الوضع المظلم
الإثنين ٠٢ / نوفمبر / ٢٠٢٦
Logo
إيران… جيل جديد يرفض من يفكر نيابة عنه
إيران… جيل جديد يرفض من يفكر نيابة عنه

ليس محمد رضا باهنر من معارضي النظام الحاكم في إيران. فهو سياسي محافظ مخضرم، شغل منصب نائب رئيس مجلس الشورى لسنوات، وما زال عضوًا في مجمع تشخيص مصلحة النظام. ولهذا تحديدًا تكتسب تصريحاته الأخيرة أهمية تتجاوز شخصه.

ففي حديثه عن الجيل الجديد، قال باهنر إن الشباب لم يعودوا يريدون شخصًا في موقع "الرئيس أو القائد الفكري" يخبرهم كيف يفكرون، وإنهم يريدون أن يشكلوا مرجعيتهم الفكرية بأنفسهم. وذهب إلى حد القول إن البلاد لا تحتاج إلى "شيخ ومنقذ".

قد تبدو العبارة في ظاهرها جزءًا من نقاش حول تجديد الخطاب المحافظ. لكنها داخل نظام يقوم على فكرة ولاية الفقيه تطرح سؤالًا أعمق بكثير: ماذا يحدث عندما يتغير المجتمع بينما تبقى بنية السلطة قائمة على مبدأ الوصاية؟

جيل لا يقبل الوصفات الجاهزة

الأهم في كلام باهنر ليس الدعوة إلى تغيير شخص أو حزب، بل اعترافه بأن طبيعة العلاقة بين الأجيال الجديدة والسلطة تغيرت.

فالنظام الحاكم في إيران قام طوال عقود على منظومة واسعة من المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية التي لا تكتفي بإدارة الدولة، بل تسعى أيضًا إلى رسم الحدود الفكرية والثقافية المقبولة للمجتمع.

وفي قلب هذه المنظومة تقف ولاية الفقيه، التي تمنح المرشد موقعًا يتجاوز المؤسسات المنتخبة في ملفات الدولة الأساسية.

لكن الجيل الذي يتحدث عنه باهنر نشأ في بيئة مختلفة. لديه وصول أوسع إلى مصادر المعلومات، ويقارن الخطاب الرسمي بما يراه في حياته اليومية، ولا يتعامل تلقائيًا مع المرجعية السياسية أو الدينية باعتبارها مصدرًا نهائيًا للحقيقة.

لهذا فإن قوله إن الشباب يريدون "أن يفكروا بأنفسهم" لا يصف مجرد اختلاف بين الآباء والأبناء. إنه يشير إلى تناقض بين مجتمع تتسع فيه الفردية وحرية الاختيار وبين نظام سياسي ما زال يقوم على الطاعة من أعلى إلى أسفل.

الإعلام الرسمي ومشكلة الثقة

باهنر فتح نافذة ثانية على الأزمة حين تساءل عن العلاقة التي تربط اليوم الإعلام الرسمي بجمهوره.

السؤال في حد ذاته مهم.

فالتلفزيون الرسمي الإيراني يمتلك شبكة واسعة وإمكانات مالية كبيرة ويحتكر جزءًا مهمًا من البث الداخلي، لكن السيطرة على وسائل الاتصال لا تعني بالضرورة السيطرة على قناعات الجمهور.

وهنا تظهر مشكلة مختلفة عن الرقابة.

الدولة تستطيع حجب وسيلة إعلام، أو تقييد الإنترنت، أو إغلاق صحيفة. لكنها لا تستطيع بقرار إداري أن تفرض الثقة.

خلال السنوات الماضية، اتجه كثير من الإيرانيين إلى وسائل التواصل والمنصات الرقمية والقنوات الفضائية للحصول على روايات بديلة للأحداث، رغم محاولات السلطة المستمرة لتقييد الوصول إليها.

ولهذا فإن أزمة الإعلام الرسمي ليست أزمة تقنية أو أزمة برامج. إنها جزء من فجوة أوسع بين الرواية الرسمية وتجربة المواطن اليومية.

السلطة والإقناع

يمكن لأي نظام أن يفرض الامتثال بالقانون أو بالقوة لفترة من الزمن، لكن الامتثال لا يساوي القبول.

هذه هي النقطة الأكثر حساسية في تصريحات باهنر.

فحين يتراجع تأثير المؤسسات التي يفترض أن تنتج الشرعية—الإعلام، الخطاب الديني، التعليم، والمرجعيات السياسية التقليدية—تزداد حاجة السلطة إلى أدوات أخرى للحفاظ على الانضباط.

ولا يعني ذلك أن النظام فقد السيطرة، أو أن تصريحات باهنر تدل على انتقاله إلى موقع معارض. هو نفسه ما زال جزءًا من المؤسسة ويطرح أفكاره في إطار البحث عن طرق جديدة لإدارة النظام والتيار المحافظ.

لكن أهمية كلامه تكمن في أن المشكلة باتت تُناقش من الداخل: المجتمع الذي كان يفترض أن يتلقى التوجيه لم يعد يتجاوب بالطريقة القديمة.

أزمة تتجاوز الإعلام

باهنر لم يحصر قلقه في الشباب أو التلفزيون الرسمي. فقد تحدث أيضًا عن مستقبل السياسة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية.

وهذا الاتساع مهم، لأن هذه الملفات لا تعمل بصورة منفصلة.

الأزمة الاقتصادية تضعف الثقة بالمؤسسات. القيود الاجتماعية تزيد الفجوة بين الأجيال. الأزمات الخارجية تضيق هامش المناورة. وعندما يعجز الإعلام الرسمي عن إقناع المجتمع برواية السلطة، تتجمع هذه الضغوط بدل أن يبقى كل منها في ملف مستقل.

المشكلة هنا ليست فقط وجود مسؤول سيئ أو سياسة خاطئة. إنها تتعلق بقدرة نظام شديد المركزية على تصحيح أخطائه.

فعندما تتركز السلطة في القمة، تتركز معها المسؤولية. وكلما صعبت محاسبة المؤسسات من الأسفل، أصبح تعديل المسار أكثر اعتمادًا على القرارات الصادرة من الأعلى.

ماذا تعني عبارة «لا نحتاج إلى منقذ»؟

لا ينبغي تحميل عبارة باهنر أكثر مما تحتمل. حديثه جاء في سياق نقد السياسة القائمة على الشخصيات المحورية والحاجة إلى أحزاب أقوى، وليس إعلانًا مباشرًا ضد مبدأ ولاية الفقيه.

لكن الكلمات تكتسب أحيانًا معنى أوسع من السياق الذي قيلت فيه.

حين يقول سياسي محافظ إن الجيل الجديد لا يريد قائدًا فكريًا يملي عليه كيف يفكر، فإنه يصف واقعًا يصعب فصله عن نموذج سياسي يعطي شخصًا واحدًا موقع المرجعية العليا.

وهنا تكمن المفارقة.

يمكن للسلطة أن تغير الخطاب، وتحسن برامج الإعلام، وتستبدل مسؤولين، بل وتدعو الشباب إلى المشاركة. لكن يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع نظام يقوم على الوصاية السياسية والفكرية أن يتكيف مع جيل يريد أن يختار مرجعيته بنفسه؟

تصريحات باهنر لا تثبت أن النظام على وشك الانهيار، ولا أن الجيل الجديد يحمل موقفًا سياسيًا واحدًا. لكنها تكشف أن حتى بعض رجاله المخضرمين باتوا يرون أن العلاقة القديمة بين السلطة والمجتمع لم تعد تعمل كما كانت.

وهذا ربما هو السؤال الأصعب أمام النظام اليوم: ليس كيف يقنع الشباب برسالته، بل ماذا يفعل عندما لم يعد الشباب يقبلون أصلًا أن يفكر أحد نيابة عنهم.

ليفانت: فرامرز صفا، كاتب وباحث إيراني

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!