-
اتفاق دمشق – قسد: انتصار الدولة أم إعادة تعريف القضية الكردية؟
لم يعد اتفاق دمشق – قسد مجرد بداية مرحلة غامضة، بل أصبح اختبار فعلي لموازين القوة والشرعية في شمال شرق سوريا. ما يجري اليوم ليس تنفيذ تقني لبنود اتفاق، بل إعادة تشكيل عميقة للواقع السياسي والأمني، تحمل في طياتها تنازلات متبادلة ومكاسب غير متوقعة.
الحسكة تتقدم… وكوباني تنتظر
خلال الأسابيع الأخيرة تحركت الدولة السورية بسرعة في محافظة الحسكة. دخول الأمن العام إلى القامشلي، رفع العلم السوري، الانتشار في مطار القامشلي، ثم التوجه إلى رميلان واستلام آبار النفط، كلها خطوات تؤكد أن دمشق تسعى إلى تثبيت حضورها في المفاصل السيادية اولا.
لكن التنفيذ لا يسير بالوتيرة نفسها في كل المناطق.
كوباني مازالت تعيش وضع مختلف. الحصار الجزئي مستمر، والانسحاب من بعض القرى جنوب المدينة لم ينجز بالكامل، وإعادة انتشار الأسايش لم تكتمل كما نص الاتفاق. إذا كان الاتفاق يطبق في الحسكة، فمن الطبيعي أن يطبق أيضا في محافظة حلب. استمرار هذا التفاوت يخلق شعور بأن التنفيذ انتقائي، وهو أمر يضعف الثقة بالمسار كله.
إنهاء حصار كوباني ليس تفصيل اداري، بل اختبار حقيقي لجدية الاتفاق.
بطء التنفيذ: تأخير اداري ام تعطيل سياسي؟
منذ الإعلان عن الاتفاق، بدت قسد أسرع في تنفيذ التزاماتها الأولية. في المقابل، ظهر تردد واضح من جانب الحكومة في بعض الملفات، وأبرزها مسألة تعيين محافظ الحسكة.
التأخر في صدور المرسوم الرئاسي، ووصف المحافظ لفترة بأنه قائم بالأعمال في الإعلام الرسمي، اعطى انطباع بأن القرار سياسي أكثر منه إداري. صدور المرسوم لاحقا، بالتزامن مع سياق دولي حساس، عكس وجود ضغوط متبادلة أكثر مما عكس انسجام كامل داخل مؤسسات الدولة.
هذا البطء لا يعني انهيار الاتفاق، لكنه يؤكد أنه يسير في منتصف الطريق، بين التنفيذ والتعطيل.
هل هو انتصار لدمشق فقط؟
من زاوية أولى قد يبدو أن ما يحدث يمثل استعادة كاملة لسيطرة دمشق على الجغرافيا السورية، وأن عملية الدمج انتصار سياسي واضح للدولة.لكن الصورة أكثر تعقيد.
تقليص مناطق قسد إلى المناطق ذات الغالبية الكردية، وانهاء نموذج الإدارة المنفصلة، يعني أيضا انتقال الكُرد من موقع سلطة أمر واقع إلى موقع مكون يسعى إلى شرعية داخل الدولة. هذا التحول، رغم ما يحمله من تنازلات، يمنحهم اعتراف سياسي لم يكن قائم سابقا.
لم يعد الحديث عن كيان مواز، بل عن شراكة داخل مؤسسات الدولة، حتى وإن كانت هذه الشراكة ما زالت قيد الاختبار.
حضور القيادات الكُردية في مؤتمر ميونيخ ولقاءاتهم الدولية، اضافة الى النقاشات في الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي حول حماية شمال شرق سوريا وحقوق الأقليات، كلها مؤشرات على أن الملف الكُردي بات جزء من نقاش دولي أوسع، ولو بصيغة غير مباشرة.المعادلة هنا مزدوجة: خسارة مشروع واسع مقابل كسب شرعية سياسية.
العقدة الأخطر: دمج وحدات حماية الشعب والمرأة
يبقى ملف دمج وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة ضمن هيكلية الجيش السوري أكثر النقاط حساسية. المسألة ليست تقنية عسكرية فحسب، بل ترتبط بتباين تنظيمي وعقائدي عميق بين الطرفين.
إذا جرى الدمج بطريقة تحافظ على هوية هذه القوات ضمن إطار وطني واضح، فقد يشكل ذلك مدخل لإستقرار طويل الأمد. اما اذا تحول الى تفكيك قسري بلا ضمانات، فسيخلق توتر داخلي جديد.هذه النقطة ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
تركيا بين المرونة والحذر
الموقف التركي يبدو أقل تصعيد مما كان متوقع. هناك مرونة نسبية، خاصة مع الحديث عن مغادرة عناصر من حزب العمال الكردستاني إلى جبال قنديل، وهو مطلب تركي قديم.
لكن هذه المرونة مشروطة. تركيا ستراقب شكل الكتلة العسكرية الكردية المتبقية. فإذا اندمجت فعليا ضمن مؤسسات الدولة، قد يتغير تعريفها. اما اذا بقيت كتلة مستقلة فعليا، فسيظل التوتر قائم.
السؤال المطروح الآن: هل تعتبر انقرة ان تقلص مناطق قسد الى مناطق كردية خالصة كاف لتخفيف مخاوفها، ام ان الملف لم يغلق بعد؟
الملفات المؤجلة: عفرين وسري كانيه
الاتفاق الحالي لم يعالج بوضوح مستقبل عفرين وسري كانيه (رأس العين). هاتان المنطقتان تمثلان جرح مفتوح في الوعي الكُردي، ولا يمكن لأي تسوية مستقرة أن تتجاوزهما.
حتى لو لم تكونا ضمن البنود العاجلة، فهما ستبقيان جزء من أي نقاش مستقبلي بين دمشق والقوى الكُردية، لان الحديث عن ادارة كُردية ضمن الدولة يفترض معالجة كل المناطق ذات الغالبية الكُردية.
سياسة الاحتواء الثقافي
الخطوات التي اتخذتها دمشق فيما يتعلق باللغة الكُردية، سواء عبر الاعلام او الانشطة الثقافية، تحمل دلالات سياسية واضحة. لكنها حتى الآن تبدو محدودة ورمزية.
قد تكون هذه الخطوات محاولة لكسب الشارع الكردي وتحسين الصورة دوليا، خاصة في ظل التدقيق الدولي في ملف الأقليات. ما إذا كانت ستتحول الى سياسة مؤسسية دائمة ام تبقى إجراءات تكتيكية، فهذا ما ستكشفه المرحلة المقبلة.
القاعدة الشعبية بين القبول والقلق
لا يمكن تجاهل ان المجتمع الكُردي عاش أربعة عشر عاما من ادارة شبه مستقلة. الانتقال الى صيغة جديدة ليس تحول سهل نفسياً ولا سياسياً، خصوصاً بعد سنوات من الصراع والانتهاكات.
وفي المقابل، هناك عشائر في المناطق المختلطة تنظر الى بعض الترتيبات الأمنية بقلق، وترى في اعادة انتشار الاسايش عودة إلى معادلات لم تكن ترغب بها.الاتفاق يتحرك على مستوى القيادات، لكن استقراره سيتحدد بمدى قبوله مجتمعيا.
اتفاق في منتصف الطريق
ما يجري اليوم ليس عودة كاملة للدولة، ولا استمرار لنموذج الادارة السابقة، بل صيغة انتقالية بين الاثنين.
نجاح هذه المرحلة يتوقف على تنفيذ متوازن في كل المناطق، بما فيها كوباني، وعلى وضوح ملف دمج القوات، وعلى معالجة الملفات المؤجلة، من عفرين الى سري كانيه.
إذا تحقق ذلك، قد تتحول اعادة التموضع الى بداية استقرار. اما اذا استمر التنفيذ الانتقائي، فستبقى المرحلة مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيد.
السؤال لم يعد من يسيطر على الأرض، بل من ينجح في تحويل هذه اللحظة الى صيغة شراكة، لا الى هدنة مؤقتة.
ليفانت: هوزان يوسف
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

