-
هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟
ليست الحروب الكبرى في الغالب تلك التي تبدأ بسبب الحدث الذي يُعلن على الشاشات، ولا تلك التي تُبرَّر في الخطب الرسمية، بل كثيرًا ما تكون لها شرارات خفية، صغيرة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في بنية الصراع نفسه. والتاريخ، سواء الحديث أو القديم، علمنا أن التحولات العظمى لا تنفجر دائمًا بسبب الجيوش الجرارة أو الأسلحة النووية أو الشعارات العقائدية وحدها، بل قد تبدأ أحيانًا من اختلال صامت في منطق القوة، ومن تحوّل مفاجئ في معادلة الكلفة، ومن أداة بسيطة ظاهريًا تكشف عجز المنظومات الكبرى عن مواصلة احتكار الهيمنة كما كانت تفعل سابقًا.
من هذا المنظور، لا يبدو السؤال عن دور المسيّرات الإيرانية في الحرب الراهنة سؤالًا تقنياً محضًا، بل سؤالًا فلسفيًا في طبيعة التحول التاريخي ذاته. فهل كانت هذه المسيّرات مجرد أدوات عسكرية هامشية أضيفت إلى مشهد الصراع، أم أنها كشفت عن شرخ أعمق في بنية النظام الدولي، وجعلت من إيران أكثر من مجرد دولة إقليمية مشاكسة، بل عقدة وظيفية في صراع عالمي على إعادة تعريف الحرب والردع والهيمنة وكلفة البقاء في القمة؟
اعتادت القوى الكبرى، وخصوصًا الولايات المتحدة وحلفاؤها، أن تخوض حروبها من موقع التفوق المركب: تفوق في السماء، وتفوق في التكنولوجيا، وتفوق في الاقتصاد، وتفوق في القدرة على تحمل الكلفة أكثر من الخصم. كانت هذه المعادلة تمنح الغرب ثقته البنيوية؛ ليست دائمًا لأنه ينتصر أخلاقيًا أو سياسيًا، بل لأنه يحتكر أدوات الحرب العالية التكلفة والدقة، ويمتلك بنية اقتصادية تسمح له بتمويل هذا الاحتكار. لكن ما حدث مع المسيّرات الإيرانية، خاصة حين دخلت في قلب الحرب الأوكرانية عبر الدعم الروسي، لم يكن مجرد إزعاج عسكري، بل كان كشفًا مؤلمًا عن تصدع هذه المعادلة.
فلم يعد الغرب أمام خصم يواجهه بالطائرات التقليدية أو بالجيوش المدرعة على النمط القديم، بل أمام أداة منخفضة التكلفة، مرنة، قابلة للإنتاج والتكرار، قادرة على الوصول والإرباك والاستنزاف، وفرض معادلة قاتلة في الاقتصاد العسكري: أن تُجبر دولة كبرى على إطلاق صاروخ اعتراض باهظ الثمن لإسقاط هدف لا تساوي كلفته إلا جزءًا ضئيلاً من ثمن هذا الصاروخ. وحين تتكرر هذه المعادلة مئات المرات، تتحول الحرب من مجرد مواجهة نارية إلى امتحان قاسٍ للعقل الاقتصادي الاستراتيجي. هنا تصبح المسيّرة أكثر من آلة طائرة؛ تصبح فكرة، بل فلسفة حرب جديدة.
الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بمن يملك السلاح الأقوى، بل بمن ينجح في تخريب منطق السلاح الأقوى. وهذا ما فعلته المسيّرات الإيرانية حين وضعت الغرب أمام مأزق غير مريح: كيف يمكن الدفاع عن حليف أو حماية سماء أو إدامة حرب استنزاف طويلة إذا كانت أدوات الاعتراض أغلى من أدوات الهجوم بعشرات أو مئات المرات؟ وكيف يمكن لنظام دولي يزعم قيادة العالم أن يبقى متماسكًا إذا باتت أطراف أقل كلفة وأكثر صبرًا قادرة على إنهكه من داخل معادلته المالية والتقنية؟
من هنا، قد لا يكون من المبالغة القول إن المسيّرات الإيرانية لم تكن سبب الحرب الكبرى بالمفهوم المباشر، لكنها ربما كانت الشرارة الخفية التي نبّهت العقل الغربي إلى أن الخطر الإيراني لم يعد محصورًا في حدود الشرق الأوسط أو في البرنامج النووي أو في شبكة الوكلاء الإقليميين فقط، بل بات يدخل في قلب الصراع على بنية النظام العالمي نفسه. فإيران عبر هذا الدور لم تعد تُرى دولة مشاغبة في الخليج فحسب، بل منتجًا لنمط حرب قادر على خدمة قوى كبرى مناوئة للغرب، وعلى رأسها روسيا، في لحظة عالمية شديدة الحساسية.
وفي سياق الحرب الأوكرانية يتضح الأمر أكثر. روسيا، التي واجهت استنزافًا هائلًا في الذخائر والتجهيزات والوقت، وجدت في المسيّرات الإيرانية ليس فقط دعمًا عسكريًا، بل متنفسًا استراتيجيًا. مكنت هذه الأداة موسكو من إطالة أمد الحرب، وضرب البنية التحتية، وتشتيت الدفاعات، وإجبار أوروبا وأميركا على ضخ موارد إضافية في منظومات اعتراض باهظة الكلفة، بينما كان العالم الغربي يظن أنه يخوض حرب استنزاف ضد موسكو فإذا به يُستنزف أيضًا على مستوى مختلف، أقل صخبًا وأكثر فاعلية.
يتبادر السؤال الأعمق: هل كان استهداف إيران أو الذهاب إلى مواجهة مفتوحة معها مرتبطًا فقط بملفها النووي وأمن إسرائيل وتوازنات الإقليم؟ أم أن الغرب أدرك في لحظة ما أن ترك هذا النموذج يتضخم ويترسخ يعني السماح بظهور بنية حرب عالمية جديدة، تتعاون فيها إيران وروسيا وربما الصين لاحقًا، على كسر الاحتكار الغربي للتفوق، لا من خلال التفوق النوعي المباشر، بل عبر تقويض جدواه الاقتصادية؟
إذا صح هذا التقدير، فالحرب على إيران لم تكن مجرد رد على تهديد قائم، بل محاولة مبكرة لكبح تهديد مستقبلي أخطر. أي أنها لم تكن حربًا على فعل إيران فقط، بل على ما يمكن أن تصبح عليه، وعلى ما يمكن أن تنتجه من شبكات تسليح ومنظومات تحالف ونماذج حرب تعيد توزيع القوة العالمية دون إعلان رسمي عن ولادة قطب جديد. بعبارة أخرى، ربما لم تكن المسيّرات السبب الكامل، لكنها إنذار كشف أن إيران لم تعد مجرد ملف إقليمي، بل حلقة في هندسة دولية مضادة.
ومع ذلك، يظل في هذا التحليل مفارقة قاسية: الحروب التي تشنها القوى الكبرى لكسر تحالفات خصومها كثيرًا ما تنتهي إلى النتيجة العكسية. الضغط على إيران قد يعمق تحالفها مع روسيا، ويدفع الصين إلى مزيد من الحذر العلني والدعم الضمني، وقد يجعل من منطق المسيّرات نفسه أكثر رسوخًا وانتشارًا، لأن كل حرب كبرى لا تدمر الأدوات فقط بل تعلم العالم كيف يعيد إنتاجها ويبتكر منها ما هو أكثر مرونة وأقل كلفة.
هنا تكمن القيمة الفكرية للسؤال: ليس فقط في تحديد ما إذا كانت المسيّرات الشرارة الخفية للحرب الكبرى، بل في فهم ما تعنيه هذه الشرارة تاريخيًا. إنها تعني أن العالم دخل مرحلة تتراجع فيها المسافة بين "السلاح الصغير" و"الأثر الكبير"، وبين "الأداة الرخيصة" و"التحول الاستراتيجي"، وبين "الدولة الإقليمية" و"الدور العالمي غير المعلن". أصبح بإمكان دولة ليست عظمى تقليديًا أن تنتج أداة تخلخل بها معادلات دولية كاملة، وتفرض على القوى الكبرى إعادة حساباتها في الميدان والاقتصاد والتحالفات وفلسفة الردع.
هكذا تصير المسيّرة أكثر من قطعة تكنولوجيا؛ تصبح رمزًا لعصر جديد لم تعد فيه السيطرة حكرًا على من يملك حاملات الطائرات وحدها، بل باتت مهددة أيضًا بمن يملك قدرة إنتاج الاستنزاف الذكي، وجعل العدو يدفع أكثر مما يحتمل من أجل الدفاع عن نفسه. في هذا المعنى، قد لا تكون الشرارة الحقيقية للحرب الكبرى هي المسيّرة بذاتها، بل الفكرة التي حملتها: أن الهيمنة يمكن إنهاكها من الأطراف، وأن تفوق الكلفة قد يصبح نقطة ضعف، وأن الإمبراطوريات قد لا تهزمها الجيوش دائمًا، بل قد يُرهقها سلاح صغير، رخيص، متكرر، يطعن هيبتها قبل أن يطعن دفاعاتها.
لذلك، حين يُسأل اليوم: هل كانت المسيّرات الإيرانية الشرارة الخفية للحرب الكبرى؟ قد يكون الجواب الأدق أنها لم تكن الشرارة الوحيدة، لكنها كانت واحدة من أكثر الشرارات دلالة على أن العالم دخل بالفعل مرحلة ما قبل الانفجار. لقد كشفت ما كان مخبوءًا تحت السطح: أن الصراع لم يعد على الأرض فقط، ولا على النووي فقط، ولا على الشرق الأوسط فقط، بل على من يملك القدرة على إعادة تعريف معنى الحرب نفسها.
وفي هذه النقطة بالذات لم تعد المسيّرات مجرد سلاح، بل علامة على تحوّل تاريخي وبداية زمنٍ لم يعد السؤال فيه: من يملك القوة الأكبر؟ بل: من يملك القدرة الأذكى على إنهاك القوة الأكبر؟
د. محمود عباس
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

