنف الاستعراضي ذروته باختطاف مادورو , كل عملية أكثر جرأة , و أكثر مسرحية من سابقتها .

وترامب لا يخفي أيا من هذا , و لا يحاول حتى " سننخرط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي " .

لم يقل " سنساعد الشعب الفنزويلي " , أو " سنُعيد الديمقراطية " , ولا حتى " سنضمن الاستقرار في المنطقة " , فقط : سنأخذ النفط .
 

هناك ما يُذهل في هذا السلوك : حتى في 1899 , كانوا يتظاهرون  " نُمدّن الشعوب " , " نرفعها إلى مستوى الحضارة " , " عبء الرجل الأبيض " وكل تلك الترهات , كذبوا لكنهم شعروا بحاجة للكذب , أما ترامب , لا أكاذيب , فقط :  سنأخذ النفط , الصدق الذي من المفترض أن يريحك , هنا يشعرك بالرعب .

الإفلاس الأيديولوجي مكتمل , القناع لم يسقط سهوا , ترامب مزقه وألقاه .

الباب الثالث: النمط—قرنان من المنطق ذاته

سأتجاوز البنية السردية هنا للحظة لأن الأنماط تحتاج أن تعرض بوضوح .

ما لم يتغير أبداً

١. سلطان القوة كالقانون الوحيد الذي يهم

الغرب المتوحش (القرن التاسع عشر) :  الأسرع بالبندقية يفوز , لا قانون في البرية , الشريف قاض وهيئة محلفين وجلاد .

ترامب 2026 : الأقوى عسكريا يفوز , القانون الدولي "لا ينطبق" , أمريكا قاضية وهيئة محلفين وجلاد .

نفس المنطق , إنما المقياس مختلف , هذا كل شيء .

٢. الآخر كأقل من إنسان

هذه الاستمرارية الأكثر إزعاجا , ويجب قولها بوضوح :

الحقبة

"الآخر"

الوصف

المعنى الضمني

الغرب المتوحش (القرن التاسع عشر)

الشعوب الأصلية

"برابرة"

لا يستحقون أرضهم

( 1899 لفلبين )

الآسيويون

" شعوب دونية "

لا يستحقون الحكم الذاتي

ترامب 2026

مادورو/الفنزويليون

" إرهابي مخدرات "/" دولة فاشلة "

لا يستحقون السيادة

النمط: جرّد الآخر من إنسانيته , ثم جرّده من شرعيته , ثم جرّده من كل شيء آخر , الأرض و الموارد و السيادة و الحياة .

٣. المعتدي يصبح الضحية

هذا النمط مثير للإعجاب تقريبا في اتساقه :

1847 : " المكسيك تهدد حدودنا " ( الواقع : أمريكا غزت المكسيك )
 1899 : " المتمردون الفلبينيون يهاجمون " ( الواقع : أمريكا احتلت الفلبين )
 2026 : " مادورو يهدد أمننا بالمخدرات " ( الواقع : أمريكا اعتقلت رئيس دولة ذات سيادة )

أمريكا دائما " تدافع " , لا " تعتدي " أبدا , الغزاة يصبحون المغزوّين , الضحية تصبح المجرم , المنطق ينقلب تماما , وبطريقة ما ينجح في كل مرة .

٤.  الموارد كالدافع الحقيقي ( لكننا نتظاهر بغير ذلك )

الحقبة

ما أرادوه

ما قالوا إنهم يريدونه

أربعينيات القرن التاسع عشر

ذهب كاليفورنيا , أراضي المكسيك

" القدر المتجلي "

تسعينيات القرن التاسع عشر

أراضٍ زراعية , تجارة المحيط الهادئ

" نشر الحضارة "

1899

أسواق آسيوية

"  رفع الشعوب الدونية "

1945-2000

نفط الشرق الأوسط

" الديمقراطية وحقوق الإنسان "

ترامب 2026

النفط الفنزويلي

" سننخرط في قطاع النفط "

الدافع الاقتصادي ثابت عبر قرنين , التبرير يتغير مع موضات الزمن , ابتكار ترامب الوحيدأنه تخطي التبرير تماما .

٥.  أسطورة البطل الوحيد

في أفلام الغرب , معظمنا يعرف القصة : رجل واحد ببندقيته ينظف البلدة , لا يحتاج مساعدة , لا يخضع لأي قانون , يعمل خارج " المؤسسات " لأنها فاسدة أو ضعيفة أو كلاهما , البلدة تتوسل إليه أن يبقى لكنه يمتطي حصانه نحو الغروب , وحيدا , يساء فهمه , لكنه صالح .

ترامب 2026  :  " أنا وحدي أستطيع إصلاح هذا " , يهاجم " الدولة العميقة " , يرفض الأمم المتحدة والقانون الدولي , يتخذ قرارات أحادية دون استشارة الحلفاء , و أحيانا حتى دون إبلاغهم , الكاوبوي الوحيد لا يزال في 2026 .

٦.   العنف أولا , الأسئلة لاحقا 

الغرب المتوحش : المبارزة هي الحل الطبيعي للنزاع , لماذا نضيع الوقت بالكلام في حين إطلاق النار أسرع , البندقية تنهي النزاع نهائيا , و بشكل دائم .

ترامب 2026 : لا محاولة جدية للتفاوض مع مادورو , العقوبات فشلت , ضربة عسكرية سريعة و حاسمة , لا "ثرثرة دبلوماسية " , مجرد فعل .

الفرق - وهذا مهم - أنه في أساطير الغرب المتوحش , كانت المبارزة مفترض أن تكون " عادلة "  وجها لوجه , نفس السلاح , فرصة متساوية , أما في 2026  لا ادعاء بالعدالة , تفوق عسكري ساحق , إنها ليست مبارزة بل هي إعدام بإخراج أفضل .

 

ما تغيّر فعلا – مفاجيء لكن ليس كثيرا

تحسنت التقنية , و بقي المنطق

الغرب المتوحش

2026

مسدسات كولت

صواريخ دقيقة التوجيه

خيول

طائرات أوسبري V-22

تلغراف

حرب إلكترونية شاملة

أبواب صالون خشبية

أبواب فولاذية محصّنة ( تخترق بنفس السهولة )

الأدوات تطورت , و الهدف متطابق , قوة ساحقة ضد أحد أضعف , الأقوى يأخذ من الأضعف , حكاية قديمة قدم الزمن .

الحرب أصبحت ترفيها

الغرب المتوحش : القصص تُروى بعد الواقعة , روايات رخيصة , عروض بوفالو بيل الغربية المتوحشة , أساطير تُبنى بأثر رجعي .

ترامب 2026 : بث مباشر , ترامب يشاهد في ( الوقت الفعلي) يصفها  " كبرنامج تلفزيوني " , الحرب كمشهد , العنف كمحتوى , الرئيس كمشاهد رئيسي .

هذا استمرار لسردية هوليوود ,  هوليوود تحوّل الحرب لترفيه منذ عقود. , توب عن , سقوط الصقر الأسود , كل فيلم حرب صنع على الإطلاق هو تحويل الحرب لترفيه , لكن أن يقولها الرئيس نفسه بصوت عال ؟ , أن يصف عملية عسكرية بأنها تلفزيون هذا " مذهل "؟ و جديد .

الأكاذيب توقفت (وهذا قد يكون أسوأ فعلا )

انظر إلى هذا التطور في الحجج :

أربعينيات -  تسعينيات القرن التاسع عشر : " ننشر الحضارة , الله قضى بها  "
 1899-1945 : " لدينا مهمة تمدينية , هذه الشعوب تحتاجنا "
 1945-2000 : " ندافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان "
 ترامب  2026 : " سنأخذ النفط "

لا ادعاء و لا أيديولوجيا ز لا تبرير , فقط : نريده , نأخذه , ماذا ستفعلون حيال ذلك ؟

ترامب لا يتظاهر بالنبل الأخلاقي , وصراحة ؟ لست متأكدا إن كان ذلك أكثر صدقا أو أكثر رعبا , الإمبراطورية توقفت عن الحاجة للقناع , القوة وحدها تكفي .

الاعتقال بدلا من الاغتيال ( وهم الشرعية )

تغيير الأنظمة في القرن العشرين :

أليندي (تشيلي 1973) : انقلاب ثم موته

نورييغا (بنما 1989) : غزو , اعتقاله , محاكمته في أمريكا

صدام حسين (العراق 2003) : غزو , اعتقاله , إعدامه  (بأيدي عراقية , ظاهريا )

ترامب 2026 :

مادورو : اعتقال مباشر , نقله لنيويورك , محاكمة أمريكية

هذا النمط محاولة إعطاء " شرعية قانونية " للعدوان , بدلا من " قتلناه " , يقال  " حاكمناه أمام العدالة " .

لكن عدالة من؟ محاكم أمريكية تحاكم رئيس دولة أجنبية على أراضٍ أمريكية لجرائم مفترضة ارتكبت في بلده؟ هذا ليس قانونا دوليا , و ليس حتى محاولة حسنة النية للقانون الدولي , إنه قانون الغرب المتوحش , الشريف الأمريكي يعتقل " المجرم " الأجنبي ويحضره للعدالة الأمريكية .

الشكل تغيّر, أما الجوهر لا يزال مجرد : القوة هي الحق .

الباب الرابع : لماذا الآن؟ ( أو: لماذا سقط القناع أخيرا ؟ )

أحتاج أن أُغيّر المسار هنا لأن هذا القسم يصبح نظريا , وأنا واعٍ بذلك , لكن ابن خلدون ومالك بن نبي فهما شيئا عن الإمبراطوريات لا يزال معظم علماء السياسة الغربيين يفوتهم , لذا ابقَ معي .

الإمبراطورية تحتضر (وهي تعرف ذلك )

كتب ابن خلدون المقدمة في القرن الرابع عشر, و فيها يصف دورة حياة الإمبراطوريات , أربع مراحل :

المرحلة الأولى - القوة البدوية والعصبية:  قوة صاعدة , تضامن قوي , هدف واضح , الجميع يؤمنون بالمهمة .

المرحلة الثانية - الملك والاستقرار : قوة راسخة , توسع مستمر , المؤسسات تتصلّب , ازدهار .

المرحلة الثالثة - الترف والجباية : القوة في ذروتها , لكن التضامن يضعف , الشرعية تبدأ بالتصدع .

المرحلة الرابعة - الهَرَم والانهيار :  القوة تتراجع , الشرعية ذهبت , فقط سلطان القوة يبقى , الإمبراطورية تصبح هشة .

أين أمريكا الآن ؟ في مكان ما بين المرحلتين الثالثة والرابعة  .

فقدت الشرعية الأيديولوجية , نعم , " الديمقراطية " توقفت عن كونها مُقنعة بعد أن تحوّل العراق إلى مذبحة , أفغانستان انهارت بعد عشرين عاما , ليبيا أصبحت دولة فاشلة , العالم توقف عن تصديق الخطاب , و حتى الأمريكيون توقفوا عن تصديقه أيضا .

منافسة اقتصادية , نعم , ناتج الصين المحلي يقترب من أمريكا , في تعادل القوة الشرائية , الصين تجاوزت الولايات المتحدة منذ سنوات , اللحظة أحادية القطب انتهت .

فماذا تفعل إمبراطورية حين تفقد الشرعية لكن لا تزال تملك البنادق؟ , تستخدم البنادق و تتوقف عن التظاهر , و تعود للقوة العارية , ( سلطان القوة كما وصفها الماوردي ) .

عودة منطق الغرب المتوحش ليست علامة قوة , ابن خلدون كان ليخبرك أنها علامة انحدار نهائي , حين تفقد الإمبراطورية عصبيتها – تضامنها , شرعيتها , قوتها الرابطة - وتلجأ للإكراه الخالص , هذه بداية النهاية و ليست قمة القوة , إنها نزع الموت .

لكن هنا حيث يصبح الأمر مثيرا بطريقة قاتمة , لا توجد خطة .

أشارت The New Republic إلى هذا في تغطيتها , وأقتبس : " في فنزويلا , يبدو أنه لا توجد خطة على الإطلاق " , مادورو أُزيل , كل الآخرين في السلطة لا يزالون هناك , استراتيجية ترامب تهديد القائدة بالوكالة ديلسي رودريغيز , بـ" شيء أسوأ " إن لم تطع , لكن ثم ماذا؟ " , لا أحد يعرف.

هذا ليس تخطيطا استراتيجيا , هذا مشهد من العنف كغاية في حد ذاته , ليس وسيلة لأهداف قابلة للتحقيق , حذّر ابن خلدون : الإمبراطوريات التي تلجأ للقوة المجردة  ( سلطان القوة ) دون عصبية حتما تنهار , لماذا؟  لأن القوة دون شرعية غير مستدامة , لا يمكنك احتلال كل مكان , لا يمكنك تهديد الجميع طوال الوقت , في النهاية , الرصاص ينفد أو الأعداء يتكاثرون أسرع مما تستطيع إطلاق النار عليهم .

مغامرة ترامب في فنزويلا هي المثال المثالي : قوة تكتيكية ساحقة , رؤية استراتيجية صفر , إنها قنبلة MOAB مرة أخرى – استعراضية , باهظة , وفي النهاية بلا جدوى .

الموجة الشعبوية (أو : لماذا يريد الجميع رجلا قويا الآن )

ترامب ليس وحيدا في هذا , إنه جزء من شيء أكبر- موجة شعبوية يمينية عالمية :

بوتين (روسيا) , أوربان (المجر) , بولسونارو (البرازيل, سابقا ) , ميلي (الأرجنتين) , مودي (الهند) , دوتيرتي (الفلبين, سابقا ) .

سمات مشتركة عبرهم جميعا :

رفض " المؤسسات " ( يسمونها فاسدة )

خطاب قومي عدواني

صورة  " الرجل القوي "

وعد بـ " استعادة العظمة "

ازدراء للقانون الدولي

احتضان العنف كسياسة

ترامب هو النسخة الأمريكية , وأساطير الغرب المتوحش تعطيه القصة الوطنية المثالية للاستغلال , كانت أمريكا "عظيمة " حين كانت قوية وبلا قيود , حين حكم رعاة البقر , حين القوة صنعت الحق , لنعد إلى ذلك .

الجاذبية تنجح لأنها تلامس شيئا عميقا : قلق الهيمنة المتراجعة , أمريكا لم تعد القوة العظمى الوحيدة , الصين تصعد , الشرق الأوسط لن يبقى مستقرا , أوروبا تستجوب القيادة الأمريكية , أمريكا اللاتينية تنتخب حكومات يسارية , أفريقيا تنظر بشكل متزايد للصين للاستثمار .

حين تشعر إمبراطورية بنفسها تنزلق , لن تذهب بهدوء , بل ستضرب بقوة .

الأساس المادي ( لأن الأفكار ليست منفصلة عن الاقتصاد )

ما سبق ليس فقط عن شخصية ترامب أو الأساطير الثقافية , هناك أساس مادي .

أمريكا تخسر ميزتها الاقتصادية , الصين تقترب  , وفي بعض المقاييس تتجاوز , أمريكا تحتاج موارد , نفط , معادن نادرة , ليثيوم , أسواق .

فنزويلا , أكبر احتياطي نفطي في العالم. 303 مليار برميل , خارج السيطرة الأمريكية منذ تشافيز (1999) , لخمس وعشرين سنة , كانت السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا تخلص من الحكومة , احصل على النفط , العقوبات لم تنجح , محاولات الانقلاب لم تنجح , " رئاسة غوايدو المؤقتة " كانت مزحة , فالآن عمل عسكري مباشر .

لكن هنا ما كان مالك بن نبي ليضيفه -  وهذا حاسم : الاستعمار لا ينجح فقط بالقوة الخارجية , ينجح بالضعف الداخلي , سمّاه بن نبي القابلية للاستعمار .

الانهيار الاقتصادي الفنزويلي , الضعف المؤسسي , العزلة الدولية , هذه أوجدت الظروف التي جعلت التدخل الأمريكي ممكن التفكير فيه , لو كانت فنزويلا قوية , مستقرة , متكاملة في تكتل من الحلفاء , كان أصعب بكثير لكن مفككة , معزولة , مفلسة , و ينخر فيها الفساد , فهي هدف سهل .

أساطير الغرب المتوحش توفر الشرعية الثقافية لما هو أساسا ضرورة اقتصادي , خطاب ترامب - الكاوبوي ليس السبب - إنه الرداء الأيديولوجي لتراكم رأس المال المجرد , السرقة تحتاج زيا , وترامب اختار بذلة الكاوبوي .

الثقافة الشعبية جعلت هذا ممكنا

شيء أخير لا يمكن تجاهله : أجيال من الأمريكيين نشأت على أفلام الغرب , جون واين , كلينت إيستوود , ريد ديد ريدمبش , كل فيلم كاوبوي صُنع على الإطلاق , الغرب المتوحش ليس مجرد تاريخ , إنه أسطورة , إنه هوية , إنه كيف يرى الأمريكيون أنفسهم : أقوياء , مستقلون , أقوياء صالحون , مستعدون لفعل ما يجب فعله حين لا يفعله الضعفاء .

ترامب فهم هذا غريزيا - أو مستشاروه فعلوا - صورته كـ" الرجل القوي " , " اجعل أمريكا عظيمة مجددا "  كعودة لأزمنة أبسط , أسلوبه الخام و المباشر, هو كاوبوي خالص , لا كلمات منمقة , لا لباقات دبلوماسية , فقط : هذا ما نفعله , تعاملوا معه .

وجزء ضخم من الناخبين الأمريكيين يحبونه , شاهدوا أفلام الغرب طوال حياتهم , يعرفون القصة , يعرفون البطل , ترامب صاغ نفسه في ذاك الدور , و هم اشتروا التذاكر .

الخاتمة : الكاوبوي يمتطي من جديد ( للأسف )

لنقم بإيصال الأفكار للنهاية  , ما نعرفه الآن

أولا :  اعتقال مادورو (يناير 2026) ليس شذوذا , إنه استمرارية  نمط يمتد قرنين كاملين , شراء لويزيانا (1803) , ثم الحرب المكسيكية (1846-1848) , ثم الحرب الإسبانية-الأمريكية (1898) , ثم الفلبين (1899-1902) , ثم عشرات التدخلات طوال القرن العشرين , وصولا إلى فنزويلا (2026 ) .

التكتيكات تتغير, التقنية تتحسن , التبريرات تتطور , لكن النمط ثابت و متسق  " قوة – موارد - هيمنة" .

ثانيا  : التغييرات – التقنية, المشهد , الصدق – سطحية , المسدس أصبح صاروخا دقيق التوجيه , الحصان أصبح طائرة أوسبري , لكن المنطق تحتها لم يتغير , الأقوى يأخذ من الأضعف , القوة تصنع الحق , الحدود تتوسع .

ثالثا  : ابتكار ترامب الحقيقي الوحيد هو الصدق , " سننخرط بقوة في النفط الفنزويلي " , لا ادعاء لا أيديولوجيا , لا تبرير أخلاقي , فقط : نريده , نأخذه .

هذا ليس تقدما أخلاقيا , إنه إفلاس أيديولوجي , الإمبراطورية لم تعد تحتاج القناع , القوة تكفي أو هكذا تظن .

رابعا   : هذه علامة ضعف لا قوة , رأى ابن خلدون هذا في إمبراطورية بعد إمبراطورية : حين تفشل الشرعية , تستولي القوة , لكن القوة دون شرعية هشة , غير مستدامة , الإمبراطوريات التي تصل لهذه المرحلة لا تدوم طويلا , روما سقطت , المغول سقطوا , الإمبراطورية البريطانية سقطت .

فنزويلا ليست حالة فريدة , في نفس الأسبوع هدد ترامب غرينلاند ( إقليم محمي من الناتو ) , كوبا , كولومبيا , المكسيك , إيران , ستة دول في سبعة أيام , النمط ليس خفيا , منطق الغرب المتوحش مطبق بشكل منهجي عبر جبهات متعددة , هذا ليس سلوكا اندفاعيا , إنها عودة متعمدة للتوسع الأمريكي في القرن التاسع عشر , مُجرّد من الادعاءات الليبرالية في القرن العشرين .

فماذا الآن؟

لفنزويلا وكل دولة في مرمى نيران أمريكا:

كان مالك بن نبي على حق : المقاومة الحقيقية تبدأ داخليا , رفض التدخل الأمريكي ليس كافيا , يجب بناء القوة من الداخل , اقتصاد مستقل , مجتمع متماسك , وعي حضاري .

القابلية للاستعمار - هذا ما يجعل التدخل ممكنا , أصلح ذلك , والقوة الخارجية تصبح أصعب بكثير للتطبيق , لا تصلحه , أنت ضعيف بغض النظر عن عدالة قضيتك .

للمجتمع الدولي:

القانون الدولي الآن لا يحمي الضعيف , لا يستطيع , و لن يفعل , التحالفات يجب أن تُبنى – الصين , روسيا , الجنوب العالمي -  لكسر الهيمنة الأمريكية , ليس من خلال الحرب , بل من خلال الاستقلال الاقتصادي , و التضامن السياسي , و إيجاد بدائل للمؤسسات التي تهيمن عليها أمريكا .

للأمريكيين:

لا تؤيدون هذا جميعكم , أعرف ذلك , في عام 1847 , كان هناك ذاك " المزارع العجوز " الذي حذّر من الحرب المكسيكية , اليوم، ملايين الأمريكيين يرفضون سياسات ترامب , السؤال هو ما إذا كان هذا الرفض يمكن أن يتحول إلى معارضة سياسية فعالة .

لكن هنا الجزء الصعب : معارضة ترامب ليست كافية , المنطق البنيوي الذي ينتج ترامبات - الزواج ما بين العسكرة و الرأسمالية و الأساطير عن الاستثنائية الأمريكية - هذا يسبق ترامب وسيبقى بعده , معارضة ترامب دون معارضة البنية تعني فقط أنك ستحصل على ترامب آخر , ربما بأخلاق أفضل , في أربع أو ثماني سنوات .

المعارضة الحقيقية تعني تحدي الأسطورة نفسها , تفكيك قصة الكاوبوي , رفض الاستثنائية الأمريكية , الاعتراف بأن القدر المتجلي كان دائما سرقة مُتنكرة في إرادة إلهية , هذا هو العمل الصعب .

ختاما ..

ترامب ليس هتلر , ليس نابليون  .

إنه شخصية رجل كاوبوي من فيلم غربي هوليوودي أصبح بطريقة ما رئيسا وقرر أن يحكم كأنه لا يزال في الفيلم , وفي ذاك الفيلم , الرجل الطيب - الرجل القوي - يأخذ ما يريد لأنه قوي بما يكفي لأخذه النهاية .

منطق بسيط , منطق قديم :

أنا الأقوى

آخذ ما أريد

أي أحد يعترض يُطلق عليه النار

هذا المنطق حكم أمريكا لقرنين , مساهمة ترامب الوحيدة  إيقاف الادعاء , تمزيق القناع , إظهار الوجه الحقيقي لما تحت القناع للجميع , هل ستنجح هذه العودة للغرب المتوحش؟

ابن خلدون يقول : لا , التاريخ يقول : لا , كل إمبراطورية حاولت القوة الخالصة بعد فقدان الشرعية فشلت , روما , المغول , بريطانيا , إسبانيا , البرتغال .

لكن خيال الغرب المتوحش قوي , وترامب جيد في بيع الخيالات , لذا ربما ينجح لفترة أطول قليلا  بضع سنوات أخرى , بضع غزوات أخرى , بضع دول أخرى تُضاف للقائمة .

لكن في النهاية , الرصاص ينفد , و الأعداء يتكاثرون , و التكاليف تتجاوز الفوائد , الإمبراطورية العجوزة واليائسة , تضرب بشكل أكثر هستيرية , و تحقق أقل في كل مرة .

والكاوبوي العجوز في البيت الأبيض , يستمر في إطلاق النار في كل اتجاه , قبل أن تنفد الذخيرة .

من القدر المتجلي إلى مادورو : قرنان من المنطق ذاته , الآن مُجرّد من زيه التنكري .

الكاوبوي يمتطي من جديد , والعالم يراقب , مذعورا لكن غير مندهش , بينما يُقفّي التاريخ نفسه في انهيار إمبريالي آخر.

 

المراجع

المصادر العربية والإسلامية

ابن خلدون   ,  المقدمة، تحقيق عبد الله محمد الدرويش (دمشق: دار يعرب , 2004 )

مالك بن نبي ,  شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين (دمشق : دار الفكر , 1986). الطبعة الأصلية بالفرنسية 1949.

مالك بن نبي , مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي, ترجمة بسام بركة وأحمد شعبو (بيروت : دار الفكر المعاصر, 2002). الطبعة الأصلية بالفرنسية 1970.

عبد الوهاب المسيري , ( الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان (بيروت : دار الفكر المعاصر، 2002 .

طه عبد الرحمن , ( سؤال الأخلاق : مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (الدار البيضاء : المركز الثقافي العربي، 2000 .

برهان غليون , ( نقد السياسة : الدولة والدين (بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1991 .

المصادر الأمريكية التاريخية الأولية

The Gate City (Iowa)، "Manifest Destiny" و"Important from Mexico"، 5 أغسطس 1847. Chronicling America، مكتبة الكونغرس. [https://www.loc.gov/resource/sn84038468/1847-08-19/ed-1/?sp=2&q=manifest+destiny&r=-1.224,0,3.448,1.371,0]

The Caldwell Tribune (إقليم آيداهو)، "Waterson on Expansion" و"Advances in Our New Possessions"، 5 أغسطس 1899. Chronicling America، مكتبة الكونغرس. [https://www.loc.gov/resource/sn86091092/1899-08-05/ed-1/?sp=1&q=Civilizing+mission&st=pdf&r=-0.03%2C0.102%2C1.004%2C1.004%2C0&pdfPage=undefined]

Daily Inter Mountain (مونتانا)، "Pasig is Taken" و"The Assembly is Ignored"، 13 مارس 1899. Chronicling America، مكتبة الكونغرس. [https://www.loc.gov/resource/sn85053057/1899-03-13/ed-1/?sp=1&q=Civilizing+mission&r=-1.307,-0.017,3.615,1.438,0]

المصادر الغربية النقدية

Richard Slotkin, Gunfighter Nation: The Myth of the Frontier in Twentieth-Century America (Norman: University of Oklahoma Press, 1992).

Greg Grandin, The End of the Myth: From the Frontier to the Border Wall in the Mind of America (New York: Metropolitan Books, 2019).

Roxanne Dunbar-Ortiz, An Indigenous Peoples' History of the United States (Boston: Beacon Press, 2014).

Patricia Nelson Limerick, The Legacy of Conquest: The Unbroken Past of the American West (New York: W.W. Norton, 1987).

Frederick Jackson Turner, "The Significance of the Frontier in American History"، ورقة قُدّمت في الجمعية التاريخية الأمريكية، شيكاغو، 1893.

Howard Zinn, A People's History of the United States: 1492-Present (New York: Harper Perennial Modern Classics, 2005 [1980]).

Noam Chomsky, Hegemony or Survival: America's Quest for Global Dominance (New York: Metropolitan Books, 2003).

William Blum, Killing Hope: U.S. Military and CIA Interventions Since World War II (Monroe, Maine: Common Courage Press, 2004 [1995]).

Vijay Prashad, Washington Bullets: A History of the CIA, Coups, and Assassinations (New York: Monthly Review Press, 2020).

مصادر إخبارية معاصرة (فنزويلا 2026 (

Alex Shephard، "The Real 'Donroe Doctrine': Spectacular, Made-for-TV Violence"، The New Republic، 8 يناير 2026.

الجزيرة نت، "عملية أمريكية معقدة لاعتقال مادورو: قوات دلتا، قصف دقيق، وتشويش إلكتروني"، 3 يناير 2026.

CNN العربية، "ترامب يشاهد عملية اعتقال مادورو مباشرة ويصفها بـ'البرنامج التلفزيوني'"، 3 يناير 2026.

BBC News Arabic، "فنزويلا: اعتقال الرئيس مادورو وزوجته في عملية أمريكية غير مسبوقة"، 3 يناير 2026.

منظمة أوبك (OPEC)، التقرير الإحصائي السنوي 2023 (Annual Statistical Bulletin 2023)، فيينا، 2023. [بيانات احتياطي النفط الفنزويلي: 303 مليار برميل]

 

ملاحظة   :  استُخدمت أدوات الذكاء الصناعي في مراحل البحث و الصياغة الأولية لهذا المقال  , جميع الحجج والتحليلات والاستنتاجات من عملي الفكري الخاص , وجميع  المصادر التاريخية موثّقة ومتاحة للتحقق المستقل .

 

ليفانت: نايف شعبان
 

منتدى الاستقلال للدراسات السياسية و الاستراتيجية

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!