الوضع المظلم
الثلاثاء ٠٧ / أبريل / ٢٠٢٦
Logo
  • الشرق الأوسط في عصر السيولة لا حرب كبرى ولا سلام دائم

الشرق الأوسط في عصر السيولة لا حرب كبرى ولا سلام دائم
محمد البغدادي

ملامح المستقبل الجيوسياسي للشرق الأوسط لم تعد تُقرأ عبر خرائط الدول فقط، بل عبر توازنات أكثر تعقيداً تتداخل فيها الطاقة، التكنولوجيا، والهويات المتحركة. المنطقة تقف عند مفترق تاريخي يشبه، في كثير من جوانبه، ما أعقب ، حين أُعيد رسمها، لكن الفارق اليوم أن إعادة التشكل لا تُدار من الخارج وحده، بل من داخل البنى الإقليمية نفسها.

أول الملامح هو تحوّل مركز الثقل من الصراع العسكري المباشر إلى صراع النفوذ المركّب. لم تعد الحروب التقليدية وحدها الحاسمة، بل أدوات مثل الاقتصاد، الممرات التجارية، الأمن السيبراني، والتحالفات المرنة. ما نشهده منذ تداعيات  كشف أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة، بل لاعب في إعادة توزيع الطاقة عالمياً، خصوصاً مع تصاعد أهمية الخليج كمصدر بديل ومستقر نسبياً.

الملمح الثاني يتمثل في تآكل مفهوم “المحاور الصلبة”. الاصطفافات التقليدية التي كانت تُقسم المنطقة بين معسكرات واضحة بدأت تتفكك. دول مثل  و، رغم التنافس العميق، تتجه نحو إدارة الصراع بدلاً من تفجيره، كما ظهر في مسارات التهدئة الأخيرة. هذا لا يعني نهاية التنافس، بل تحوّله إلى لعبة توازنات دقيقة تُدار بأدوات دبلوماسية وأمنية منخفضة الحدة.

ثالثاً، صعود الفاعلين غير الدولتيين سيبقى عاملاً حاسماً، لكنه سيتخذ شكلاً مختلفاً. التنظيمات المسلحة لن تختفي، لكنها ستندمج أكثر في معادلات الدولة أو تتحول إلى أوراق ضغط ضمن استراتيجيات إقليمية، كما في حالات  أو . هذا التحول يجعل الصراع أقل وضوحاً، لكنه أكثر استدامة.

الملمح الرابع هو عودة الجغرافيا الاقتصادية بقوة. مشاريع الربط الإقليمي، من ممرات الطاقة إلى السكك الحديدية، ستعيد تعريف التحالفات. العراق، بموقعه بين  و و، يمكن أن يتحول من ساحة تنازع إلى عقدة وصل، إذا ما أُحسن استثمار موقعه. وهنا يصبح الاستقرار الداخلي شرطاً جيوسياسياً، لا مجرد شأن محلي.

خامساً، دخول القوى الكبرى بآليات مختلفة. الولايات المتحدة لن تنسحب كلياً، لكنها ستقلّص انخراطها المباشر، مقابل صعود أدوار  و، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً وتقنياً. هذا التعدد في الرعاة الدوليين يمنح دول المنطقة هامش مناورة أكبر، لكنه يرفع أيضاً كلفة الأخطاء الاستراتيجية.

أخيراً، العامل الديموغرافي والتكنولوجي. مجتمعات شابة، متصلة رقمياً، ستضغط باتجاه أنماط حكم مختلفة، ما يضع الأنظمة أمام تحدي التكيف أو المخاطرة بالاضطراب. الجيوسياسة هنا لن تُحسم فقط في العواصم، بل أيضاً في الفضاء الرقمي.

في المحصلة، الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة “السيولة الجيوسياسية”: لا حروب شاملة كبرى، ولا سلام مستقر، بل توازنات متحركة، تُدار فيها الأزمات بدل حلّها. والسؤال الحاسم ليس من سينتصر، بل من يستطيع التكيّف أسرع مع عالم يتغير من حوله بوتيرة غير مسبوقة.

ليفانت: محمد البغدادي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!