الوضع المظلم
الخميس ١٣ / أغسطس / ٢٠٢٦
Logo
  • نوستالجيا القمع: حینما يُصاغُ قيدُ الضحيةِ من ذهبٍ وهميّ

نوستالجيا القمع: حینما يُصاغُ قيدُ الضحيةِ من ذهبٍ وهميّ
نوري بیخالي

يمضي العقل البشري وطرا عجيبا في تجميل الندبات، فترانا اليوم نصغي لسيل من التباهي بعصر خلا، ينعت زورا بـ (الأيام الزاهية!)، ويختزل هناء الماضي في أُكذوبة الترابط الوثيق بين الناس. عن أي وداد يتحدثون وأي صلات يمدحون، وقد كان السائد حينها نجوى المذعور في أذن صفيه، حيث تتردد الكلمة الخائفة المذعورة: “يمعود دیر بالک؛ ترا للحیطان اذان!”.

أي سناء ذاك الذي يزعمون، وأبناء المجتمع يتوجسون خيفة من ظلالهم، حيث انغرست أذناب المخابرين في حنايا الأسر، وصار الولد يشني أباه ليساق إلى حبل المشنقة بتهمة المناقضة لسلطة حزب البعث؟ يشيعون أنها حقبة طيبة لأن الألحان الشجية والأصوات الطربية كانت تملأ الأثير! هل يعقل أن تقاس كرامة الإنسان بعذوبة حنجرة غنت على جثث الراحلين؟

لقد التهمت هوجاء الثمانينيات زهرة الشباب، وغدا كل بيت يرتقب وصول جثمان فتاه مدثرا بالراية الرسمية كي يضفى عليه لقب المفقود في سبيل العرش! ثم أعقب ذلك دهر الخصاصة والمسغبة، فهل كانت تلك العقود خيرا أم كانت جهنم مقامة تحيط بالجميع؟

يتباهى القوم بحافلات مضاعفة السقوف، ودور عرض سينمائية، وأرصفة خالية من الأذى! بيد أن الحقيقة المرة تؤكد أنها ذاكرة معيوبة تعيد طلاء البشاعة، إذ صيرنا حكم البعث تحت مجهر الرقابة الدائمة. ألم تؤد جفوة امرأة إذ سجلت شكاية زوجها لفكر السلطة إلى إنهاء حياته عن بكرة أبيه؟

إن كل من يصر على إضفاء الهالة المنيرة على ذاك العهد الكالح، عهد التعذیب والترویع، عهد القمع والقتل، عهد الأنفال والإبادة والمقابر الجماعیة، هو إما جاهل غارق في زيفه، أو غبي يتصانع الجهل، أو نفعي يستظل بمكاكين الحاضر التي حوت بقايا العهد البائد! يستعرضون صور الوقود القديم والمنبهات العتيقة والعملات البالية، ويدعون أن الآباء رفلوا في العز، بينما الحقيقة أن أيام المطاردة والمشانق حملت من المهانة ما لا يدركه إلا من نشق غبارها.

بينما كان (القائد وحامي البوابة الشرقية!) يشيد الصروح والممرات الفارهة، ويزعم أنها صروح الشعب، كان ذاك الشعب يطوي بطنه على الطور والجوع والخوف والفزع! أما أهل الفكر والرأي الصائب، فقد أزهقت أرواحهم تحت طائلة القمع، أو هاموا في الفجائع والمنافي بعيدا عن أوطانهم.

إن الذين لم يفقدوا صفيا في أتون الحروب، ولم يعانوا المخمصة في زمن الجفاف، هم الوحيدون الذين يحق لهم أن يعزفوا على قيثارة (الزمن الجميل!)؛ إذ كانوا في نعيم الحاشية. وهؤلاء بذاتهم، لا يستحقون سوى أن تعلق صورهم على نعال بالية خلفها الماضي المقتوت.

ليفانت: نوري بیخالي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!