-
الجولاني بين وهم الأبدية وحتمية السقوط

منذ اللحظة التي صافحه فيها دونالد ترامب، بدأ العدّ التنازلي للجولاني – أحمد الشرع، وقادة هيئة تحرير الشام، بل وحكومته، تلك المصافحة لم تكن مجرد بروتوكول سياسي عابر، بل كانت إعلانًا خفيًا بأن الرجل الذي صنع لنفسه صورة "الأمير الإسلامي" تحول إلى مشروع دولي محدود الصلاحية، يُستخدم حينًا ويُحرق حين تحين ساعته، منذ تلك اللحظة، لم يعد الجولاني زعيمًا مطلقًا كما أراد أن يظهر، بل ورقة ضمن معادلات واشنطن وتل أبيب وأنقرة، ورقة لا وزن لها إلا بقدر ما تخدم مصالح الآخرين.
لكن سقوطه كشخص ونظام سياسي أو هيمنة إيديولوجية متطرفة لا يُقرأ فقط من زاوية السياسة الدولية، بل من داخله ومن أفعاله، أي أفعال منظمته الإرهابية المتطرفة، فالرجل الذي حاول أن يرتدي ثوب "الحاكم المعتدل" سرعان ما انكشف بخطاب الكراهية وممارسات حكومته، الجرائم التي ارتكبتها مجموعاته في الساحل السوري ضد العلويين لم تكن سوى بداية؛ تلتها استهدافات أفظع ضد المسيحيين، أبرزها تفجير كنيسة مار ألياس في دمشق، ثم جرائم جرمانا، وصولًا إلى المجازر بحق الموحدين الدروز الذين عُرفوا بوطنيتهم وصلابتهم، هذه الأفعال لم تشوّه صورته أمام المجتمع الدولي فحسب، بل نزعت عنه أي شرعية كان يحاول أن يتدثر بها أمام السوريين أنفسهم.
ومع ذلك، فإن الكارثة لم تكن محلية الطابع وحدها، فالمسار الأخطر الذي يفضح حقيقة مشروع الجولاني هو مسار التطبيع مع إسرائيل، إلى حدّ الحديث عن تبادل السفراء، لم يكن ذلك من فراغ، فإسرائيل لم تكتفِ بمراقبة المشهد، بل شاركت في صياغته، مدفوعة بهاجس إعادة رسم الخرائط، وبالتنسيق المباشر مع تركيا التي سلحته وزودته بالعتاد وفتحت له أبواب المشهد الإقليمي، بدا وكأن الرجل الذي قدّم نفسه عدوًا للغرب، يجد نفسه اليوم أداة طيّعة بيد القوى نفسها التي ادّعى مقاتلتها، وهنا تكمن المفارقة: فالتطرف السني الذي يتبناه لا يقل خطرًا على مصالح أمريكا وإسرائيل عن التطرف الشيعي الإيراني، ما يجعل من الجولاني مجرّد ورقة مؤقتة قابلة للإلقاء في أي وقت.
التاريخ يُعيد نفسه، والأنماط تتشابه رغم اختلاف الأسماء، طالبان التي قيل إنها كسبت الحرب بدأت تتآكل من الداخل الأفغاني، وتواجه اليوم انحدارًا لا مفر منه، لأن الحروب تغذي التطرف، بينما السلام الطويل يخمده ويعرّيه، والمثال الأوضح نجده في أمريكا اللاتينية، بابلو أسكوبار، زعيم المافيا الكولومبية، الذي حاول أن يلبس ثوب السياسي ودخل البرلمان مرشحًا للرئاسة، ليُكشف لاحقًا أنه ليس سوى رأس أكبر كارتيل للمخدرات في العالم، حينها استخدمت واشنطن أسلوبًا مشابهًا، تركته يلمع قليلًا، ثم دفعت من داخل البرلمان بشخصيات تكشف فساده، فسقطت هالته أمام عيون الناس، ولم ينفعه العنف ولا المال في إنقاذ صورته.
وهذا ما ينتظره، فكلما اتسعت صورته الإعلامية، تكشفت جرائمه أكثر، وكلما حاول أن يقدّم نفسه رجل دولة، بدا أكثر التصاقًا بماضيه الدموي، مقاتل إلى جانب الزرقاوي ثم البغدادي، غارق في دماء الجنود الأمريكيين والعراقيين والسوريين معًا، وربما عن قريب سيتكشف للعالم بشكل واضح، ومن على منصة الأمم المتحدة نفسها، ما حاول الجولاني طمسه خلف أقنعته، وفي النهاية، لن يُنظر إليه لا كزعيم سياسي ولا كخليفة، بل كقاتل ملطخ اليدين، لا تقل جرائمه عن جرائم الأسد وصدام.
لهذا السبب، فإن أي مواجهة مباشرة ضده من قبل أمريكا أو إسرائيل ستكون خاسرة في نظر الشعوب السنية، حتى لو ربحتها الحكومات، فالرهان اليوم على تآكله من الداخل، وعلى جعله ينزف شرعية خطوة بخطوة حتى يسقط وحده، تمامًا كما سقط غيره من زعماء الإرهاب، ولربما هذه هي السياسة التي يراهن عليها المبعوث الأمريكي توماس باراك، تفكيك هالته ببطء، وإسقاطه بيد السوريين أنفسهم، حتى لا يقال إن الخارج هو من أطاح به.
مرحلة سقوط الجولاني وحكومته قد لا تطول أكثر من عام أو يزيد قليلًا، فالمؤشرات تتزايد، انكماش شعبيته، تصاعد خطاب الكراهية، ازدياد الجرائم ضد المكونات الأخرى من الشعب السوري، وصاحب القوة الحقيقية، كما يعلمنا التاريخ، لا يلوذ بالضجيج والتهديدات الكارثية، بل بالصبر والحكمة، أما الضعيف، فهو من يفتعل المعارك الوهمية ليغطي على خوفه، والجولاني اليوم يستقوي بميليشيات منفلتة ترتكب الفظائع ثم يعلن التبرؤ منها، في مشهد بائس يعيد للأذهان نهايات الطغاة الذين توهموا الخلود.
فالتاريخ يملك ذاكرة أطول من أعمارهم، والزمن أثبت مرارًا أن السلطة المبنية على الدم لا تدوم، الجولاني ومنظمته الإرهابية، مثل غيره من المستبدين، قد يظن أن قوته تمنحه الخلود، لكن كل استبداد، إن كان رجلا أو منظمة سياسية أو إيديولوجية، يحمل بذرة فنائه في داخله، فالدماء التي سفكها ليست جسرًا إلى مستقبل، بل لعنة تتعقبه وقادة حكومته، والرهان على الخوف والكراهية لا يُنجب دولة، بل يولّد سقوطًا أسرع وأشد هولًا، وهكذا، فإن نهاية الجولاني والتكفيريين الذين حوله، ليست مجرد توقع سياسي، بل حتمية تاريخية، يفرضها منطق الحياة الذي لا يبقي مكانًا للأبديين المزيّفين.
د. محمود عباس
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!