الوضع المظلم
الأربعاء ٠٤ / فبراير / ٢٠٢٦
Logo
  • مأزق "العبور" السوري: من الشرعية الفصائلية إلى سراب المؤسساتية

مأزق
أحمد منصور

إن ارتفاع أسعار الكهرباء لا يمثل عبئًا عابرًا على المواطنين السوريين، بل يشكل أزمة حقيقية تؤثر سلبًا في جودة الحياة والمعيشة للأسر والأفراد في سوريا التي تعاني أساسًا من رداءة المعيشة.

​تتموضع الحالة السورية اليوم، ضمن برزخ سياسي معقد؛ حيث تحاول السلطة الحالية للمرحلة الإنتقالية بقيادة الأستاذ أحمد الشرع اجتياز المسافة بين "أمير الحرب" و"رجل الدولة". لكن هذا العبور لا يبدو استراتيجياً بقدر ما هو "تكتيك بقاء"، يفتقر إلى الركائز الأساسية التي تمنح عملية بناء الدولة ومن ثم ديمومتها: الشرعية الشعبية، والشفافية الاقتصادية، والاندماج الاجتماعي.


​أولاً: العجز البنيوي في "هندسة الدولة"
​إن بناء الدولة ليس عملية تقنية تتعلق برصف الطرق أو افتتاح مكاتب خدمية (بشهادة طيف واسع من السوريون أنها ما زالت عبارة عن "دكاكين إدارية")، بل هو عملية "توزيع سلطة". ما يحدث الآن هو العكس تماماً: مركزة السلطة في قبضة النواة الصلبة للهيئة مع تفتيت المجتمع.
​المتاهة الشاقولية: حيث تعني أن الأوامر تهبط من الأعلى دون قنوات ارتداد (Feedback) من القاعدة الشعبية، مما يخلق قطيعة بين طموحات السلطة في الاعتراف الدولي وبين واقع المواطن القابع تحت خط الفقر.
​تأميم الموارد: إن غياب الشفافية حول الأموال  والحسابات المصرفية و العقارات والأراضي المصادرة يحول "الدولة المشتهاة" إلى "إقطاعية سياسية"، حيث تصبح الموارد وسيلة لشراء الولاءات الفصائلية والعشائرية بدلاً من أن تكون وقوداً للدورة الاقتصادية الوطنية.
​ثانياً: العسكرة الاجتماعية كعائق للسياسة
​تعد عسكرة المكونات (من المدينة والريف إلى القبيلة) أخطر أدوات تقويض "المجتمع المدني". عندما تُحكم العلاقات الاجتماعية بمنطق القوة والسلاح، تسقط "السياسة" بمفهومها التشاركي.
​التقاسم العائلي: إن بروز صيغ المحاصصة بين العائلات النافذة ضمن  الفصائل وتيار الإسلام السياسي يعيد إنتاج "نظام الزبائنية"، حيث تُختصر الدولة في شبكة من المصالح الضيقة التي تخشى أي انفتاح سياسي قد يهدد مكاسبها.
​تغييب الكفاءات: الخوف من عودة الشخصيات الوطنية (االمثقفة ولقانونية والسياسية والأكاديمية والأقتصادية ... إلخ) ليس مجرد هاجس أمني، بل هو ضرورة لحماية هذا "الاقتصاد المغلق"؛ فالعقول المؤسساتية ستطالب بالمساءلة، والمساءلة هي العدو الأول للغرف المظلمة التي تُدار فيها الأموال.
​ثالثاً: مآلات الغياب التشاركي (أين تمضي سوريا؟)
​غياب الحياة السياسية والاجتماعية التشاركية يضع سوريا والمنطقة أمام "نموذج الدولة الهشة الدائمة":
​اقتصادياً: سيستمر الهروب الرأسمالي، ولن تجد المشاريع الإنتاجية بيئة حاضنة، مما يحول المنطقة إلى "ثقب أسود" للمساعدات الإنسانية دون تنمية حقيقية.
​اجتماعياً: عسكرة العشائر والمكونات ستؤدي على المدى البعيد إلى "صراعات بينية" كلما تقلصت الموارد، مما يهدد السلم الأهلي الهش أصلاً.
​سياسياً: ستؤول وتبقى هذه الكيانات معزولة دولياً، مهما حاولت تسويق نفسها ببدلات مدنية، لأن "الاعتراف" يتطلب مؤسسات لا يقتصر دورها على تنفيذ الأوامر، بل على تمويل السيادة من خلال عقد اجتماعي حقيقي.
​في الخاتمة من نافلة القول لا بد من وجود حتمية المسار البديل
​إن الانتقال الحقيقي من "حكم الفصيل" إلى "إدارة الدولة" يتطلب شجاعة سياسية تتمثل في تفكيك البنية الأمنية لصالح القضاء المستقل ووفق دستور يحميه عقد إجتماعي مُصان ومحمي يتوافق عليه جميع السوريون، وفتح دفاتر المصادرات للعلن، وتوفير بيئة قانونية تحمي المعارض والمستقل قبل الموالي. بدون هذه أقل الشروط، سنظل أمام "سلطة أمر واقع" تحاول تجميل نفسها، بينما يظل المجتمع السوري يدفع ثمن هذه التجربة من مستقبله وقدرته على البناء.

ليفانت: أحمد منصور
 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!